Friday, 31 December 2021

الصفات الإلهية بين أهل التنزيه وأهل التشبيه

 الصفات الإلهية

بين
أهل التنزيه وأهل التشبيه



الفصل الأول
تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات بأي جهة من الجهات


دلّت القواطع النقلية والعقلية على استحالة وقوع أي وجه من وجوه الشبه بين الخالق تعالى والمخلوقات .

فمن النقل :
قوله تعالى : ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)) , ووجه الدلالة :

- أن اجتماع كلمتي التشبيه ( "الكاف" , و"مثل") في سياق النفي يفيد نفي أدنى مشابهة , فإن التشبيه الذي حُذفت فيه أداة التشبيه يسمى "مؤكدًا" , والتشبيه الذي أرسلت وذكرت فيه الأداة يسمى "مرسلًا" , وكلمّا حذفتَ أدوات التشبيه زاد وجه الشبه , وكلّما أدرجتَ أدوات التشبيه وأرسلتها ضعُف وجه الشبه وقلّ , فوجه الشبه في قولك : (زيدٌ أسدٌ) أقوى من وجه الشبه في قولك : (زيد كالأسد) لأنك أدرجتَ في الثاني أداة التشبيه (الكاف) , ووجه الشبه في قولك : (زيدٌ كالأسد) أقوى من وجه الشبه في قولك : (زيدٌ كــمثل الأسد) لأنك أدرجت أداتي تشبيه في الثاني وهما (الكاف والمثل) , فوجه الشبه في قولك : (زيدٌ كــمثل الأسد) أضعف ما يكون , فإذا أدخلتَ أداة النفي (ليس) على التشبيه المتضمن أضعفَ وجهٍ من وجوه الشبه فقد نفيتَ أدنى مشابهة , فلما دَخَلت أداة النفي (ليس) على التشبيه المشتمل أدنى وجه من وجوه الشبه أفاد ذلك نفي المشابهة من كلّ وجه .

- وعلى اعتبار زيادة حرف التشبيه (الكاف) تكون الآية قد نفت المماثلة , وعلى اعتبار زيادة أداة التمثيل (مثل) تكون الآية قد نفت المشابهة , وعلى اعتبار ثبوتهما تكون الآية قد نفت المشابهة والمماثلة معًا , فنفت الآية بأداة النفي (ليس) الأمرين جميعًا .

- وإذا قلتَ : (زيدٌ ليس كالأسد) أفادت أنه لا يشبهه من بعض الوجوه , وإذا قلت : (زيدٌ ليس مثل الأسد) أفادت أنه لا يماثله من جميع الوجوه , لكنّك إذا أردت المبالغة التامة في نفي الاشتراك بينهما بشبه ولو من وجه بعيد قلت : (زيد ليس كمثل الأسد) , مما يفيد نفي المشابهة والمماثلة أيضًاً , فلما أراد الله تعالى نفي المشابهة والمماثلة قال : ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)) .

- وإذا قلنا بأنّ المثل هنا هو (الصفة) , ففيه تنبيه على أنّه -سبحانه وتعالى- وإن وُصِفَ بكثير مما يوصف به البشر , فإن الاشتراك في الصفات اشتراك لفظي لا حقيقي .

- وإذا قلنا بأنّ المثل هاهنا هو (الشبيه) , ففيه تنبيه على أنّه -سبحانه وتعالى- لا يشبهه شيء , قال الإمام الكفوي في «الكليات» ص851:
(وَاعْلَم أَن الْمثل الْمُطلق للشَّيْء هُوَ مَا يُسَاوِيه فِي جَمِيع أَوْصَافه، وَلم يتجاسر أحد من الْخَلَائق على إِثْبَات الْمثل الْمُطلق لله، بل من أثبت لَهُ شَرِيكا ادّعى أَنه كالمثل لَهُ، يَعْنِي يُسَاوِيه فِي بعض صِفَات الإلهية، فالآية ــ يعني قوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ــ رد على من زعم التَّسَاوِيَ من وَجه دون وَجه).

- وكلمة (شيء) في الآية الكريمة جاءت نكرة , وجاءت هذه النكرة في سياق النفي , ومن المعلوم أنّ النكرة في سياق النفي تعمّ , فالآية الكريمة قد نفت جميع وجوه الشبه بين الخالق تعالى والمخلوقات في الذات والصفات والأفعال.

- أضف إلى ذلك أنّ كلمة (مثل) هي أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة , قال الإمام الفيروزأبادي في "بصائر ذوي التمييز" : (وهو –يعني لفظ المثل- أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة , وذلك أن الند يقال فبما يشاركه في الجوهرية فقط , والشكل يقال فيما يشاركه في القدر والمساحة , والشبه يقال فيما يشاركه في الكيفية فقط , والمساوي يقال فيما يشاركه في الكمية فقط , والمثل عام في جميع ذلك , ولهذا لما أراد الله نفي التشبيه من كل وجه خصه بالذكر , فقال تعالى في سورة الشورى : "ليس كمثله شيء") , وذكر مثله الإمام اللغوي الراغب الأصفهاني في مفرداته.

فالآية دالة على أنّ الله تعالى منزّه عن مشابهة شيء من المخلوقات من كلّ جهة , فيكون الاشتراك بين صفات الله تعالى وصفات المخلوقات هو اشتراك لفظي لا غير .

ومن العقل :
ما قاله الإمام البيهقي بأسلوبه البسيط في كتابه "الاعتقاد (ص37):
(ثم يعلم أن صانع العالم لا يشبه شيئا من العالم لأنه لو أشبه شيئا من المحدثات بجهة من الجهات لأشبهه في الحدوث من تلك الجهة , ومحال أن يكون القديم محدثا أو يكون قديما من جهة حديثا من جهة) .
الفصل الثاني
الاشتراك بين صفات المخلوق والخالق اشتراك لفظي



فمما سبق يُعلم عدم وجود أي اشتراك خارجي حقيقي بين صفات الله –جل وعز- وبين صفات المخلوقات , والاشتراك بينهما هو, فالماهيتان قد تشتركان في جميع ذاتياتهما فيكون بينها تشابه تام كالتشابه بين الإنسان والإنسان , وقد تشترك الماهياتان في بعض ذاتياتهما كاشتراك الإنسان مع القطة والفرس في جنس قريب وهو الحيوانية , أو اشتراكه مع الصخور في جنس بعيد وهو الجسمية , والاشتراك بين الخالق والمخلوقات في جميع الذاتيات أو بعضها منفي بالأدلة النقلية والعقلية المتكاثرة , ولو شابه الخالق سبحانه شيئًا من المخلوقات في معنى ذاتي لها لاشتركا في الأحكام , فيجب عليه ما يجب عليها لأجل هذا الذاتي ولامتنع عليه ما يمتنع عليها ولجاز عليه ما يجوز عليها لأجله , فيكون سبحانه محدثا أو تكون قديمات , وقد تشترك الماهيتان في أشياء خارجة عن ذاتيهما فيحصل ما نسميه : (اشتراك في معان اعتبارية) , , كاشتراك الماهيتين المختلفتين في نسبة الفعل أو الانفعال أو غير ذلك من النسب , وكاشتراك حقيقته سبحانه وتعالى مع حقائق المخلوقات في الثبوت والتحقق في الخارج ، وهو ما نعبر عنه بالوجود أو الشيئية , وهذا على قول من جعل الوجود اعتباريًا , وهناك من عدّ الوجود صفة يدل الوصف بها على نفس الذات دون معنى زائد عليها , أي أنّ وجود كلّ شيء هو عينه , وبما أنّ حقيقة الذات الإلهية مغايرة لحقيقة ذوات المخلوقات , فهناك اختلاف بين حقيقة وجود المخلوقات ووجود الله تعالى , فيكون الاشتراك بين وجود الخالق والمخلوق لفظيًا لا في حقيقة الوجود , وعلى هذا يكون الاشتراك بين صفات المخلوق وصفات الخالق تعالى اشتراك في أحكام الصفتين ومتعلَّقاتهما فحسب , وليس اشتراكًا في الحقائق أو شيء من الذاتيات .

وفهم الخطاب والاشتراك في الأسماء ليس متوقفًا على وجود اشتراك خارجي وتواطؤ في المسميات أو شيء من الذاتيات , فإن الاشتراك في الأحكام المترتبة على معنى الاسم هي المصححة لإطلاق الاسم عليه , والاشتراك في الأمور الوجودية يستلزم أن يجوز على كل واحد من المشتركين في هذا القدر المشترك ما يجوز على الآخر وأن يجب له ما يجب له وأن يمتنع عليه ما يمتنع عليه , وإذا اشترك شيئان في لازم لهما فيصح إطلاق الاسم عليهما وإن اختلفت حقائقهما , أي أنّه لا يشترط لإطلاق الاسم الواحد على شيئين وجود الاشتراك في حقيقتهما , بل يكفي الاشتراك في شيء من لوازمهما أو أحكامهما أو تعلقاتهما , فإنّ السمع في اللغة هو : (إيناس الشيء بالأذن من الناس وكل ذي أذن) (ابن فارس 3/102) , فهذه هي حقيقة السمع عند المخلوق , ويلزم منها انكشاف المسموعات وإدراكها , وعرّف أهل السنة صفة السمع لله تعالى بأنها : (صفةٌ تنكشف بها المسموعات) , وإدراكُ المسموعات ليس المعنى الحقيقي للسمع بل هو لازم له , فاشتَرَك سمعُ المخلوق وسمع الخالق لا في أصل المعنى وحقيقته بل في لازمه وهو إدراك المسموعات , مع تباين الحقائق بين السمع والسمع , وإثباتُ الاشتراك في هذا اللازم لم يستلزم الاشتراك والتواطؤ في المسميات , إذ إنّ لازم الصفة ليس أمرًا وجوديًا يقوم بالذات كما هو الحال في قيام الصفة بالذات .
وكذلك عرّف أهل السنة العلم بأنه : (صفة توجب لمحلها تمييزًا لا يحتمل النقيض) , وهذا التمييز أمرٌ عارض لحقيقة الصفة ومن لوازمها , فليس هناك تواطؤ في الحقيقة الخارجية للصفات التي يحصل بها ذلك التمييز , بل الاشتراك في لازمها .
والاشتراك في السلوب أيضًا ليس اشتراكًا في أمر وجودي يقوم بالذات , فلا يستلزم الاشتراك بين شيئين في وصف سلبي أن يجوز على كل واحد منهما ما يجوز على الآخر , وأن يجب له ما يجب له , وأن يمتنع عليه ما يمتنع عليه , فإذا قلنا : (إن الله تعالى لا ينام) وقلنا : (إن الملائكة لا تنام) فهذا اشتراك في وصف سلبي لا في أمر ثبوتي , فلا يستلزم الاشتراك في الأحكام ولا يكون الاشتراك فيه تشبيهًا.

وخلاصة الأمر أنّ الاشتراك بين صفات الخالق تعالى وصفات المخلوق هو اشتراك في أحد اللوازم والاعتباريات والتعلقات أو السلوب , وليس اشتراكًا في حقائق تلك الصفات فلا يعتبر تشبيهًا , إذ التشبيه هو التشريك في الأمور الوجودية وحقيقة الصفات .
ولذلك عرّف أهل السنة صفات الله تعالى بالرسم واللازم لا بالحد والحقيقة , بخلاف التيمية الذين يثبتون تلك الصفات بعد أن يفهموا نظيرها في المخلوقات! .


الفصل الثالث
الاشتراك في المعنى الكلي وبيان وهم الوهابية




وقد رأيت بعض الوهابية يقول بأنّ الاشتراك بين صفات الرحمن وصفات الأكوان هو اشتراك في المعنى الكلّي , والمعنى الكلّي ليس له وجود إلا في الأذهان لا في الأعيان , فالاشتراك بين صفات الخالق والمخلوق هو اشتراك ذهني وليس بخارجي , فإذا أثبتوا ((العَيْنَ الحقيقية)) مثلًا لله تعالى وأثبتوها للمخلوقات , فيكون هناك معنى كلّي تشترك فيه ((عَين)) الله تعالى و((عَيْنُ)) المخلوق , وهذا المعنى الكلّي لا وجود له في الخارج بل لا يوجد إلا في الأذهان , وأمّا الأفراد الخارجية فلكلّ شيء وجودٌ يخصّه , ولذلك يرون أنّ إثبات الصفات التي يُسمونها بالعينية على حقيقتها للخالق والمخلوق ليس تشبيهًا , إذ التشبيه هو إثبات الاشتراك الخارجي لا الذهني , وظنّ القوم أنهم بهذا قد حلّوا المعضلة العلمية ودحوا باب خيبر , وتوهموا أنّ هذا يُنجيهم من عقيدة التشبيه بعد إثباتهم الصفات على حقيقتها للخالق والمخلوق!!

فأقول :
لقد وقع أولئك المساكين في وحل التشبيه من حيث يدرون أو لا يدرون!! , وذلك لأنّ وجود الكلّي في الأذهان هو (من حيث كلّيتُه) , فالكلّي لا يوجد في الخارج على سبيل العينية , أي أنّ الكُلي من حيث هو كليّ لا وجود له في الخارج بل وجودُه ذهني .

لكننّا لو سألنا هؤلاء القوم عن منشأ هذا المعنى الكّلي الذهني؟ فما هو مُستنده ومَبدؤه؟

1- فهل هذا المعنى الكُلّي الذهني قد اخترعه العقل اختراعًا بواسطة الوهم؟ فيفرضُ العَقلُ أمرًا كُلّيا اسمه ((العَيْن الحقيقية)) , ثم يُثبت هذا الأمر الكُلّي الذي افترضه للخالق سبحانه وتعالى؟! ويكون هذا الأمرُ مشتركًا بين الخالق والمخلوق؟ ويكون ذلك المعنى الكلّي المُشترك حاصلٌ قبلَ حصول مصاديقه الخارجيّة وليس تابعًا لما في الخارج؟!

2- أَمْ أنّ هذا المعنى الكلّيّ له مُستندٌ ومبدأٌ خارجيٌ يستندُ إليه ويُنْتَزَعُ منه؟ فيكونُ دالًّا على ما في الخارج لأنّه منتزعٌ منه أصلًا؟ كأن ينظر الإنسانُ إلى ما يصدق عليه لفظ ((العَيْن الحقيقية)) في الخارج , فيرى ((عَينَ)) الإنسان ويرى ((عَينَ)) الأسد , ويرى ((عَينَ)) الصقر ويرى ((عَينَ)) العصفور , ويرى ((عَينَ)) الفيل ويرى ((عَينَ)) الهرّة , فيلحظ الذهن قَدْرًا متواطئًا بين هذه الأعين , وينتزعُ ممّا يلاحظه خارجًا معنىً كُلّيًا مُشتركًا , ثم يُثبت هذا المعنى الكُلّيّ المُشْتَركَ لله تعالى؟! فتكونُ مصايقُ ذلك المعنى الكلّي حاصلةً قبله؟

* إن كان مقصودهم بالمعنى الكلّي الأوّل , فسيكون كلامهم في غاية السُّخف والحماقة والتهافت..
لأنّهم حينئذ أثبتوا للمولى –جلّ وعزّ- معنىً فرضيًا اخترعته أذهانهم بواسطة التوهم , فخاضوا في ذات الله تعالى بإثباتهم له أمورًا وهميّة , ومعلوم أنّ هذا المعنى الذهنيّ ليس له مصداق خارجي.. بل هو أمرٌ افترضه الوهم , وإثبات أمرٍ لله تعالى بهذا المعنى قول على الله تعالى بغير علم , فالله تعالى ((لا تبلغه الأوهام)) , فكيف يخاطبنا الله تعالى بأمر متوهم كهذا؟ وكيف يكون هذا معروفًا في لغة العرب؟!
فكل ما خطر ببالك.. مِن حسن أو بهاء , أو أنس أو ضياء , أو نور أو جمال , أو شخص أو خيال , فالله تعالى بخلاف ذلك , ومن أنكر ما هنالك فهو مشبّه هالك .
لكنّ كلام ابن تيمية نفسه لا يدلّ على قولِه بالأمرِ الكلّي على هذا النحو .

** وإن كان مقصودهم بالمعنى الكُلّيّ هو الثاني –وهذا ما يقصده ابن تيمية وتدلّ عليه نصوصه ونصوص أتباعه- , فهذا هو التشبيه بعَينه , لأنّ هذا المعنى الكُلّي الذهنيّ لم يأتِ من مُجرّد التوهم والافتراض , بل هو منتَزَعٌ من الخارج , ومُشتَقٌ مما يَلْحظه الذهن خارجًا , فلولا التواطؤُ والاشتراكُ الخارجيُّ لَمَا اشتق الذّهنُ أمرًا كُليًا , فالاشتراك والتواطؤُ الخارجيُّ هو مَبدأُ المعنى الكُلّي , وإليه يَستند هذا المُشتركُ الذهني , إذ إنّ معنى ((العَيْن)) الكُلّي هو العضو الباصر , فقد قالَ ابن فارس في معجم المقاييس "4/199 ط1 الجيل" :

[["عين" العين والياء والنون أصلٌ واحدٌ صحيح يدلّ على عُضوٍ به يُبْصَرُ ويُنْظَر]]

فينظرُ الذهنُ إلى ((عَيْن)) الإنسان و((عَيْن)) الأسد و ((عَيْن)) الصقر و ((عَيْن)) العصفور و ((عَيْن)) الفيل و ((عَيْن)) الهرّة , فيرى اشتركًا خارجيًا بين هذه الأعين وهو أنّ كلًا منها [[ عُضو به يُبْصَرُ ويُنْظَر]] , مع ملاحظته ما تختصُّ به كلّ عينٍ وتتميز عند الإضافة والتخصيص والتقييد , إذ ((عَيْن)) الصقر كبيرة و ((عَيْن)) العصفور صغيرة , و ((عَيْن)) الفيل قد تكون سوداء اللون وعين الهرة قد تكون بُنّية اللون... وهكذا , فكلُّ عينٍ لها كيفيّة خارجيةٌ تُميّزها عن غيرها من الأعين , مع وجود قدرٍ خارجي تشترك فيه مع بقيّة الأعين وهو ما يسميه الوهابية (بأصل المعنى) , أي أنّه يوجد في الخارج قَدرٌ متواطؤ به الاشتراك وقدرٌ متغاير به الامتياز , وهذا القدر المُشترك المتواطؤ بين (الأعين) هو المعنى الحقيقي للفظ ((العَين)) , والمَعنى الحقيقيّ لا وجود له في الخارج مُجرّداً عن الكيفيات , فهو موجود في الفرد الخارجي على سبيل الضمنية لا العينية , أي أن وجود ما به الاشتراك في الخارج ملازم لوجود ما به الامتياز فلا ينفكان عن بعضهما , ولا بد من التنبيه إلى أنّ وجود القدر الجامع المشترك بين الأفراد في الخارج أوضح وأجلى من وجود الكيفيات التي تُميّز كلًا منها , وذلك لأنّ الحس حيثما توجه إلى فرد موجود في الخارج ، فالعقلُ ينظر في طلب ما يميزه عن سائر الأفراد لا محالة , وطلبُ ما يميّزه عن سائِرِ مُشارِكاته فرعٌ عن العلم بالقدر المشترك بين الجميع , ولا بُدّ من كيفيّة تُميّز كلّ (عَيْنٍ) مثلًا عن غيرها من الأعين , ككون العين كبيرة أو صغيرة أو زرقاء أو سوداء أو في الوجه أو في جانبي الرأس الخ... , مع اشتراكها في كون كلّ منها [[ عُضوًا به يُبْصَرُ ويُنْظَر ]]

وهذه الكيفيّات التي تُميّزُ كلّ (عينٍ) عند الإضافة والتخصيص والتقييد إنما هي تابعةٌ وعارضةٌ لحقيقتها , فلا يَصحّ الاكتفاء بتغاير الكيفيّات الطارئة اللاحقة للمعنى الحقيقي على نفي مُطلق التشبيه , إذ إنّ التغاير في الكيفيّات العارضة ينفي التشبيه المُطلق.. أي التشبيه من كلّ الوجوه , ولا ينفي وجود قَدْرٍ من التشابه في الحقيقة التي بها الاشتراك , على الرغم من أنّ الاشتراك في الحقيقة والقدر الجامع أعظم بكثير من الاشتراك في الكيفيات , فالتخصيص والتقييد والإضافة تنفي التمثيل وهو التشبيه من كلّ الوجوه , ولا تنفي التشبيه من بعض الوجوه وهو التشابه الأعظم الذي هو في الحقيقة , ألا ترى أنّ إضافة ((العَيْن)) إلى الفيل وتقييدها وتخصيصها به تنفي التشبيه المطلق بعين الهرّة , إذ عينُ الفيل كبيرة وعينُ الهرة صغيرة...الخ الكيفيات المتغايرة , بينما لا تنفي التشابهَ في حقيقة ((العَيْن)) بين الفيل والهرّة وهي كونها [[ عُضوًا به يُبْصَرُ ويُنْظَر]] , فعينُ الفيل عضوٌ يُبصرَ بها ويُنظر وكذلك عين الهرّة , وكذلك عينُ الإنسان وعين الأسد وعين الصقر وعين العصفور..الخ , فمن نسب العَين الحقيقيّة لله تعالى فقد شبّه الله تعالى بخلقه في المعنى الحقيقي المشترك وإن نفى التشبيه في الكيفيات اللاحقة , وهكذا في بقية الصفات التي يُسمونها "بصفات الأعيان" , وهذا هو حقيقة التشبيه , ولا ينفعه بعد إثباته المعنى الحقيقي المشترك أن ينفي التشبيه , لأنه يكون حئنئذٍ قد نفى لفظ التشبيه لا معناه , ويكون نفيه للتشبيه منصبًا على الكيفيات التي تكتنف الحقيقة وتلازمها , فما في الخارج هو القدرُ الجامع الملازم للكيفيات , إذ إن الفرد الخارجي ما هو إلا مصداق المعنى المشترك المتلبس بكيفية لاحقة تكتنفه وتميّزه عن غيره من الأفراد التي تشاركه في حقيقته , والأفراد ليس لها تحقق خارجي إلا بتحققه.. فلا تتحصّل إلا بتحصّله فيها على سبيل الضمنية لا العينية..
وهذا ثابت بالدليل والبرهان , لأن الفرد الخارجي :
1- إما أن يكون مصداق المعنى الكليّ المشترك دون الكيفيات , أي أنّه موجودٌ في الخارج على سبيل العينية .
2- وإما أن يكون الفرد الخارجي هو فقط الكيفيات التي لا يوجد إلا مختصًا ومقيدًا بها .
3- وإما أن يكون الفرد الخارجي هو مصداق المعنى الكلي ملازمًا للكيفيات التي تلحقه وتحتف به , أي أنّ مصداق المعنى الكلي موجود في الخارج على سبيل الضمنيّة .

والأوّل باطل.. لأنه يستلزم عدم تمايز الأفراد المشتركة في مصداق ذلك المعنى الكلّي عن بعضها البعض , فتكون عندئذ كلّها متماثلة , وهذا مخالف للحس والعيان .

والثاني باطل.. لأنّ الكيفيات لا تَقَوُّمَ لها بذاتها فلا بد لها من محل , سواء كانت كيفيات كَميّة كالانحناء والفرديّة أو حسّية كالحرارة والبرودة أو نفسانيّة كالألم واللذة أو استعداديّة كاللين والصلابة .

فتعين الثالث وهو الصواب , فالفرد الخارجي مشتمل على القدر الجامع بين الأفراد وعلى الكيفيات التي تُميّز كل فرد عن غيره , وهذا ثابت بالحس والعيان , والضرورة والوجدان , فإن الحس حيثما توجه إلى فرد موجود في الخارج ، فإنّ العقل ينظر في طلب ما يميزه عن سائر الأفراد التي بينه وبينها قدر جامع , فكلّ فردٍ خارجي لو قُطِعَ النظرُ عن مميزاته والإضافات القائمة به والخصوصيات المكتنفة به ، فسيكون منطبقا على المعنى الكلي الصادق على الأفراد انطباقا يوجب صحة حملها عليه ، فإنّا كما نجد من الفرد بالحس ونحس عنه بالعيان كيفيّات مخصوصة , مكتنفةٍ به مميزةٍ له عما سواه من الأفراد المشاركة له في المعنى الحقيقي ، كذلك نجدُ ونحس منه أمرًا زائدًا عليها جامعًا بينه وبين بقية الأفراد , وكما ندرك من الأفراد الخارجية ما به امتيازها عن بعضها بالحس والعيان , فكذا ندرك ما به اشتراكها بالحس والوجدان ، بحيث لو أخذه العقلُ لا بشرط شيء من كيفياته المكتنفة اللاحقة , واعتبره معرى عن جميع قيوده ومميّزاته كان بعينه هو مصداق المعنى الكلي الذي يُجوّز العقلُ صدقَه على جميع أفراده , ومن أنكر ذلك فقد كذّب حسه وكابر وجدانه فلا يلتفت إليه , وبالتالي فإثبات الاشتراك بين الخالق والمخلوق في هذا الكُلّي المشترك في الأذهان هو إثباتٌ للاشتراك الخارجي , وهذا المعنى الكُلّي وإن كان في الذهن مُغايرًا للكيفيات التي يمكن أن تلحقه , إلا أنّ مصداقه ملازم لها في الخارج لا ينفك عنها ولا تنفكّ عنه , وهذه الكيفيات هي التي تمنع المشاركة والمشابهة المطلقة من جميع الوجوه , وقد صرّح ابن تيمية بذلك في بيان تلبيسه فقال (1/633) :

(فمن أثبت لله سبحانه وتعالى أمراً من الصفات فإنما أثبته بعد أن فهم نظير ذلك من الموجودات , وأثبت القدر المطلق مع وصفه له بخاصة تمتنع فيها الشركة) .

فيرى أنّ إثبات الصفات للخالق تعالى مبنيةٌ على قياس ذلك على ما هو موجود في المخلوقات , مع إثبات كيفيات مخالفة لكيفيات المخلوقات تمنع من الشركة والمماثلة , وهذا إثبات للتشابه في حقيقة الصفات بين الخالق والمخلوقات والاختلاف بينها في الكيفيات المانعة من المماثلة .

ومن المعلوم أن الألفاظ موضوعة بإزاء حقيقة الشيء لا كيفيته , فمثلًا لفظ ((العَيْن)) موضوع بإزاء حقيقة العين وهو العضو الباصر , لأن لفظ (العَيْن) يَصْدُق على أعينٍ مشترِكة في كونها أعضاءً باصرة لكنّها مختلفة في كيفيّاتها ..
فإنْ قلنا أنّ لفظ (العَيْن) وُضِع بإزاء الحقيقة وما يلازمها من كيفية ككونها كبيرة مثلا , فيلزم عدم إطلاق لفظ العين على الفرد المتلبس بغير تلك الكيفية -كالعين الصغيرة مثلا- وهو باطل ...
وإن قلنا أن لفظ (العَيْن) وُضِعَ بإزاء الكيفية اللاحقة كالكِبَرِ مثلا دون الحقيقة , لزم من هذا إطلاق العين على كلّ أمر تكيّف بتلك الكيفية وهو باطل أيضًا ...
فيبقى الاحتمال الثالث وهو أنّ لفظ ((العَيْن)) موضوع بإزاء الحقيقة وهو هنا العضو الباصر .

ومما يدلّ على هذا ما أثبتته النظريات التربوية الحديثة , بل يُثبت هذا أيضا ما يراه كل واحد منّا عند تعليم الأطفال , وذلك أنّ الطفل عندما يبدأُ بالنطق , يقوم أهله –كأبيه مثلا- بتعليمه عن طريق الإشارة إلى الشيء ثم ذكر اسمه , فمثلا يشيرُ الأبُ إلى عينِ نفسه ثم يقول للطفل : (عيني) , ثم يشير إلى عين الطفل ويردّد كلمة (عيني) , مع أنّ عين الأب تختلف عن عين الطفل في الكيفية , فقد تكون عين الأب بُنّية اللون كبيرةً وتكون عين الطفل زرقاء اللون صغيرة , إلا أن الطفل يفهم وجود قدر مشترك بين العينين , وهذا الأمر المشترك هو المعني الحقيقي للعين وهو كونها العضو الباصر , فإذا رأى الطفلُ عين الهرّة أو البقرة أو الحصان وسُئِلَ عنها فإنه سيجيب بأنّها (عين) , لكنّه إذا سمع والده يقول له : إنّ عين القربة تَقْطُر فأحكم إغلاقها , فسيسأل ويقول : وهل للقربة عين؟ فيقع عنده الالتباس لأنه لا يدرك من العين إلا المعنى الحقيقي الذي لم يُشاهده موجودًا في القربة , ولم يتسع ذهنه بعدُ ليُدرك علاقة المشابهة بين العين الحقيقية وفتحة القربة , ولا يقول عاقل أنّ العين إذا أضيفت إلى الإنسان فقد استعملت في غير معناها الأصلي أو أنها تُجوّز بها عن معناها الحقيقي لمعنى آخر , أو أنها إذا أضيفت للقربة فلم يُتجوّز بها عن معناها الحقيقي لمعنى آخر لعلاقة بين المعنيين , ولا يقول عاقل أنّ لفظ (العين) مجردًا يحتاج إلى قرينة ليُفهم منه العضو الباصر , أو أنّه لا يحتاج إلى قرينة ليُفهم منه فتحة القربة كما يفهم منه العضو الباصر , فإثبات (العين) أو (اليد) أو (الرّجل) أو (الوجه) على حقيقتها ومعناها الأصلي للخالق والمخلوق تشريك بينهما في حقيقة الصفة , وتسوية بين حقيقة صفة الخالق وصفة المخلوق .

ولا بد من التنبيه إلى أن الوهابية جهلوا أو تجاهلوا أنّ التشابه والاشتراك في الحقيقة وأصل المعنى , أوضحُ وأعظم بكثير من التشابه والاشتراك في الكيفيات , وأنّ التشابه والاشتراك في الكيفيات تشابه ضعيفٌ قليل بالنسبة للتشابه والاشتراك في الحقيقة وأصل المعنى وذلك لأنّ العقل عندما ينظر في الفرد الخارجي فإنّه ينظر في طلب ما يميّزه عن سائر الأفراد المشتركة معه في الحقيقة وأصل المعنى , وطلبُ ما يميّزه عن سائر الأفراد المشاركة له فرعٌ عن العلم بالحقيقة والقدر الجامع بين جميع الأفراد , فمن أثبت التشابه والاشتراك في الحقيقة وأصل المعنى ونفى التشابه والاشتراك في الكيفيات , فهو في الحقيقة لم ينفِ إلا القدرَ البسيط القليل من التشابه الذي يمنع من المماثلة وهي المشابهة المطلقة , مع إثباته القدر العظيم من المشابهة وهو المشابهة في الحقيقة وأصل المعنى , وهذا التشابه الذي أثبته تشابهٌ عظيم جليّ , أعظم وأجلى بكثير من التشابه في الكيفيات , فالقدر الجامع المشترك أقوى من الكيفيات الفارقة اللاحقة والتابعة له , ولولا قوّة القدر الجامع ووضوحه لما احتجنا إلى قدرٍ فارق لتمييز الأفراد عن بعضها البعض , والقدر الجامع هو أصل الأفراد الخارجية فلا تقوّم لها إلا به ولا تتحصل إلا بتحصّله , فلو قطعنا النظر عن جميع مشخصات الفرد الخارجي وجردناه عن كيفياته , لكان منطبقا على الماهية الصادقة على الكثيرين انطباقا يوجب صحة حملها عليه .

ثم إنّنا نسأل الوهابية عن هذا المعنى الكلي المشترك الذي يقولون به , فنقول مثلًا : ما هو المعنى الكليّ المشترك لصفة ((العين)) , فإمّا أن يبيّنوا هذا المعنى أو يكتموه ..

فإن بينوه فلا يخلو بيانه من أمرين :

أ‌- إما أن يبيّنوه بذكر معناه الوضعي اللغوي فيقعون في التشبيه , ولا ينفعهم بعدها إثبات التفاوت في الكيفيات اللاحقة .
ب‌- وإما أن يبينوه بغير معناه اللغوي الوضعي , فيقعون في التأويل الذي يسمونه تعطيلًا .

وإن كتموه فيكون كتمانهم إياه :

أ‌- إما لعدم معرفتهم به , فيقعون في التفويض الذي يسمونه تجهيلًا , وقد صحّ هذا التفويض عن الإمام أحمد حيث قال في نصوص الصفات : (نؤمن بها ونصدق بها , لا كيف ولا معنى، ولا نرد شيئاً منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق ولا نرد على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، ولا نصف اللهَ بأكثرَ مما وصف به نفسه بلا حدٍ ولا غاية "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" , ونقول كما قال ونصفه بما وصف به نفسه لا نتعدى ذلك ولا يبلغه وصف الواصفين نؤمن بالقرآن كله محكمِه ومتشابَهِه ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شُنِّعت ولا نتعدى القرآنَ والحديث) (رواه الخلال بسند صحيح واحتج به ابن تيمية في بيان التلبيس )

ب‌- وإما لعجزهم وقصورهم عن التعبير عنه , وهذا –فضلًا عن كونه نوعًا من التفويض المذموم عندهم- تقيةٌ مخالفة لعقيدة الإسلام الواضحة كالشمس في رابعة النهار , والبعيدة عن الإلغاز والغموض , ومخالفٌ لتصريحهم بوجوب حمل نصوص الصفات على معانيها الوضعية , ومخالف لإيجابهم على الناس معرفة معاني نصوص تلك الصفات , فكيف يوجبون على الناس معرفة أمرٍ هم عاجزون عن إيصاله لهم؟! ولو جاء مسترشد وطلب منهم أن يبينوا له هذا المعنى لصفة ((العين)) فماذا سيقولون؟ هل سيقولون إن هذا المعنى موجود في نفسك وأنت لا تدري!! وما يدريهم أنّ ما في نفسه صحيح أم غير صحيح؟ فلو قالوا لكلّ واحد أنّ المعنى في نفسك ولا نستطيع بيانه فإن الوهم سيذهب في الكثيرين كلّ مذهب , وسيعتقد كلّ واحد غير الآخر ويتوهم أنّ ما يعتقد هو المعنى الصحيح! , فلا يؤمن حينها على السامع من اعتقاد التشبيه والتجسيم , وكيف يؤمن عليه ذلك بعد أن يسمع إثبات ((العينين)) الحقيقيتين المعروفتين من لغة العرب والمتبادرتين إلى ذهن العربي , واللتين يدل عليهما اللفظ في وضع اللغة , واللتين يتم الإبصار بهما؟!!

وكيف يقولون بعجزهم عن بيان هذا المعنى مع قولهم بأنّ معنى الصفة هو ما ظهر وتبادر إلى الذهن من اللفظ!!, فإن الظاهر المتبادر من لفظ (العين) عند العربي هو العضو الذي به يبصر وينظر , وإرادة الصفة المنزهة عن الجزئية والبعضية من هذا اللفظ لا تكون إلا بقرينة تصرف هذا المعنى المتبادر , والمعنى الذي يؤول إليه اللفظ مع القرينة ليس نفس المعنى الذي يظهر منه ويتبادر دون القرينة (1) , فتكون القرينة صارفة من حمل اللفظ على ظاهره ومعناه المتبادر , ويكون القول بأنّ (العين) صفة ليست بجزء ولا عضو لا لفظًا ولا معنى ثم السكوت عن بيان معناها هو مذهب أهل التفويض بعينه!! , وهو تاويل إجمالي , إلا أنّ الوهابية عندما ينفون الجزئيةَ والعضويةَ عن الصفةِ فإنّ نفيهم منصبٌ على لفظ الجزء والبعض لا حقيقته , فهم ينفون لفظ التجسيم ويقعون في حقيقته , هذا وإن كان خافيًا على بعضهم إلا أن البعض الآخر يعرفه جيدًا ويصرّح بأنّ نفي التبعيض والجارحة والعضو لفظًا ومعنى هو مذهب المفوضة.

ثم إنهم يقولون عمّن أثبت لله سبحانه وتعالى أمراً من الصفات إنما أثبته بعد أن فهم نظير ذلك من المخلوقات , وأثبت كيفيةً مخالفةً لكيفية المخلوقات تمنع من تمام المشابهة , ومعلوم أنّ هذا النظير من المخلوقات واضح يمكننا التعبير عنه وبيانه وهو العضو والجارحة , فالقول بالعجز عن بيانه محض تهرّب ومراوغة , إذ إننا لم نسألهم عن تلك الكيفيات المانعة من المماثلة .

أضف إلى ذلك أنّهم يصرحون بحمل بعض تلك الصفات الخبرية على معانيها الوضعية , فيفسرون الاستواء بالاستقرار , ويفسرون النزول بالانتقال من أعلى إلى أسفل , وهذا مخالف لسكوتهم وكتمانهم المزعوم , فهلا سكتوا في جميع المواضع؟!

ولا أدري هل يمتنع القوم من ترجمة تلك الصفات إلى لغات أخرى بحجة أنّها مركوزة في النفوس وأنهم لا يستطيعون ترجمتها , أم أنهم سيذهبون إلى ترجمة معانيها الحقيقية الوضعية المتبادرة عند العربي إلى تلك اللغة؟

ت‌- وإما أن يكون كتمانهم خوفًا من فضيحة التشبيه والتجسيم , وهذا مخالف للشجاعة العلمية التي يجب أن يتحلّى بها من يتكلم في هذا المقام .

وبناءً على ما سبق فإن التيمية يُثبتون المعنى المشترك بين الخالق –سبحانه- والمخلوق , ويرون أنّ المعنى الحقيقي ((للعَيْن)) ثابتٌ لله تعالى , وهذا يستلزم بالضرورة إثبات القدر المشترك الخارجي , لكنّهم -وبعد إثباتهم الاشتراك في المعنى الحقيقي بين الخالق والمخلوق- يتوهمون أنهم يَخرجون من المحظور بقولهم أنّ لكل شيء من الأشياء ما يخصّه فلا يوجد إلا مُعينًا مقيّدًا , وقد تبيّن مما سبق أنّ ما يخصّ الفرد الخارجي ويميّزه هو الكيفيات المكتنفة لحقيقته , والتي يُعتبر الاشتراك فيها ضعيفًا بالنسبة للاشتراك في أصل المعنى , فهم ينفون مشاركة الله تعالى للمخلوقات في هذه الكيفيات مع إثباتهم التشارك في المعنى الحقيقي الذي يُسمّونه "بأصل المعنى" , فيُثبتون المعنى الحقيقي المشترك بين جميع الأفراد ويفوّضون الكيفية اللاحقة له عند إضافته إلى الله تعالى , أمّا أهل السنة من السلف الصالح ومن بعدهم فينفون الاشتراك بين الخالق –سبحانه- والمخلوق في المعنى الحقيقي , مع نفيهم أصل الكيفية عن الله تعالى , إذ الكيفية عن صفات ربنا منفية , وتفويضُ التيمية للكيفية بعد إثباتهم المعنى الحقيقي المشترك ليس نفيًا إلا للاشتراك المطلق من كلّ الوجوه , لا للتشبيه من وجوه دون وجوه , لذلك إذا قال التيمي : "أنا أثبت لله تعالى عينًا حقيقية ليست كأعين المخلوقين" فلا يقصد نفي التشبيه بين الله تعالى وبين خلقه من جميع الوجوه , بل يَقصد نفي التشبيه في الكيفيات العارضة لحقيقة العين مع إثباته التشبيه الأعظم في تلك الحقيقة , فلا يفيد قولهم : "عَيْنٌ حقيقيةٌ بلا تشبيه" لأنهم قد غاصوا في التشبيه حتى الآباط بإثباتهم التشارك في المعنى الحقيقي , فإثبات الاشتراك في المعنى الحقيقي هو التشبيه الأوضح والأعظم كما سبق , فهذا النفي الذي يُتبعونه للإثبات عند قولهم : "عَيْنٌ حقيقيةٌ بلا تشبيه" ليس نفيًا للتشابه بين حقيقة صفة الباري -سبحانه- وصفات البرية , وإنما هو نفي للاشتراك والتشابه في الكيفيّة , فهو نفي للتمثيل لا التشبيه , ويصرّح الوهابية أنّهم لا ينفون تشبيه الله تعالى بالمخلوق بل ينفون التمثيل! , مع أنّ المصنّفين في المذاهب والفِرَق لم ينقلوا عن أحد من الفرق إثبات التشبيه المطلق من جميع الوجوه , ولم يقولوا عن فرقة المشبهة -التي ذمّها جميع أئمة الإسلام سلفًا وخَلَفًا- بأنّهم أثبتوا التشابه المطلق بين الخالق والمخلوق , بل المشبهة الذين تناولهم الأئمةُ بالذمّ هم الذين أثبتوا التشابه في حقيقة الصفات وأصل معناها بين الله سبحانه وبين خلقه , فقال الإمام الطحاوي في عقيدته : (ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر) , ومع ذلك فإنّ الوهابية يتجاهرون بتشبيه الله تعالى بخلقه ويعترفون بأنهم ينفون التشبيه الذي هو التمثيل لا مطلق التشبيه , ففي فتاوى ابن عثيمين (10/770) :
(نفي التشبيه على الإطلاق لا يصح ؛ لأن كل موجودين فلا بد أن يكون بينهما قدر مشترك يشتبهان فيه ، ويتميز كل واحد بما يختص به ) .

وما يميّزه ويختص به هو الكيفية .

وقال في "شرح عقيد أهل السنة والجماعة" –يقصد أنفسهم!- (ص226) :
( وإن أردتَ التشبيه المطلق من كلّ وجه فهذا لغو , بمعنى أنّ الله تعالى لا يشابه الخلق في أي شيء فهذا غلط! , لأنه لا بد من الاشتراك في أصل المعنى) .(2)

----------------------------------
1- قال إمام الحرمين في الورقات : (.. والظاهر ما احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر ، ويؤول الظاهر بالدليل ، ويسمى ظاهراً بالدليل) , فهناك معنى يظهر من اللفظ بمجرده دون إضافات أو قرائن , فظاهر لفظ (العين) هو العضو الذي به يبصر وينظر كما قال ابن فارس , وهناك معنى آخر يظهر بالقرينة والإضافة وهو غير المعنى الذي يظهر بمجرد اللفظ , وهذا المعنى الثاني هو المؤول أو الظاهر بالدليل , وسمي (ظاهرًا بالدليل) لأنه ظهر بسبب الدليل والإضافة والقرينة لا لمجرد اللفظ , فآل أمره إلى هذا المعنى الثاني للقرينة والدليل الذي صرفه عن ظاهره ومعناه الوضعي , فمثلًا إذا سمع العربي كلمة (أسد) ظهر له وتبادر إلى ذهنه السبع المعروف , ولا يظهر له (الرجل الشجاع) من الأسد إلا بقرائن وإضافات , وحمل الأسد على (الرجل الشجاع) يسمى تأويلًا أو ظاهرًا بالدليل وليس ظاهرًا من لفظ الأسد بمجرده , ومن غير المعقول كون (السبع) و (الرجل الشجاع) ظاهرين من مجرد لفظ الأسد وإلا لتبادر الذهن إليهما معًا عن سماع اللفظ وحصل الالتباس , فيكون ظاهر لفظ الأسد وحقيقته هو (السبع) وتأويله وظاهره بالدليل هو (الرجل الشجاع) .
فإذا قال الوهابي أنا أقصد بالظاهر عند الكلام على الصفات المعنى الثاني , قلنا له :
أولًا: لقد خالفت أقوال مشايخك في قولهم بوجوب حمل الصفات على معانيها الوضعية والحقيقية , ومعلوم أنّ (المعنى الوضعي) أو (المعنى الحقيقي) هو ما وضع اللفظ بإزائه في اللغة , أي أنّه الظاهر بمجرد اللفظ .
وثانيًا : إنك خالفتَ اصطلاح أهل الفن حيث أنهم يطلقون الظاهر ويريدون به المعنى الأول , وإذا أرادوا المعنى الثاني قيّدوه بكونه (ظاهرًا بالدليل) .
وثالثًا : هذا الظاهر بالمعنى الثاني هو عين التأويل الذي تنفرون منه .

2- مجموع فتاويه 6/247 .

ولأجل ما سبق تجد الوهابية يطلقون الصفات على الأعضاء والجوارح ويسمون هذه الأعضاء بالصفات , فأصبحت كلمة الصفة عندهم مرادفة للبعض والعضو , فيطلقون على أعضاء الإنسان كرأسه وعينه ويده أنها صفاته!! , ومثل الرأس والعين والأصابع هي صفات أعيانٍ للإنسان بخلاف علمه وقدرته فهي صفات معان له , وهذا يوضح لك مفهوم الصفة عندهم إذا أثبتوها لله تعالى ويبيّن حقيقة تفريقهم بين صفة الأعيان والمعاني لله تعالى , فمثلًا تجد ابن باز يعدّ الأصابع من صفات الإنسان , فيقول :
(لا يلزم من إثبات الوجه لله سبحانه واليد والأصابع وغير ذلك من صفاته أن تكون صفاته مثل صفات بني آدم!!)( 1)

أي أن الوجه واليد والأصابع من بني آدم هي صفات له , وهذا يشير إلى أن استعارة لفظ الصفة في حق أبعاض المخلوق يدلّ أن إطلاقه في حق الخالق مثله مع فارق الكيفية , فإذا أثبتنا الإصبع الحقيقي على ظاهره وأثبتناه جزءً من اليد فما الذي يدفع بعد ذلك اعتقادَ التبعيض والأجزاء؟ وما الذي بقي يستره عدُّ الإصبع من الصفات في مذهب القوم؟ وظنُنا بمشبهة اليهود أنهم لا يحسنون ما تكلفه القوم إن كان مقبولاً ، ولو كان يحسن ذلك لما أشار بأصابعه .

وتجد هذا الخلطِ والتخليط بين لفظ الصفات والأعضاء أيضًا في كلام ابن عثيمين , فيقول عند كلامه على إثبات الصفات :
(لا يصح في ضابط الإثبات الاعتماد على مجرد الإثبات بلا تشبيه ، لأنه لو صح ذلك لجاز أن يُثبت المفتري لله أعضاء كثيرةً مع نفي التشبيه , فيقول إن لله كبداً لا كأكباد العباد وأمعاءً لا كأمعائهم ونحو ذلك مما يتنزه الله تعالى عنه , كما أنّ له وجهاً لا كوجوههم )(2 )

ومن هذا الخلط أن الحجة الغزالي الذي يريد تنبيه أمثالهم على قواعد التنزيه بذكر الاتفاق على نفي الرأس عن الله عز وجل , فيرد عليه أحدهم بقوله:
(أما نفي الرأس الذي جاء في قول الغزالي فهو من القول على الله بغير علم، إذ ليس في العقل ولا في السمع ما يوجب إثبات هذه الصفة ولا نفيها)( 3)
مع أن الغزالي يريد بنفي الرأس نفي الأبعاض ولم يخطر بباله صفة الرأس لا نفياً ولا إثباتاً , وهذا مما يدل على خلط الأعضاء والصفات واستعمالهما استعمالاً مترادفاً عند القوم.

وفي كثير من كلامهم ما يكشف عن حقيقة عدِّ مثل هذه الألفاظ في الصفات , فيقول محقق كتاب التوحيد لا بن خزيمة:
(ومن أثبت الأصابع لله فكيف ينفي عنه اليدَ والأصابعُ جزء من اليد)( 4)

ويقول ابن عثيمين :
(والإصبع إصبع حقيقي يليق بالله عز وجل كاليد..)(5 )

ومن تأمّل الأحكام التي يثبتونها لهذه الصفات (الأعيان) جزم بأنّ القوم يتسترون في إثبات هذه الأعيان كأعضاء , بتوقفهم أو نفيهم لفظ الأعضاء وإطلاقهم عليها لفظ الصفات , فيقول أحدهم :
(يبين ابن عباس رضي الله عنه بأن هذا الكرسي الذي وسع السموات والأرض هو موضع القدمين أي أن الله يضع قدميه عليه ويستوي على عرشه فإن السلف يقولون عن هذا الكرسي بأنه بين يدي العرش كالمرقاة إليه)(6 )
فهل يقال بعد هذا إن القدمين صفة من صفاته لا على سبيل الجارحة والعضو؟

ومن هذا القبيل أيضاً قول ابن عثيمين وهو يحاول نفي إحاطة الجهة بالله تعالى فيقول:
(.. وليست جهةَ علوٍ تحيط به لأنه تعالى وسع كرسيه السموات والأرض وهو موضع قدميه فكيف يحيط به تعالى مخلوق من مخلوقاته)!( 7)

فلو كانت القدمان صفتين لا جارحتين فهل تقارن بالحجم مع الكرسي! وما يمتنع إحاطة المخلوقات به لأن موضع قدميه يسع السموات والأرض كيف لا يكون حجمياً أيضاً وكل هذه المقارنة مقارنة حجمية ؟

ولن ينجي من التجسيم عدُّ القدمين من الصفات، لأن الصفات لا يكون لها موضع توضع فيه , وكيف يجيب من جعل الكرسيَ موضعاً لقدميه عن العرش هل هو موضع أيضاً ؟ فإن كان موضعاً لشي غير القدمين فما هو؟ وإن لم تكن ذات الباري سبحانه قابلة للموضع فكيف كانت القدمان قابلة لذلك؟

ومما يؤكّد تصوّهم الأعضاء والأبعاض مما يسمونه بالصفات العينية , إثباتهم تلك الصفات تفريعًا على أعضاء المخلوق وأبعاضه , فيستدلون على إثبات العينين لله تعالى بإشارة النبي –ص- إلى عينيه! , وتراهم يستدلون لإثبات (صفات الأعيان) لله تعالى بأنه سبحانه عاب الأصنام بانتفاء الأرجل التي تمشي بها والأيدي التي تبطش بها , فيقول ابن القيم :
(وقال تعالى في آلهة المشركين المعطلين:" ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها "، فجعل سبحانه عدم البطش والمشي والسمع والبصر دليلاً على عدم إلهية من عدمت فيه هذه الصفات , فالبطش والمشي من أنواع الأفعال , والسمع والبصر من أنواع الصفات. وقد وصف نفسه سبحانه بضد صفة أربابهم وبضد ما وصفه به المعطلة والجهمية فوصف نفسه بالسمع والبصر والفعل باليدين والمجيء والإتيان , وذلك ضد صفات الأصنام التي جعل امتناع هذه الصفات عليها منافياً لإلاهيتها)( 8)

ولو سلمنا أن الآية الكريمة تدل على وصف الله سبحانه بضد صفات الأصنام التي جعل امتناعَ هذه الصفات عليها منافياً لإلاهيتها , فلا يصح الاكتفاء بإثبات بعض المذكور , لأن الله سبحانه عاب عليهم أموراً , فإن كان هذا العيب دالاً على اتصافه عز وجل بما نفاه عنهم وجعَلَه دليلاً على بطلان ألوهية الأصنام , فيجب أن يثْبُت له نقيض هذه الأوصاف جميعها من الأرجل والأيدي والآذان والأعين , ثم إنّ إثبات الأرجل على أنها صفة لا يتم به الاستدلال , لأن الله عز وجل عاب على الأصنام الأعضاءَ من الأرجل التي نص على أن المشي يحصل بها , والأيدي التي يبطشون بها ، فإن كان هذا العيب دالاً على وجود نقيض هذه المنفيات فهذا يعني أن الإله لا بد أن يكون له أرجل يمشي بها وأيد يبطش بها , كل ذلك على سبيل الأعضاء لا الصفات لأنه هو المعيب.



----------------------------------------
* اقتبست نصوص المشاركة الأخيرة من "التجسيم في الفكر الإسلامي" وهذه مراجعها :
1- مجموع فتاويه 6/247
2-مجموع فتاويه 4/201.
3-علو الله على خلقه للدكتور موسى الدويش 91
4- تعليق محمد الهراس على هامش التوحيد 89
5- القول المفيد 366
6- إثبات علو الله 2/304
7- القول المفيد 387
8- الصواعق المرسلة 3/915

الفصل الرابع
تنزيه الله تعالى عن الجسمية ولوازمها بين أهل السنة والوهابية




من المعروف عند الباحثين في اللغة أنّ اللغويين أطلقوا الجسم على الشيء المجتمع والعظيم , ولم يُطلق في الاستعمالات اللغوية على المؤلَّف بشرط أن يكون سابقًا على تجمعه تفرقُ أجزائه , ولم يشترط أهل اللغة سبقَ التفرق لإطلاق الجسم على المجتمع , وليس ملاحظًا في كون الشيء جسمًا لا سبق التفرق قبل التجمع ولا إمكان طروء التفرق , بل كونُه مجتمعَ الأجزاء ومتألفًا ومنضمًا بعضه إلى بعض كافٍ في كونه جسمًا , وقد أدرج التيمية قيدَ سبق التفرق أو إمكان طروئه على الشيء المجتمع حتى يكون جسمًا , وهذا القيد الذي أدرجوه في معنى الجسم ليس معتبرًا عند أهل اللغة , فجميع تعريفات اللغويين للجسم تدل على أن الجسم هو الشيء العظيم أو الشيء المجتمع , قال ابن فارس (1/457) :
("جسم" الجيم والسين والميم , يدلّ على تجمع الشيء , فالجسم كل شخص مدرك , كذا قال ابن دريد , والجسيم : العظيم الجسم ، وكذلك الجسام , والجسمان : الشخص ,... "جسد" الجيم والسين والدال , يدلّ على تجمع الشيء أيضًا واشتداده)
فقد ذكر ابن فارس أن الجسم هو الشيء المتجمع , وذكر بعده تعريف ابن دريد وهو الشخص المدرك , ولا يكون الشيء شاخصًا مُدركًا إلا إذا كان فيه نوع تجمع , ثم ذكر بعض الاستعمالات اللغوية للجسم مما فيه نوع تجمّع أيضًا .

وقال الأزهري في تهذيب اللغة :
(جسم: قَالَ اللَّيْث: الجِسمُ يَجْمَعُ البَدَنَ وأعضاءَهُ من النَّاس والإبلِ والدَّوابِّ وَنَحْو ذَلِك مِمَّا عَظُمَ من الخَلق الجسيم) (1 )

وفي "لسان العرب" :
(الجِسْمُ : جماعة البَدَنِ أو الأعضاء من الناس والإبل والدواب وغيرهم من الأنواع العظيمة الخَلْق ..., والجمع أَجْسامٌ وجُسومٌ , والجُسْمانُ : جماعة الجِسْمِ... , ورجُل جُسْمانيٌّ وجثْمانيٌّ: إذا كان ضَخْم الجُثَّة . أبو زيد الجِسْمُ الجَسَدُ وكذلك الجُسْمانُ والجُثْمانُ : الشخص , وقد جَسُمَ الشيءُ : أَي عَظُمَ فهو جَسِيمٌ وجُسام بالضم)

وفي "الصحاح" :
(قال أبو زيد: الجِسْمُ والجُسْمانُ: الجَسَدُ، والجُثْمانُ: الشخصُ. قال: وجماعة جِسمِ الإنسان أيضاً يقال له الجُسْمانُ. وقد جَسُمَ الشيءُ، أي عَظُمَ، فهو جَسيمٌ وجُسامٌ بالضم).
وفي "القاموس المحيط" : (الجِسْمُ، جماعةُ البَدَنِ أو الأعْضاءُ ومن الناسِ وسائِر الأنْواع العظيمةُ الخَلْقِ ) .(2 )

وما كان عظيمًا أو مجتمعًا لا بد وأن يكون له امتدادٌ ما في الأبعاد , ولذلك قال الإمام الراغب في مفرداته (ص94) :
(جسم: الجسم ماله طول وعرض وعمق ) .

فأهل اللغة لم يلاحظوا ويراعوا في الشيء حتى يكون جسمًا أن يكون منحلًا متفرقًا ثم يتركب , أو أن يكون مجتمعًا ثم يتفرق , بل لا يعرفون من الجسم سوى العظيم الكبير حسًا أو المجتمع المنضم , وهذا يستلزم بالضرورة الامتدادَ في الأبعاد وعظمةَ المقدار والحيّز , فالعرش مثلًا جسم لأنه عظيم الحيّز والمقدار , وله امتداد في اليمين واليسار , والإشارة الحسيّة إلى يمينه ليست عين الإشارة إلى يساره , فهو منقسم بالفرض إلى ما هو يمين وما هو يسار وما هو أعلى وما هو أسفل , فمقداره وحجمه يمكن أن يفرض فيه اليمين واليسار والأعلى والأسفل , ويتيمز شيء منه عن شيء , وقد سلّم ابن تيمية في أحد المواضع بهذا فقال :
(الوجه الثالث والسبعون: أن الأجسام بينها قدر مشترك وهو جنس المقدار , كما يقولون ما يمكن فرض الأبعاد الثلاثة فيه , وبينها قدر مميز -وهو حقيقة كل واحد وخصوص ذاته التي امتاز بها عن غيره- كما يعلم أن الجبل والبحر مشتركان في أصل القدر , مع العلم بأن حقيقة الحجر ليست حقيقة الماء) (3 ) .

وخلاصة الأمر أن الجسم عند أهل اللغة يطلق على:
1- الشيء الكبير العظيم المقدار .
2- الشيء المجتمع , بقطع النظر عمّا اجتمع منه وبقطع النظر عن سبق التفرق قبل الاجتماع أو إمكان التفريق بعده .
3- الشيء الممتد في الأبعاد , بحيث يتميز يمينه عن شماله وأعلاه عن أسفله ويشار إشارة حسيّة إلى شيء منه دون شيء .

ولقد اعتمد المتكلمون من أهل السنة وغيرهم في تعريفهم الاصطلاحي للجسم على المعاني اللغوية , والتي لا تخرج عن التجمّع والعظمة والكبر الحسي , فكلما كان الشيء مجتمعًا مشتدًا أكثر كان أبلغ في الجسدية , حتى إذا بلغ الاشتداد المطلق فاستحال تفريقه فقد بلغ الغاية في التجسد , وتعريفات المتكلمين للجسم لا تخالف تعريفات اللغويين بل هي راجعة إليها , فقد عرّف الإمام السيّد الشريف الجرجاني الجسمَ بأنه : "الطويل العريض العميق" , وعرفه الباقلاني بأنه : "المؤلف المركب المجتمع" , فهذه التعريفات الكلامية لا تخرج عن التعريفات اللغوية , لأنّ الجسم عند أهل اللغة هو الشيء العظيم كبير الحجم , ومعلوم أنّ الشيء الكبير الحجم لا بد أن يكون له طول وعرض وارتفاع , وإلا لم يكن كبيرًا عظيم الحجم , وكذلك يطلق اللغويون الجسمَ على الشيء المجتمع , ومعلوم أنّ الشيء المجتمع هو المؤلف المركب , وكذلك الشيء الكبير العظيم لا بد أن يكون مجتمعًا مؤلفًا , وكلّ مجتمع لا بد أن يكون له طول وعرض وعمق .

وقد اعترض بعضهم على هذا بأن النار والهواء لها طول وعرض وارتفاع وهي مركبة من الأجزاء , وكذلك بعض المخلوقات الصغيرة كالذبابة والحشرات , لكن لم يطلق عليها العرب أنها أجسام , وتغافل هذا المعترض عن أنّ غلبة استعمال اللفظ في بعض المعاني لا يستلزم نفيه عن غيرها , وشيوع استعمال اللفظ لمعان معينة لا يعني انحصار دلالته عليها , وقد ورد في اللغة قولهم : (فلان أجسم من فلان) لمن كان أضخم وله من الطول والعرض أكثر مما للآخر , ولمن زادت أجزاء جسمه على الآخر , ومعلوم أنّ المفاضلة بين أمرين في وصف تقتضي ثبوته لهما وزيادة أحدهما على الآخر فيه , فإذا قلنا : (الحديد أصلب من الحجر) فهِمْنا اشتراكهما في الصلابة وزيادة الحديد فيها على الحجر , فالزيادة في قول أهل اللغة : (فلان أجسم من فلان) هي زيادة في الطول والعرض وفي الأجزاء وكبر الأعضاء , وهذا يدلّ على أنّ الجسم عند أهل اللغة هو الطويل العريض العميق ذو الأجزاء , وغلبة استعمال لفظ الجسم في بعض المعاني لا يعني عدم جواز إطلاقه على غيرها مما تشترك معها في منشأ الإطلاق , وقد ورد إطلاق الجسم على النار في شعر المتقدّمين كأبي نواس مثلًا , ففي معاهد التنصيص على شواهد التلخيص من أشعار أبي نواس :
(جاءتْ بإبريقها مِنْ بَيتِ تاجرها *** رُوحاً مِنَ الخمرِ في جِسمٍ مِنَ النّارِ) (4 )

وقد أطلق العرب لفظ الجسم على المخلوقات الصغيرة كالبرغوث , فجاء في عيون الأخبار لابن قتيبة الدينوري عن أحد الأعراب , قوله في امرأة يصفها -ونقله صاحب العقد الفريد-:
(لها جِسم بُرْغوث وساقا بَعُوضة *** ووَجْه كَوَجْه القِرْد أو هو أقْبَحُ ) (5 )

وفي طبقات الشعراء لابن المعتز في أخبار حمّاد الراوية :
( قال أبو العباس المبرد: حدثني أبو يعقوب الباهلي قال:هجا حماد عجرد محمد بن سليمان الهاشمي بقصيدته التي يقول فيها:
له جسم برغوث وعقل مكاتب *** وغلمه سنور يبيت يولول
فأهدر محمد بن سليمان دمه) (6 ) .

واستعمال لفظ الجسم للبرغوث وإن كان غير مشتهر , لكن ذلك لا يقتضي عدم جواز إطلاقه عليه لما سبق .

وقد أطلق العرب أيضًا الجسم على غير الحي العاقل , فأطلقوه على الميت كما في قول النابغة الجعدي :
( وَلَسنا نَرُدُّ الرَوحَ في جِسمِ مَيّتٍ *** وَكُنّا نُسِيلُ الرَوحَ مِمَّن تَنشَّرا) (7 )

وأطلق ابن المعتز الجسم على الأرض –كما في التشبيهات لابن أبي عون- فقال :
(يكْسُو الْبِلادَ قَمِيصاً مِنْ زَخارِفِه *** كَأَنَّهُ فَوْقَ جِسْمِ اْلأَرْضِ مَزْرُورُ )

وأطلق ابن الهذيل الجسم على السراب , فقال :
( متوسِّطٌ جَوزَ الفلاةِ كأنَّه *** ثملٌ يَميدُ به الطَّريقُ المهيَعُ
وترى بها جسم السراب كأنما *** نزلت به الحمى فما إن تقلعُ ) (8 )

وأطلق سليمان المتلمس الجسم على الهواء , فقال :
(وصهباء في جسم الهواء وثوبها *** سنا الشمس يبغي سدفة الليل بالذحل) (9 )

وقد ردّ ابن حزم على من نفى كون الهواء جسمًا فقال في الفصل (5/195) :
(وقد نجد جسماً طويلاً عريضاً عميقاً لا لون له وهو الهواء , ساكنه ومتحركه , وبالضرورة ندري أنه لو كان له لون لم يزد ذلك في مساحته شيئاً‏.‏
قال أبو محمد‏:‏ فإن بلغ الجهل بصاحبه إلى أن يقول ليس الهواء جسماً , سألناه عما في داخل الزق المنفوخ ما هو؟ وعما يلقي الذي يجرى فرساً جواداً بوجهه وجسمه؟ فإنه لا شك في أنه جسم قوي متكثر محسوس) (10 ) .

ويعبّر أهل الاصطلاح عن الجسم بأنه منقسم أو مركب , ويطلقون الانقسام بملاحظة الأشياء المجتمعة ويطلقون التركيب بملاحظة الذات الجامعة , ولا يعنون بالقسمة مجرد انفصال شيء منه عن شيء بالفعل بحيث يصير كلّ منهما في حيّز مستقل عن الآخر , كانقسام الجيش إلى ميمنة وميسرة , إذ ليس هذا من ذاتيات الجسم , فقد تكون القسمة دون انفصال شيء عن شيء , بل بتميّز شيء منه عن شيء في جهته بحيث يكون ما في هذه الجهة منه غير ما في هذه الجهة , وتكون إشارتك الحسية إلى هذا الشيء غير إشارتك الحسية إلى ذاك , فتصح الإشارة الحسيّة إلى شيء منه دون شيء , وبإمكانك أن تشير إليه أكثر من إشارة حسية وتقع كلّ إشارة على شيء منه دون الآخر , وإن كان موقع الإشارة الحسية غير منفصل عن الشيء الآخر في حيّز منفرد , وذلك كانقسام العرش إلى يمنة ويسرة , فيمين العرش متميز عن يساره والإشارة الحسية إلى اليمين غير الإشارة الحسية إلى اليسار , فيمكنك أن تشير أكثر من إشارة حسية إلى العرش بحيث تقع كل إشارة على شيء متميّز عن الآخر , وإن كان يمين العرش غير متميّز عن يساره بحيز منفصل مستقل , وهذا راجع إلى معنى الجسم عند اللغويين وهو العظيم الكبير أو الطويل العريض العميق أو المجتمع , لأنّ كلّ كبير في حيّزه وكلّ ممتد في الأبعاد وكل مجتمع لا بد أن يتميز شيء منه عن شيء بالجهة والإشارة الحسية وإن لم يكن متميزًا عنه بحيز منفصل .

__________________________________________________
* أفدتُ معظم معاني الجسم من درس شرح التأسيس .
- تهذيب اللغة , (10/314) , ط إحياء التراث العربي .
2- القاموس المحيط , ص 1088 , ط8 الرسالة .
3- بيان تلبيس الجهمية 1/129.
4- (1/35) , وفي نفس الكتاب ص30 : (قيل إنه ولد بالبصرة ... وقيل إنه ولد بالأهواز , وقيل إنه ولد بكورة من كور خوزستان , في سنة 141 هـ) .
5- عيون الأخبار (4/35) .
6- ص90 , وحماد الراوية قال عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان (2/206) : (وفي كتاب طبقات الشعراء : إنه مولى مُكنّف بن زيد الخيل الطائي الصحابي -رضي الله عنه- . وكان من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها وأشعارها وأنسابها ولغاتها , وهو الذي جمع السبع الطوال فيما ذكره أبو جعفر النحاس .... وكانت وفاته سنة 155هـ).
7- ديوان النابغة الجعدي ص90 , والنابغة الجعدي من الشعراء المخضرمين , قال الزركلي في الأعلام (5/207) : (إنه توفي نحو سنة 50 هـ) .
8- التشبيهات من أشعار أهل الأندلس ص171 .
9- التشبيهات من أشعار أهل الأندلس ص91 .
10- ط2 دار الجيل .

ومن نظر في حقيقة التجسيم عند أهل اللغة والاصطلاح وقارنه بعقائد التيمية والوهابية , وجدهم يعتقدون حقيقة الجسمية في الله تعالى -وإن كانوا ينفون التجسيم من حيث الإطلاق واللفظ أحيانًا ويتوقفون فيه أحيانًا أخرى- , ويتضح ذلك من خلال النقاط التالية :

أ - تفسيرهم اسم الله (الصمد) بألفاظ لا تستعمل إلا في وصف الأجسام "كالاجتماع" و "القوة" التي تنافي التفرق والانقسام والتمزق والانفصال والانحلال ، و"الانضمام" المنافي للخلو والتجويف والانفتاح والتفريج!! :

بيّن علماء اللغة أنّ من معاني (الصمد) الشيء الذي لا جوف له , فقال ابن منظور في اللسان (3/259) : (قيل : الصمد هو المصمت الذي لا جوف له , وهذا لا يجوز على الله عز وجل) , والإصمات والتجويف من المعاني المتناقضة في الجسم فلا يمكن إثباتهما معًا ولا يمكن نفيهما معًا , فإما أن يكون الجسم مصمتًا منضمًا بعضه إلى بعض وإما أن يكون مجوفًا فيه خلو وتفريج , ونفيُ أحدهما عن الجسم يستلزم ثبوت الآخر , فإذا نفينا الإصمات فقد أثبتنا التجويف والخلو وإذا نفينا التجويف فقد أثبتنا الإصمات والانضمام , أما غير الأجسام فلا تقبل الوصف بأحدهما فلا يكون نفي أحدهما إثباتًا لنقيضه لعدم القابلية أصلًا , فإذا قلنا أن صفة العلم لا جوف لها فلا يعني ذلك أنها مجتمعة منضمة لأنها ليست جسمًا فليست قابلة لأحد النقيضين , لأن القابل للشيء لا يخلو عنه أو عن نقيضه أما غير القابل فلا يثبت له الشيء ولا نقيضه , فإذا قلنا أن الملائكة ليسوا إناثًا فلا يعني ذلك أنهم ذكور , لأنهم غير قابلين أصلًا للاتصاف بالأنوثة والذكورة , فلا يصح إثبات الأنوثة للملائكة عند نفي الذكورة عنهم ولا يصح إثبات الذكورة عند نفي الأنوثة , أما إذا نفينا عن إنسان الأنوثة فهذا يعني أنه ذكرٌ وإذا نفينا عنه الذكورة فهذا يعني أنه أنثى , لأن الإنسان قابل للاتصاف بالأنوثة والذكورة , وعلى هذا لا يصح إثبات التجويف عند نفي الإصمات والاجتماع أو إثبات الإصمات والاجتماع عند نفي التجويف إلا للجسم , أما غير الجسم فلا يلزم من نفي التجويف والخلو أو من نفي الإصمات والاجتماع إثبات نقيضه , ويفهم من كلام ابن تيمية في أحد المواضع أنّ الإصمات والاجتماع إنما يعقل في الجسم , وأن الأجسام منها ما هو مصمت ومنها ما هو أجوف , فقال عن المجسمة : (قالوا: هو صمد والصمد لا جوف له، وهذا إنما يكون في الأجسام المصمتة فإنها لا جوف لها كما في الجبال و الصخور...وقالوا: أصل الصْمد الاجتماع ومنه تصميد المال، وهذا إنما يعقل في الجسم المجتمع). (مجموعة رسائله وكتبه في التفسير 17/269) .
وقال أيضًا في بيان التلبيس (1/486) : (يقال صمت يصمت صماتا وأصمت إصماتا , وهو جمع وضم ينافي الانفتاح والتفريج , ولهذا يقال للعظام ونحوها من الأجسام : منها أجوف ومنها مصمت).
لكنّه عندما أتى إلى تفسير اسم الله تعالى (الصمد) فسّره بما لا يعقل إلا في الجسم من أنّه يقتضي الجمع والضم! , ورأى أن نفي التجويف عنه يستلزم إثبات الاجتماع والانضمام! , فقال في بيان تلبيسه (1/628) :
1- (قد أخبر الله تعالى في كتابه أنه الصمد , وقد قال عامة السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم إن الصمد هو الذي لا جوف له , وقالوا أمثال هذه العبارات التي تدل على أن معناه لا يتفرق، واللغة تدل على ذلك , فإن هذا اللفظ وهو لفظ "صمد" يقتضي الجمع والضم!!).
فهو يرى أن صمدية الله تعالى تقتضي الجمع والضم في اللغة , وهذا يستلزم وجود أعيان وأشياء مجتمعة ومنضم بعضها إلى بعض وإلا لم يكن هناك جمعٌ ولا ضم , وهذا هو التجسيم بعينه كما ذكره ابن فارس واللغويون , وتجد ابن تيمية يفسّر الصمدية مرارًا بألفاظ لا تستعمل إلا في وصف الأجسام كالاجتماعِ والقوةِ التي تنافي التفرق والانقسام والتمزق والانفصال والانحلال ، والانضمامِ المنافي للخلو والتجويف والانفتاح والتفريج!! , فقال في بيان تلبيسه (1/621) :

2- (والله سبحانه وتعالى صمد لا يجوز عليه التفرق والانفصال كما تقدم بيانه , وأن هذا الاسم يقتضي الاجتماع والقوة , ويمنع التفرق والانفصال , وإذا كانت الصمدية واجبةً له كان الاجتماع واجباً له , والافتراق ممتنعاً على ذاته) .

3- وقال في بيان تلبيسه (1/486) :
(ودلالة اللفظ عليه أظهر من دلالتها على السؤدد , وذلك أن لفظ "صمد" يدل على الاجتماع والانضمام المنافي للتفرق والخلو والتجويف)!!.

4- وقال في بيان التلبيس (1/486) : (ولفظ الصمد يدل على أنه لا جوف له وعلى أنه السيد).

5- وقد أرجع معنى السيد أيضًا إلى الاجتماع والانضمام! , حيث قال (1/485):
(فان اسم السيد يقتضي الجمع والقوة , ولهذا يقال السواد هو اللون الجامع للبصر والبياض اللون المفرق للبصر ويقال للحليم السيد لان نفسه تجتمع فلا تتفرق وتتميز من الغيظ والواردات عليها , وكذلك هو الذي يصبر على الأمور والصبر يقتضي الجمع والحبس والضم) .

6- وقال أيضًا في بيان التلبيس ما يدل على أن داخله ممتلئ (1/713):
(كلّ حكمٍ ثبت لمحض الوجود يخرج الأحكام التي تتضمن العدم , مثل الأكل والشرب فإن ذلك يستلزم كون الآكل والشارب أجوف بحيث يحصل الغذاء الذي هو أجسام في محل خال , لا سيما إذا كان قد خرج غيره بالتحلل , ويكون بدل المتحلل فيكون متضمنا خروج شيء من الجسم , وذلك نقص منه وهو صفة عدمية , ووجود أجزاء فيه , وذلك يستلزم خاليًا وهو نقص فيه وهو صفة عدمية , وهذا ينافي الصمدية , فإن الصمد هو الذي لا جوف له فلا يأكل ولا يشرب ولا يلد ولا يخرج منه شيء ولا غيره من جنس الفضلات التي تخرج من الانسان) .

7- وقال في مجموع الفتاوى عن الصمد (17/229) :
(وكذلك لفظ الصمد فيه الجمع , والجمع فيه القوة , فإن الشيء كلما اجتمع بعضه إلى بعض ولم يكن فيه خلل , كان أقوى مما إذا كان فيه خلو) .
فانظر هذا وقارنه بتعريف الجسم عند اللغويين لتجد عدم وجود الفارق بين ما فهمه ابن تيمية من معنى الصمد وبين الجسم في اللغة!! وأن الاجتماع والقوة التي يعنيها هي الاشتداد والصلابة بدليل أنها تمنع التفريق والانفصال!! وبعد أن اتضح للقارئ اعتقاد ابن تيمية أن الله تعالى مجتمع لا جوف له مما ينافي جواز التفرق والانحلال عليه , فليقرأ كلام ابن تيمية التالي في بيان التلبيس (1/628) :
8- ( وقد قال من قال من حذاق أهل الكلام وغيرهم : إن هذا تفسير المجسمة , لأن الأجسام نوعان : أجوف ومصمت كالطعام منها أجوف ومنها مصمت , فالحجر ونحوه مصمت , قالوا : هذا يقتضي أنه جسم مصمت لا جوف له , وهذا يدل على أن صمديته تنافي جواز التفرق والانحلال عليه , فلا يخلو إما أن تكون هذه الآية قد دلت على ذلك أو لم تدل عليه , فإن كانت دلت على ذلك وعلى أنه مصمت لا جوف له يمتنع عليه التفرق, بطل قولك –أي الرازي- إن كل جسم يصح عليه التفرق والانحلال , وإن لم تكن دلت على ذلك فأنت لم تذكر دليلًا عقليًا على امتناع التفرق عليه , ولا نصًا ولا إجماعًا , وإذا كان كذلك لم تكن حجتك تامة , فإن هذه إحدى مقدمات الدليل فإذا لم يكن مدلولا عليها لم يكن المذكور دليلا وإذا لم يكن دليلا لم يصح نفي كونه جسما بهذا الدليل) .

أي إن كانت الآية دالة على أنّ صمدية الله تعالى تنافي جواز التفرق والانحلال , فقد بطل قول الإمام الرازي إن كلّ جسم يصح عليه التفرق والانحلال! , لماذا؟ لأنه حينئذ قد وجد جسم لم يصح عليه التفرق والانحلال وهو الله تعالى!! , فلا يكون جواز التفرق والانحلال على كل جسم صحيحًا لوجود فرد ينقض ذلك العموم في كلام الرازي , فتكون هذه السالبة الجزئية ناقضة للموجبة الكلية , وإن لم تدل الآية على ذلك بطلت حجة الرازي كما يزعم ولم يكن له دليل على امتناع التفرق على الله تعالى , مع أن كلّ أدلة نفي التجسيم العقلية والنقلية تدلّ على ذلك , ولنا أن نسأل ابن تيمية : أتختار أنّ الآية دلّت على أن صمدية الله تعالى تنافي جواز التفرق والانحلال عليه فلا يكون من الجائز على كل جسم ذلك التفرق , أم لا؟ من المعلوم أن جواب ابن تيمية هو الأول كما سبق في نصوصه , ولا بد من التنبيه إلى أن الآية بعيدة عن معنى الاجتماع ونفي التفرق الذي يفيده لفظ الصمد في اللغة والذي هو اجتماع الجسم وصلابته ونفي وقوع انقسامه , فلا معنى لحشر ابن تيمية هذه الآية في هذا السياق .
ثم إن ابن تيمية عدّ الاجتماعَ والافتراقَ في حق الباري سبحانه ضدين كالموت والحياة لا يمكن ارتفاعهما عنه معاً ، لأن أحدَهما من صفات الكمال ، ولأن نفيَهما من جنس الإلحاد! , فقال بعد الكلام السابق (1/628-629):
9- (فإن قال : أنا أثبت امتناع التفريق عليه بالإجماع أو موافقة الخصم , قيل له : الذي يوافقك على دليل وافقك على أنه مجتمع يمتنع عليه الافتراق , ولم يوافقك على أنه لا يوصف باجتماع ولا افتراق! , وحينئذ فهو يقول: أنا ما علمت امتناع الافتراق عليه إلا بوجوب اجتماعه! , كما أني لم أعلم امتناع الموت عليه إلا لوجوب حياته , ولم أعلم امتناع الجهل والعجز عليه إلا لوجوب علمه وقدرته , ولم أعلم امتناع العدم عليه إلا لوجوب وجوده , فإن نازعني منازع فيما أثبته وقال : ليس بمجتمع أو ليس بعالم أو ليس بحي ولا قادر أو ليس بموجود وطلب مني أن أوافقه على أنه لا يجوز عليه الافتراق والعدم والموت والجهل والعجز ونحو ذلك , كان قد طلب مني موافقته على امتناع أحد الضدين دون ثبوت الآخر الذي هو من صفات الكمال أو الذي ليس هو من صفات النقص أو الذي ليس هو عندي من صفات النقص , وكان حينئذ من جنس الملاحدة الذي يطلبون أن أوافقهم على أنه ليس بميت ولا عاجز ولا جاهل مع منازعتهم لنا في أنه حي عالم قادر).

وقد بينتُ سابقًا أن الإصمات والاجتماع وضده من التجويف والتفريج من المعاني الخاصة بالأجسام , فلا يعقل إثباتهما لما ليس جسمًا , إلا أنّ ابن تيمية هنا يجعل الاجتماع المنافي للتفرق كالعلم المنافي للجهل والوجود المنافي للعدم!! , فتأمل .

ب- تفسيرهم عظمة الله تعالى وكِبَره بالمعنى الحسي الحجمي المعروف في الأجسام :


إن ابن تيمية وأتباعه يفهمون الكِبَر والعظمة لله تعالى بالمعنى الحسّي الحجمي , فيقول ابن تيمية في منهاج السنة النبوية (2/630) :
10- (فإذا قيل إنه ما يفضل من العرش أربعة أصابع , كان المعنى ما يفضل منه شيء , والمقصود هنا بيان أن الله أعظم وأكبر من العرش) .

وقد ذكر هذا الكلام في بيانه معنى الأثر الباطل : (فما يفضل منه –أي العرش بعد الجلوس- إلا أربعة أصابع) , وأنكر ابن تيمية أن تكون (ما) في هذا النهي الموصولة وذهب إلى كونها نافية , وعلّل ذلك بقوله في مجموع الفتاوى (16/436):

11- (بل هو يقتضي أن يكون العرش أعظم من الرب وأكبر وهذا باطل , ويقتضي أيضاً أنه إنما عُرف عظمة الرب بتعظيم العرش المخلوق وقد جعل العرش أعظم منه , فما عظم الرب إلا بالمقايسة بمخلوق وهو أعظم من الرب , وهذا معنى فاسد) .
فيرى استحالة كون العرش أكبر وأعظم من الله تعالى ووجوب كون الله تعالى أكبر وأعظم من العرش , وهذه مقارنة صريحة بين ذي حجم ومساحة مع ذي حجم ومساحة!! .
وحينما ألزم الإمامُ الرازي الكراميةَ بإثبات كِبَر الحجم وعظمة المقدار لله تعالى , التزم ابن تيمية ذلك وقال في بيان التلبيس (1/767):

12- (الوجه السابع عشر أنهم يقولون: نقول إنه لا يرى إلا كبيراً عظيماً لا نقول إنه يرى لا صغيراً ولا كبيراً , بل نقول إنه يرى عظيماً كبيراً جليلاً كما سمي ووصف نفسه بذلك في الكتاب والسنة , ومن لم يقل ذلك من المنازعين كان ما ذكره حجة عليه).
وسار أتباع ابن تيمية على فهم العظمة والكِبَر على المعنى الحسي الحجمي الخاص بالأجسام كما سبق في كلام أهل اللغة , فيقول ابن عثيمين في مجموع فتاواه (8/321) :

13- (وإن أردتم بكونه محدودا : أن العرش محيط به ، فهذا باطل ، وليس بلازم ، فإن الله تعالى مستوٍ على العرش ، وإن كان عز وجل أكبر من العرش ومن غير العرش ، ولا يلزم أن يكون العرش محيطا به، بل لا يمكن أن يكون محيطا به؛ لأن الله سبحانه وتعالى أعظم من كل شيء وأكبر من كل شيء , والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ، والسماوات مطويات بيمينه) .
فتأمل تعليله عدم إحاطة العرش بالله تعالى بكون الله تعالى أعظم وأكبر من العرش وأكبر من كل شيء , مما يدل على أن العظمة والكبر عندهم هي المعروفة في الأجسام عند أهل اللغة .
وقال أيضًا في مجموع فتاواه (8/423) :

14- (واستفهام النبي -صلى الله عليه وسلم- بـ "أين الله" يدل على أن لله مكاناً، ولكن يجب أن نعلم أن الله لا تحيط به الأمكنة , لأنه أكبر من كل شيء!).
فعلة عدم إحاطة المكان بالله تعالى هي أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء , وهذا يدل على أن القوم يستعملون الكبر بالمعنى الحجمي , لأنّ المكان لا يمكن أن يحيط بالشيء إلا إذا كان حجمه أكبر من حجم المكان .

ج- إثباتهم الأبعاض لذات الله تعالى :


إذا نفى أحد الوهابية كون "عين" الله -تعالى وتقدس عن ترهاتهم- عضوًا أو بعضًا أو جارحة , فهو إنما ينفي كونها عضوًا مشابهًا لأعضاء المخلوقين في الكيفيات , وينفي كونها عضوًا بمعنى ما سَبَقَ تَفَرُّقُه أو أمكن تفريقه , وهو في الحقيقة ينفي لفظ العضو مع إثباته معناه , ولك أن تتعجب من عدم إثباتهم الأجزاء والأبعاض لله تعالى عندما تعرف معنى الأجزاء والأبعاض عندهم! , فقال ابن عثيمين في فتاواه (8/95):
(لا نقول إنها أجزاء وأبعاض , بل نتحاشا هذا "اللفظ" , لكنّ مسماها لنا أجزاء وأبعاض , لأن الجزء والبعض : ما جاز انفصاله عن الكل!! فالرب عز وجل لا يتصور أن شيئًا من هذه الصفات التي وصف بها نفسه - كاليد - أن تزول أبدًا ؛ لأنه موصوف بها أزلًا وأبدًا , ولهذا لا نقول : إنه أبعاض وأجزاء) .

وقال ابن القيم في الصواعق المرسلة (1/227) :
(وكذلك الأبعاض هي ما جاز مفارقتها وانفصالها وانفكاكها , وذلك في حق الرب تعالى محال , فليست أبعاضًا ولا جوارح) .
فانظر فهمهم للفظ الجزء والبعض والعضو لتعرف معناها المنفي عندهم عن الله تعالى , فيروْن أنّ الجزء ما جاز انفصاله عن الكلّ , مع أنّ هذا المعنى ليس مدلولًا للفظ الجزء أو البعض أو العضو لا لغة ولا عرفًا ولا شرعًا , وهذا القيد الذي جعلوه شرطًا لمعنى الجزء ليس معروفًا عند أهل اللسان العربي , أما معنى الجزء المعروف فهم يثبتونه مع تحاشيهم لَفْظَه , فيرون أنّ ذات الله تعالى تتألف من أجزاء مع رفضهم إطلاق لفظ "الأجزاء" واستبدالهم مكانه لفظ "الأعيان" , لكنّ هذه الأعيان لم تكن مفرقة ثم اجتمعت ويستحيل أيضًا أن تتفرق وتنفصل بعد كونها مجتمعة , بل ذات الباري –سبحانه- مؤلفة من تلك الأعيان منذ الأزل إلى الأبد , وهذه الأعيان من الصفات الذاتية الواجبة لله تعالى عندهم! , وهذا في الحقيقة هو التجسيم بعينه , قال ابن فارس (1/457) : ("جسم" الجيم والسين والميم , يدلّ على تجمع الشيء..... , "جسد" الجيم والسين والدال , يدلّ على تجمع الشيء أيضًا واشتداده) .

فذات الله تعالى عند التيمية مجتمعة وجامعة لأعيان , وهم وإن كانوا يعترفون بأن الجسم هو الشيء المجتمع المؤلف , لكنّهم -ليفروا من التجسيم- أضافوا قيدًا لم يعرفه أهل اللغة , وهذا القيد هو التفرّق السابق أو إمكان التفريق اللاحق , فما كان متفرقًا فاجتمع أو ما كان مجتمعًا وأمكن تفريقه فهو الجسم , أمّا ما كان مجتمعًا دون سبق تفرّق أو إمكان تفريق فليس بجسم! , لأن ذات الله –سبحانه- عندهم تتضمن أعيانًا لم تكن متفرقة ويستحيل عليها التفريق , والإشارة الحسيّة إلى كلّ واحدة من هذه الأعيان غير الإشارة إلى الأخرى , فالإشارة إلى اليد غير الإشارة إلى القدم والإشارتان غير الإشارة إلى الوجه , والحيز والمكان الذي يشغله هذا الجانب غير الحيّز والمكان الذي يشغله الجانب الآخر وإن كان لا يفارقه في الزمان والوجود , والنسبة بين هذه الأعيان بعضها إلى بعض هي نسبة الجزء إلى الجزء , والنسبة بين هذه الأعيان والذات هي نسبة الجزء إلى الكل , وإن كانوا يتوقفون في لفظ "الجزء" كما سبق .
وإليك بعض النصوص يثبتون فيها الأبعاض لله تعالى :

15- قال ابن تيمية في بيان تلبيسه (1/83-84) :
(فصل: قال الرازي: "وأما "الحنابلة" الذين التزموا الأجزاء والأبعاض".
فيقال: إن أردت بهذا الكلام أنهم وصفوه بلفظ الأجزاء والأبعاض وأطلقوا ذلك عليه من غير نفي للمعنى الباطل وقالوا إنه يتجزأ أو يتبعض وينفصل بعضه عن بعض ( ) , فهذا ما يعلم أحد من الحنابلة يقوله , هم مصرحون بنفي ذلك , وإن أردت إطلاق لفظ البعض على صفاته في الجملة -فهذا ليس مشهورا عنهم , لا سيما والحنابلة أكثر اتباعا لألفاظ القرآن والحديث من الكرامية ومن الأشعرية , بإثبات لفظ الجسم من الحنابلة ( )- , فهذا مأثور عن الصحابة والتابعين , والحنبلية وغيرهم متنازعون في إطلاق هذا اللفظ كما سنذكره إن شاء الله , وليس للحنبلية في هذا اختصاص , ليس لهم قول في النفي والإثبات إلا وهو وما أبلغ منه موجود في عامة الطوائف وغيرهم , إذ هم لكثرة الاعتناء بالسنة والحديث والائتمام بمن كان بالسنة أعلم وأبعد عن الأقوال المتطرفة في النفي والإثبات , وإن كان في أقوال بعضهم غلط في النفي والإثبات فهو أقرب من الغلط الموجود في الطرفين في سائر الطوائف الذين هم دونهم في العلم بالسنة والإتباع.
وإن أردت أنهم وصفوه بالصفات الخبرية مثل الوجه واليد , وذلك يقتضي التجزئة والتبعيض , أو أنهم وصفوه بما يقتضي أن يكون جسما والجسم متبعض ومتجزئ وإن لم يقولوا هو جسم , فيقال له: لا اختصاص للحنابلة بذلك بل هذا مذهب جماهير أهل الإسلام بل وسائر أهل الملل وسلف الأمة وأئمتها!!) .

فهاهنا ذكر ابن تيمية معنيين للتجزؤ والتبعيض لم يُرِدْهُما الإمامُ الرازي , ولمّا أتى إلى مُراده من التجزؤ والتبعيض التزمه وقال به!! , وهذا من الأساليب المحببة عند ابن تيمية حيث يطنب في نقاش ما لا نزاع فيه بوجوه كثيرة , حتى إذا وصل محل النزاع التزمه وقال به إما صراحة –وهو قليل- أو بأساليب ملتوية كنسبته للسلف أو للجمهور أو للحنابلة أو سوقه على لسان غيره ممن يسميهم أهل الإثبات أو بتغيير بعض الألفاظ! , حتى يوصل القارئ إلى إثبات المعنى من غير أن يؤخذ عليه التصريح به , واستخدام هذه الأساليب هو الغالب الأعم عند ابن تيمية!! , وتأمّل قوله : (وإن لم يقولوا هو جسم) , ففيه دليل على أن القوم يُثبتون المعنى مع تحاشيهم اللفظ!

16- ثم تراه يقيس الأبعاض المؤلِّفة لذات الله تعالى –والتي يسميها أعيان- على الصفات , فيقول في بيان تلبيسه (1/624-625):
(وفي الجملة فأصل هذا الكلام أنه فرض تماثلاً وقال فيه يلزم أن يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر , فيقال له : التماثل الذي سلمناه لم يدخل فيه ما يستلزم جوازَ التفريق أو جوازَ حلول كل بعض محلَ الآخر , ولا يدخل هذا في مسمى التماثل المفروض , وإن قلت : بل هو داخل في مسمى التماثل الذي فرضتُه كان النزاع لفظياً وعاد الكلام إلى القسم الثاني , فيقال لك : لا يكون مماثلةً بهذا الاعتبار الذي ذكرته , كما قد يقال ابتداءً لا يجب أن تكون الأبعاض متماثلة، بل يجوز أن تكون غيرَ متماثلة ، كما أن الصفاتِ مثلَ الحياة والعلم والقدرة ليست متماثلة , فيقول هؤلاء في القدْر ما قاله الباقون في الوصف ، ويقولون أبعاض المقدار كآحاد الصفات، وإذا كان حاملاً لصفات ليست متماثلة كان أيضاً جامعاً لأبعاض ليست متماثلة , فما الدليل على بطلان ذلك؟!).

وهذا واضح في إثبات تألّف الذات الإلهية من أبعاض لكنّها لا تقبل الانفصال , ولو تنزلنا وقلنا بأنّ التماثل الذي سلّمه لا يستلزم جواز التفريق وحلول كل بعض مكان الآخر , فإنّ في إثباته الأبعاض التي تجمعها الذات الإلهية إثباتٌ للتجسيم والتركيب في ذات الله عز وجلّ , وقياس الأبعاض التي تجمعها الذات الإلهية على الصفات التي تحملها قياسٌ فاسد , إذ الصفات لا يمكن الإشارة الحسية إلى أحدها دون الأخرى , بخلاف الإشارة إلى شيء من القدْر دون شيء آخر وعينٍ منه دون عينٍ أخرى , فالصفة معنى يقوم بالذات ولا تمكن الإشارة الحسية إلى معنى قائم بالذات دون الآخر , ومن المحال أن يشار بالحس إلى صفة العلم دون صفة القدرة والإرادة مثلًا , فالصفات لا تقع تلك الإشارة على شيء منها دون شيء , فليست إشارةً إلى عينٍ متحيّزة منه مختصة بجهة مخالفة لجهة الأعيان الأخرى , بل هي إشارة عقلية ذهنية لا إشارة حسية إلى شيء ذي مقدار , وعلاقتها مع الذات ليست علاقة الجزء مع الكل , وعلاقتها مع بعضها ليست علاقة الجزء بالجزء , ولا تُغاير بعضها في الحيّز والمكان , فلا تستلزم التركيب والتأليف الخارجي الذي هو التجسيم , فهي كمال ثابت بالنقل والعقل , بخلاف إثبات أعيان وأبعاض تغاير بعضها في الحيّز والمكان دون الزمان والوجود , وتمكن الإشارة الحسية إلى أحدها دون الآخر , فتقع الإشارة الحسيّة على شيء من تلك الأعيان دون شيء , ويكون المشار إليه بعض المقدار الذي يعظم به مقداره , فهي إشارة إلى متحيّز مختص بجهة , وعلاقتها مع الذات علاقة الجزء بالكل , وعلاقتها مع بعضها علاقة الجزء بالجزء , فهذا يستلزم التركيب والتأليف الخارجي الذي هو التجسيم بعينه! فهي منفية بالنقل والعقل .

17- ويكرر ابن تيمية هذه الشبهة الركيكة عندما تحاصره الحجة وتلزمه إثبات الأبعاض المتغايرة لذات الله تعالى , فيقول في بيان التلبيس (1/490) :
(يقال له : هؤلاء قد يقولون لا هو عينه ولا هو غيره كما عرف في أصولهم أن غير الشيء ما جاز مفارقته له , وأن صفة الموصوف وبعض الكل لا هو هو ولا هو غيره , فطائفة هذا المؤسس هم ممن يقولون بذلك ، وحينئذ فلا يلزم إذا لم يكن عينه أن يكون مغايراً له , ولا يفضي إلى تجويز أن الجبل شيء واحد , وإذا جاز أن يقولوا إن الموصوف الذي له صفات متعددة هو واحد غير متكثر ولا مركب ولا ينقسم , جاز أيضاً أن يقال إن الذي له قدر هو واحد غير متكثر ولا مركب ولا ينقسم , وإن كان في الموضعين يمكن أن يشار إلى شيء منه ولا يكون المشار هو عين الآخر).
فيرى ابن تيمية أن غير الشيء هو ما جاز مفارقته له , وأن صفة الموصوف وبعض الكل لا يجوز أن تفارقه , فهي إذن ليست غيره وليست عينه , وفي هذا إثبات للتبعيض لذات الله تعالى واعتقادٌ بأن الله تعالى موصوف له صفات و "كلٌّ له أبعاض!" , وشيبه هذا قول ابن القيم في الصواعق (1/250) :
(وظاهر القرآن يدلّ على أنّ قول القائل : { يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ } ليس أنه جعل فعله أو تركه في جنب يكون من صفات الله وأبعاضه!).
ولا يقولَنّ معترض إن قول ابن تيمية : " وأن صفة الموصوف وبعض الكل لا هو هو ولا هو غيره" مختص بالمخلوق لا الخالق , لأن المقام مقام كلام عن الخالق تعالى , ولأن ابن تيمية يرى أن صفة المخلوق يمكن أن تفارقه حيث قال في بيان التلبيس (1/126):
18- (وإن كان المخلوق يمكن مفارقة ما هو قائم به وما هو منه.. يمكن مفارقة بعض ذلك بعضاً , فجواز ذلك على المخلوق لا يقتضي جوازه على الخالق) . (بيان تلبيس الجهمية1/92) .
فإذا كانت صفة المخلوق (ما هو قائم به) وبعض المخلوق (ما هو منه) يمكن أن تفارقه فهي مغايرة له , وقد نص على أن صفة المخلوق وبعضه مغايرة له فقال في بيان التلبيس (1/491) :
19- (واذا جاز مفارقة بعضه لبعض –أي المخلوق- جاز أن يكون مغايرًا لبعض , كما أن علمه وقدرته لما كان قيامه به جائزا لا واجبا كان عرضا -أي عارضا للموصوف- لا لازما , والرب تعالى لا يجوز أن يفارقه شيء من صفاته الذاتية ولا يجوز أن يتفرق , بل هو واحد صمد , واذا كان كذلك لم يلزم عند هؤلاء أن يكون بعضه مغايرًا لبعض كما أصلوه) .
وفي هذا النص أيضًا إثبات للتبعيض في ذات الباري جل وعز , وأن بعضه ليس مغايرًا لبعض .
ويقرر ابن تيمية في كلامه السابق أنّ إثبات القَدْر –أي بالمعنى الحسي- لله تعالى لا يلزم منه أن يكون الله سبحانه متكثرًا مركبًا منقسمًا , وقد تقدّم معنى الانقسام والتركيب المنفي عنده عن الله تعالى , ويقيس الإشارة إلى شيء من القَدْر دون شيء آخر على الإشارة إلى صفة دون صفة , فإذا لم تكن الإشارة إلى صفة دون صفة تركيبًا وانقسامًا فكذلك الإشارة إلى شيء من المقدار دون شيء آخر لا يعتبر تركيبًا وانقسامًا , وهذا قياس واضح البطلان والفساد , لأن الإشارة الحسية إلى صفة دون صفة من صفات الله تعالى محال , إذ الصفة عبارة عن معنى يقوم بالذات ولا تمكن الإشارة الحسيّة إلى معنى قائم بالذات دون آخر , ومن غير الممكن الإشارة إلى صفة العلم دون صفة القدرة أو إلى صفة القدرة دون صفة الإرادة , بخلاف من أثبت لله تعالى أعيانًا وأبعاضًا متمايزة ومتخالفة بالجهة فإنّه يجوّز بالضرورة الإشارة الحسيّة إلى شيء منها دون شيء , وبالتالي فإدراج ابن تيمية للصفات مع الأبعاض ضمن ما يمكن الإشارة إلى شيء منه دون آخر إدراج باطل , لأن الإشارة إلى الصفات غير ممكنة بخلاف الأبعاض , فلا يصح قوله : (وإن كان في "الموضعين" يمكن أن يشار إلى شيء منه ولا يكون المشار هو عين الآخر) , فإن أصرّ على إمكان الإشارة إلى صفة دون صفة , قلنا أن هذه إشارة عقلية بمعنى أنّ العقل يعرف أن مفهوم صفة العلم ليس هو مفهوم صفة القدرة , فلا تستلزم التركيب الخارجي , بخلاف الإشارة إلى شيء من الأعيان دون شيء فهي إشارة حسيّة تستلزم التركيب الخارجي .

20 - ويرى ابن تيمية أن المعتزلة والفلاسفة قالوا للصفاتية : إثباتكم للعلم والقدرة والحياة وسائر الصفات إثبات للأجزاء , فيكون ما قاله الرازي للحنابلة في إثباتهم الأبعاض والأجزاء –وهو ما يعنيه المتكلمون بالجسم- من جنس ما قاله المعتزلة والفلاسفة للصفاتية , ويكون إثبات الأبعاض والأجزاء لازمًا لسائر الصفاتية!! , فقال في بيان التلبيس (1/96-97) :
وأما إن أراد بلفظ الأجزاء والأبعاض ما يريده المتكلمون بلفظ الجسم والتركيب -وهو الذي أراده- , فإن الجسم كل جسم عندهم له أبعاض وأجزاء ؛ إما بالفعل على قول من يثبت الجوهر الفرد , وإما بالإمكان على قول من ينفيه , فيقال له: هذا المعنى هو كما يريده الفلاسفة والمعتزلة بلفظ الأجزاء الصفات القائمة به , ويقولون ليس فيه أجزاء حد ولا أجزاء كم , وعندهم أن الأنواع مركبة من الجنس وهو جزؤها العام والفصل وهو جزؤها الخاص , فإن أردت هذا المعنى فلا ريب أن الحنابلة هم من مثبتة الصفات , وهم متفقون على أن له علما قدرة وحياة , فهذا النزاع الموجود فيهم هو موجود في سائر الصفاتية ) .

لكن ابن تيمية تناسى أنّ الصفات كالعلم والقدرة والحياة لا تمكن الإشارة الحسيّة إليها ولا يتميز شيء منها عن شيء بالجهة , فالإشارة
إليها إشارة عقلية لا حسيّة , وبالتالي فقيام هذه الصفات في الذات لا يستلزم امتدادها في الأبعاد ولا تميّزَ شيء منها عن آخر بالجهة , فلا يلزم من إثباتها التجزئة ولا التجسيم , بخلاف إثبات أعيانٍ يشار إليها بالحس وتتميز عن بعضها بالجهة مما يستلزم امتداد الذات في الأبعاد , وبالتالي يلزم من إثباتها التجسيمُ والتركيبُ الخارجي , مع أن المعتزلة والفلاسفة عندما ردّوا على الصفاتية لم يقولوا أنّ إثباتَكم الصفات إثباتٌ للأجزاء المتمايزة بالإشارة والجهة , فيلزم من إثباتها التجسيم والامتداد في الأبعاد , بل قالوا إن ذلك تركيب مستلزم للافتقار ، فردّ عليهم الصفاتية أن ذلك لا يتمُّ إلزامنا به إلا إذا قلنا إن الصفات مغايرة للذات في الوجود مستقلة عنها في القيام، ونحن نفينا ذلك، فلا يلزمنا ما ألزمتمونا به , بخلاف إثبات الأبعاض والأجزاء مما يريده المتكلمون بلفظ الجسم والتركيب , فإنها أبعاض متمايزة بالجهة والإشارة الحسية فيلزم من إثباتها التجسيم والامتداد , وابن تيمية للأسف بعد أن ذكر معنى الأبعاض بقوله : (وأما إن أراد بلفظ الأجزاء والأبعاض ما يريده المتكلمون بلفظ الجسم والتركيب وهو الذي أراده) التزم هذا المعنى بقوله : (فإن أردت هذا المعنى فلا ريب أن الحنابلة هم من مثبتة الصفات) , أي أن الحنابلة يثبتون هذا المعنى!! .

21- وقال ابن تيمية في بيان التلبيس (1/101) :
(إذ الذات القابلة للعدم تقبل العدم والوجود , فإن كانت غير ممكنة لا تقبل الوجود كانت ممتنعة , والممكن لذاته والممتنع لذاته لا يكون واجبا لذاته , وكذلك أيضا لو قبل التفرق والمرض ونحو ذلك من التغيرات والاستحالات التي هي مقدمات للعدم والفناء وأسبابه , لم يكن حيًا قيومًا صمدًا واجب الوجود بنفسه , لأن هذه الأمور توجب زوال ما هو داخل في مسمى ذاته , وعدم ذلك مما هو صفة له أو جزء , ولو زال ذلك لم تكن ذاته واجبة الوجود , بل كان من ذاته ما ليس بواجب الوجود , ثم ذلك يقتضي أن لا يكون شيء منها واجب الوجود , إذ لا فرق بين شيء وشيء , ولهذا كان تجويز هذا عليه يستلزم تجويز العدم عليه , لأن ما جاز عليه الاستحالات جاز عليه عدم صورته وفسادها , كما هو المعروف في الأجسام التي يجوز عليها التفرق والاستحالة , فهذا وأمثاله مما يعلم به تقديسه وتنزهه عن هذه الأمور التي هي عدم ذاته أو عدم ما هو من ذاته) .

فانظر تصريحه بلفظ "الجزء" في قوله : (وعدم ذلك مما هو صفة له أو جزء ولو زال ذلك لم تكن ذاته واجبة الوجود , بل كان من ذاته) , و تصريحه بـ "من" التبعيضية في قوله : (بل كان من ذاته ما ليس بواجب الوجود) , وقوله : (يقتضي أن لا يكون شيء منها واجب الوجود) , وقوله : (التي هي عدم ذاته أو عدم ما هو من ذاته) .

22- وممن صرّح بلفظ الأجزاء من المعاصرين محمد خليل هراس الذي يصفه الوهابية بـ(العلامة السلفي) , حيث يقول في تعليقه على توحيد ابن خزيمة (ط دار الجيل – ص89) :
( ومن أثبت الأصابع لله فكيف ينفي عنه اليد , والأصابع جزء من اليد؟)
فهاهنا يصرح بلفظ (جزء) , ولا أدري ما الذي أوصله إلى اعتقاد كون الأصابع جزء من اليد سوى رسوخ التجسيم في قرارة النفس!

23- وقال أيضًا (ص63) :
(فإن القبض إنما يكون باليد الحقيقية لا بالنعمة , فإن قالوا : إن الباء هنا للسببية , أي بسبب إرادته الإنعام , قلنا لهم : وبماذا قبض؟ فإن القبض محتاج إلى آلة , فلا مناص لهم..) .
فيصرح هنا بكلمة "محتاج" ولفظ "آلة" , تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا

24- وقال ابن تيمية في بيان التلبيس (1/129-130) :
(وهذا ونحوه ما يبين أن تصوير الخيال لما حكاه عن منازعيه من أيسر الأمور , بل لو قال : إن التخيل لا يتصور إلا ما يكون هكذا لا يتصور وصفة بنقيض ذلك , لكان هذا القول أقرب , بل هذا القول الذي اتفق عليه العقلاء من أهل الإثبات والنفي ؛ اتفقوا على أن الوهم والخيال لا يتصور موجودًا إلا متحيزًا أو قائمًا بمتحيز وهو الجسم وصفاته , ثم المثبتة قالوا : وهذا حق معلوم أيضا بالأدلة العقلية والشرعية بل بالضرورة , وقالت النفاة : إنه قد يعلم بنوع من دقيق النظر أنّ هذا باطل , فالفريقان اتفقوا على أن الوهم والخيال يقبل قول المثبتة الذين ذكرت أنهم يصفونه بالأجزاء والأبعاض , وتسميهم المجسمة , فهو يقبل مذهبهم لا نقيضه في الذات) .

فهل ابن تيمية مع عقلاء المثبتة الذين يثبتون الأجزاء والأبعاض والجسمية , ولا يتصورون موجودًا إلا متحيزا أو قائما بمتحيز وهو الجسم وصفاته , ويعتقدون أنّ هذا حق معلوم بالأدلة العقلية والشرعية وبالضرورة؟ , أم مع عقلاء النفاة الذين ينزهون الله تعالى عن ذلك وينفون الجسمية والأبعاض , لكنّ الأدلة العقلية والشرعية وكذلك الضرورة ليست معهم؟!

25- وقال ابن تيمية في بيان التلبيس (1/492) :
( وإن كان المراد بالغيرين ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر كالإحساس بأحدهما دون الآخر , كما ذكره في جواز الإشارة إلى نقطة دون ما فوقها ، فيقال لا ريب: في جواز العلم ببعض المعاني الثابتة لله دون الآخر , كما قد يعلم وجوده دون وجوبه ويعلم وجوبه دون كونه فاعلاً , ويعلم ذلك دون العلم بكونه حياً أو عالماً أو قادراً أو غير ذلك , وإذا كانت المغايرة ثابتة بهذا المعنى على كل تقدير وعند كل أحد ولا يصح وجود موجود إلا بها وإن كان واحداً محضاً , كان بعد هذا تسمية ذلك تركيباً أو تأليفاً أو غير تركيب ولا تأليف نزاعاً لفظياً لا يقدح في المقصود)( )

فهو يلتزم الإشارة إلى نقطة منه دون ما فوقها ويثبت المغايرة بينهما , ويزعم أنها ثابتة على كل تقدير , وأن تسمية ذلك تركيباً وتأليفاً نزاع لفظي! , والذي سوغ له ذلك أنه قاس الإشارة الحسية إلى شيء من المشار إليه دون شيء على العلم بشيء من المعلوم دون شيء , وسوّى بين الغيرية التي تطلق على المعاني بالغيرية التي تطلق على الأجزاء , فمنشأ المغالطة إذن في الاشتراك في لفظ الغيرية , وتسوية العلم والتصور الذهني بالإشارة الحسية .
فتسمية ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر غيرين ليس كتسمية ما جاز الإحساس بأحدهما دون الآخر غيرين , وثبوت الغيرية للأولين لا يستلزم الانقسام والتركيب الخارجي كما يقال العلم غير القدرة مثلا , أما ثبوت الغيرية لما جاز الإحساس بأحدهما دون الآخر فيستلزمه ضرورة كما يقال يد الإنسان غير رجله مثلاً , ولا يلزم من اشتراكهما في استحقاق الوصف بالغيرية من أحد هذين الطريقين الاشتراك في الأحكام التي تثبت بالطريقين معاً , فالإشارة الحسية غير التصور الذهني , وما تستلزمه الإشارة الحسية قد لا يستلزمه التصور الذهني.

26- قال الإمام الرازي ملزمًا الكرامية على أصولهم : (إن ما لا يتناهى فكل نقطة منه فوقَها نقطة , فكل شيء منه سفل) , وبالتالي فلا يكون كاملًا , وتكون أبعاضه متفاوتة في الأفضلية والكمال , أي أنّ بعضه أفضل من بعض , وذلك لأن الأعلى دائمًا أفضل وأكمل .
فردّ عليه ابن تيمية بقوله في درء التعارض (7/12) :
(وأيضا فإن مثل هذا كمال في العلو , ولا يقدح في العالي أن يكون بعضه أعلى من بعض , إذا لم يكن غيره عاليا عليه , وأيضا فإن الناس متنازعون في صفاته : هل بعضها أفضل من بعض مع أنها كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه ؟ وهل بعض كلامه أفضل من بعض مع كمال الجميع ؟ والسلف والجمهور على أن بعض كلامه أفضل من بعض , وبعض صفاته أفضل من بعض , مع كونها كلها كاملة لا نقص فيها , كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة كقوله تعالى : { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } [ البقرة : 106 ]
وكقوله -صلى الله عليه وسل- حاكيا عن ربه : "إن رحمتي تغلب غضبي"...)

يثبت هنا ابن تيمية الأبعاض لله تعالى , ويرى جواز كون بعضها أعلى من بعض , أي أن بعضها أسفل وبعضها أعلى!! , وهذا هو عين التجسيم ولبّه كما سبق .
ثم لا يرى ابن تيمية بأسًا بكون شيء من تلك الأبعاض أفضل من شيء , قياسًا لها على الصفات والتي ذهب السلف والجمهور إلى كون بعضها أفضل من بعض برأيه , ثم قال بعد أن ذكر أمثلة في أفضلية بعض الصفات على بعض (7/14) :
(فإذا كانت صفاته كلها كاملة لا نقص فيها وبعضها أفضل من بعض , لم يمتنع أن يكون هو العالي علوا مطلقا , وإن كان منه ما هو أعلى من غيره)!!

مع أن الأئمة القائلين بتفاضل الآيات من السلف والخلف لم يقولوا بتفاضلها لذواتها , لأن صفات الله تعالى كلها كمالات مطلقة لا فرق بينها في هذا , وأفضلية بعض الآيات على بعض هي من حيث كون ثواب بعضها أكثر من ثواب غيرها , وكذلك القول في أسماء الله تعالى , فالأفضلية هي بالنسبة لنا نحن كخلق حيث نفضل الإنعام على العقوبة , فمرجع التفضيل هنا إنما هو إلى نظرة الخلق , أي أنّ الأفضلية ليست حقيقية بين الصفات بل هي اعتبارية , فلا إشكال في تفضيل بعض الأسماء الحسنى على بعض , ولا بعض الآيات على بعض , لأن التفضيل هنا ليس ذاتيًا بين الصفات , فالأفضلية بين الآيات في قوله تعالى : ((مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)) هي الأفضلية من جهة زيادة الثواب أو مصلحة العباد , ومن الأمثلة على ذلك نسخ كراهة الخمر إلى تحريمه , فتحريم الخمر هو الأفضل للعباد والأكثر ثوابًا .
إلا أن المصيبة الكبرى والمزلقة العظمى أن ابن تيمية انتقل من هذه الأفضلية الاعتبارية لتصبح عنده أفضلية حقيقية ذاتية بين صفات الباري –عز وجل-!! ليستدل بذلك على تفضيل أبعاض الخالق على بعض!!! فقوله : ( لكن توهمه أنه إذا كان بعضها أفضل من بعض كان المفضول معيبا منقوصا خطأ منه , فإن النصوص تدل على أن بعض أسمائه أفضل من بعض( وهذا قياس باطل مكشوف , فشتان شتان بين الأفضلية الاعتبارية بين أسماء الله تعالى , وبين الأفضلية الحقيقية التي يرمي إليها ابن تيمية , فلا يمكن التفضيل بين الصفات إلا بنسبة النقص لبعضها , لأن كون صفة أفضل من الأخرى يعني أنها أزيد كمالًا منها , وهذا لا يتم إلا إذا حكمنا بوجود قدر زائد من الكمال في الصفة الأفضل قد خلت الصفة الأخرى عنه , أي أن كمال الصفة الأخرى أنقص من كمال الصفة الأفضل , وهذا واضح في نسبة النقص لصفات الله تعالى , ولا أدري ما الذي أوجب تفضيل بعض الصفات على بعض والموصوف واحد وهو الله تعالى صاحب الكمالات المطلقة؟!

27 - وقال ابن تيمية في الرسالة التدمرية (ص90) :
(والكبد والطحال ونحو ذلك هي أعضاء الأكل والشرب ، فالغني المنزه عن ذلك منزه عن آلات ذلك ، بخلاف اليد فإنها للعمل والفعل، وهو سبحانه موصوف بالعمل والفعل ؛ إذ ذاك من صفات الكمال).

فيرى أن تنزّه الله تعالى عن أعضاء الأكل والشرب وآلاته لتنزّهه عن الأكل والشرب , أما الفعل والعمل فهو موصوف به غير منزه عنه فهو غير منزه عن اليد التي يتم بها الفعل والعمل , وهذا واضح في إثباته اليد كعضو وآلة للفعل تعالى الله عن ذلك .

د- اعتقادهم أنّ ذات الله تعالى جامعة (لأعيان) يتيمز بعضها عن بعض بالجهة والإشارة الحسية :

لا يخفى على مطّلع أنّ التيمية الوهابية يفضلون استخدام مصطلح (الأعيان) بدلًا عن (الأبعاض والأدوات) , ويحبذون التعبير بــ (تميّز شيء منه عن شيء) عن التعبير بــ (التبعيض والتركيب) , بحجة أن تلك الألفاظ التي لا يحبون استخدامها ألفاظ محدثة لم ترد في كتاب وسنّة , وكأن الألفاظ التي اختاروها وردت في الكتاب والسنّة!! , وهذا التميّز الذي يقولون به هو في ذات الله تعالى بحيث يتميّز شيء من ذاته تعالى عن شيء آخر , فيكون في ذاته سبحانه أعيانٌ متمايزة مخالفة لبعضها بالجهة والإشارة الحسية , وتقع الإشارة الحسية على شيء من هذه الأعيان دون شيء , وهذا في حقيقته تبعيض لذات الله -تعالى وتقدس- وإثبات بأنه سبحانه مجتمع من أشياء وأعيان متمايزة , ويستلزم بالضرورة الامتداد في الأبعاد الذي هو حقيقة التجسيم عند أهل اللغة والاصطلاح , لأنّ إثبات ذات تجمع أشياء وأعيانًا متمايزة يختلف بعضها عن بعض في الجهة وتمكن الإشارة الحسية إلى شيء منها دون شيء , يدل بوضوح على أن هذه الذات مجتمعة وآخذة في الأبعاد , وإلا لما تمايزت تلك الأشياء بالجهة ولما أمكنت الإشارة الحسيّة إلى عينٍ منها دون عين , وحرف الجر (من) في قولهم : (يتميز شيء منه عن شيء) لا يفهم منه هنا إلا معنى التبعيض الذي هو من لوازم الجسم .

28- ومن المعلوم أنّ (المعاني) لا تقوم بنفسها بل لا بد من ذات تقوم بها , وتقابلها (الأعيان) والتي قيامها بنفسها , والتيمية يقسّمون صفات الله تعالى إلى صفات معان وصفات أعيان! , وحقيقة دليلهم على هذا التقسيم هو قياس الخالق تعالى على المخلوق , قال ابن تيمية في بيان تلبيسه (1/126) :
( الوجه الحادي والأربعون : وهو قوله –أي الرازي- : "معلوم أن اليد والوجه بالمعنى الذي ذكروه مما لا يقبله الوهم والخيال".
أ‌- إما أن يريد به المعنى الذي يذكره المتكلمة الصفاتية الذين يقولون هذه صفات معنوية , كما هو قول الأشعري والقلانسي ( ) , وطوائف من الكرامية!! وغيرهم , وهو قول طوائف من الحنبلية وغيرهم .
ب‌- وإما أن يريد بمعنى أنها أعيان قائمة بأنفسها.
فإن أراد به المعنى الأول : فليس هو الذي حكاه عن الحنبلية فإنه قال: "وأما الحنابلة الذين التزموا الأجزاء والأبعاض , فهم أيضًا معترفون بأن ذاته مخالفة لسائر الذوات" , إلى أن قال: "وأيضا فعمدة مذهب الحنابلة أنهم متى تمسكوا بآية أو خبر يوهم ظاهره شيئا من الأعضاء والجوارح صرحوا بأنا نثبت هذا المعنى لله على خلاف ما هو ثابت للخلق , فأثبتوا لله وجها بخلاف وجوه الخلق ويدا بخلاف أيدي الخلق ومعلوم أن اليد والوجه بالمعنى الذي ذكروه عما لا يقبله الوهم والخيال".
فإذا كان هذا قوله , فمعلوم أن هذا القول الذي حكاه هو قول من يثبت هذه بالمعنى الذي سماه هو "أجزاءً وأبعاضاً" , فتكون هذه صفاتٍ قائمة بنفسها كما هي قائمة بنفسها في الشاهد , كما أن العلم والقدرة قائم بغيره في الغائب والشاهد لكن لا تقبل التفريق والانفصال , كما أن علمه وقدرته لا تقبل الزوال عن ذاته , وإن كان المخلوق يمكن مفارقة ما هو قائم به وما هو منه , يمكن مفارقة بعض ذلك بعضاً , فجواز ذلك على المخلوق لا يقتضي جوازه على الخالق , وقد عُلم أن الخالقَ ليس مماثلاً للمخلوق , وأن هذه الصفاتِ وإن كانت أعياناً فليست لحماً ولا عصباً ولا دماً ولا نحو ذلك ولا هي من جنس شيء من المخلوقات..)

فهو يرى أنّ الشاهد له صفات قائمة بغيرها كالعلم والقدرة وله صفات قائمة بنفسها كاليد والوجه , ثم قاس صفات الله تعالى فجعل منها ما هي قائمة بغيرها وهي المعاني وصفات قائمة بنفسها وهي الأعيان , لكنّه رقّع هذا التشبيه بالتفريق بين الشاهد والغائب وبأنّ صفات الشاهد التي هي من جنس ذاته تقبل التفريق والانفصال , أمّا صفات الله تعالى فهي من جنس ذاته لكنها لا تقبل التفريق والانفصال! , وهذا هو عين مذهب الهشامية من مجسمة الرافضة كما نقل أصحاب الملل والفرق , ولا تغفل عن قوله : (كما أن العلم والقدرة قائم بغيره في الغائب والشاهد لكن لا تقبل التفريق والانفصال) , مع أنّه ذكر في مواضع أخرى أنّ الغيرين ما جاز انفصال أحدهما عن الآخر!

وتأمل إثباته هذه الصفات كأبعاض للذات في قوله : (وإن كان المخلوق يمكن مفارقة ما هو قائم به وما هو منه , يمكن مفارقة بعض ذلك بعضاً , فجواز ذلك على المخلوق لا يقتضي جوازه على الخالق) , ويقصد بما هو قائم به (الصفات) كالعلم والقدرة , ويقصد بما "هو منه!" (الأعيان) , ولا يخفى معنى التبعيض في قوله : (وما هو منه) , إلا أن الفرق بين أعيان المخلوق –أي أعضائه- وأعيان الخالق هو أن أعيان المخلوق تقبل التفريق بخلاف أعيان الخالق , وانظر كيف جعل لفظ "الأعيان" مرادفًا في المعنى "للأعضاء"!! لتعلم مقصوده بصفات الأعيان , وإذا أردت اختبار صحة ذلك فما عليك إلا أن تضع كلمة "الأعضاء" بدلًا من "الأعيان" لتجد أن معنى كلام ابن تيمية ما زال مستقيمًا على مراده لم يتغير فيه شيء , فإذا استبدلت "الأعيان" بـ "الأعضاء" أو "الأبعاض" ليصبح قوله : (وأن هذه الصفاتِ وإن كانت "أعضاء" أو "أبعاضًا" فليست لحماً ولا عصباً ولا دماً ولا نحو ذلك ولا هي من جنس شيء من المخلوقات) بقي المعنى كما هو , فإن أعضاء المخلوق من اللحم والدم بخلاف الخالق فليست لحمًا ولا دمًا .

ومن المعلوم أن أعيان المخلوق -كيده وعينه- تختلف عن المعاني -كعلمه وقدرته- في أنها أبعاض منه وأعضاء له , تجوز الإشارة إلى كل واحدة منها دون الأخرى وتتميز عنها بالجهة , وابن تيمية يفرق بين المعاني وبين الأعيان التي يثبتها للخالق على نحو التفريق بين المعاني وبين الأعيان الثابتة للمخلوق , فهذا الاختلاف واحد في الشاهد والغائب , فيقول (1/133-134) :
29- (..بل نقول كما يعلم الفرق في صفاتنا بين العلم والقدرة وبين الوجه واليد ونحوهما- فإن الحقائق لا تختلف شاهداً ولا غائباً كما يفرق في حقنا بين العلم والقدرة والسمع والبصر فلكل صفة من هذه خاصة ليست للأخرى - كذلك هذه العقيدة في حق الله وإن قيل إن ذلك يقتضي التكثر والتعدد! , وكذلك نفرق بين الوجه واليد والعين وبين العلم والقدرة ونحو ذلك وإن قيل هذا يقتضي التجسيم والتركيب والتأليف, .. لكن علمنا أن ذاته ليست مثل ذوات المخلوقين وعلمنا أن هذه الصفات جميعَها ما يفهم أنه عين يقوم بغيره وما يفهم منه أنه معنى قائمٌ بغيره نعلم أن جميع صفات الرب ليست كصفات المخلوقين , فإن الشرع والعقل قد نفى المماثلة ، والشرع والعقل يثبتان أصل الصفات كما يثبتان الذات , فإن إثباتَ ذات لا تقوم بنفسها ممتنع في العقل، وإثباتُ قائم بنفسه يمتنع وصفه بهذه الصفات ممتنع في العقل ، بل العقل يوجب أن الذات القائمة بنفسها لا تكون إلا بمثل هذه الصفات) .

فتأمل قوله : (وإن قيل إن ذلك يقتضي التكثر والتعدد) , وقوله : (وإن قيل هذا يقتضي التجسيم والتركيب والتأليف) , فهو يلتزم التجسيم والتركيب على المعنى الذي يقول به أهل السنة وسائر الفرق .

30- ويصرح ابن تيمية في كثير من المواضع بأن ذات الله تعالى جامعة لأشياء يتميز شيء منها عن الآخر , ولا يرى بأسًا إن كان ذلك مما تسميه جميع طوائف الإسلام انقسامًا وتركيبًا , فيقول ابن تيمية مثلًا في بيان تلبيسه (1/736) :
(الوجه السادس : أن يقال قد مر الكلام على معنى القسمة والتركيب , وأن حاصله يعود إلى تميز شيء من شيء كامتياز صفة من صفة , وأن ذلك مما يجب الاعتراف به في حق كل موجود , فإنه يمتنع أن يكون شيء من الموجودات بدون ذلك , وإن كان كذلك لم يكن ما يلزم الوجود مما سموه انقساما وتركيبا محالاً , فإذا أوجبت الحجة القول به قيل به).( )
فهو يلتزم التركيب الخارجي في ذات الله تعالى ويسميه بتميّز شيء منه عن شيء , ويقيسه على امتياز الصفة عن الصفة كما سبق , وهذا التأليف والتركيب الذي يثبته يستلزم بالضرورة الامتداد في الجهات والتأليف الخارجي لا الذهني , وهو لم ينكر هذا فيقول في بيان تلبيسه (1/767) :
31- (ما تريد بقولك ممتد مؤتلف؟ أتريد : أنه مركب من الأجزاء وأنه يجوز تفريقه؟ فليس كل ما نشاهده كذلك , أم تريد به : أن منه شيئاً ليس هو الشيء الآخر؟ فنحن نقول كل ما يرى في الشاهد والغائب لا بد وأن يكون كذلك) .

فيلتزم أيضًا أنّ الله تعالى ممتد مؤلف تأليفًا خارجيًا على نحو امتداد المرئي في الشاهد , فالشاهد والغائب مشتركان في هذا المعنى من الامتداد والتأليف , فإنّ الجبل مثلًا في الشاهد يمينه ليس بيساره , بل هو مؤلف من اليمنة واليسرة وله امتداد في اليمين واليسار , والغائب لا يختلف عن الشاهد في هذا بل الحكم يشمل كل مرئي شاهدًا أو غائبًا , وهذا هو التجسيم بعينه كما مرّ في كلام اللغويين , ولا ينفعه نفي التفرق السابق من الأجزاء ولا طروء التفريق اللاحق , لأنّ التأليف المذكور في معنى الجسم أعم من ذلك , ويكرر ابن تيمية هذا المعنى في مواضع كثيرة , فيقول :
32- (وإن عنيت به ما يشار إليه , أو يتميز منه شيء لم نسلم أن مثل هذا ممتنع , بل نقول إن كل موجود قائم بنفسه فإنه كذلك , وإن ما لا يكون كذلك فلا يكون إلا عرضاً قائماً بغيره ، وإنه لا يعقل موجود إلا ما يشار إليه أو ما يقوم بما يشار إليه) ( )

فيرى أن ما لا يشار إلى شيء منه دون شيء آخر ولا يتميز عنه بالإشارة الحسية لا يكون إلا قائمًا بغيره وهو العرض , ويفسر القائم بنفسه بمقابل العرض القائم بغيره , مع أنّ القائم بنفسه المقابل للعرض هو الجسم , ولا يقصد أهل السنة من القائم بنفسه في حق الله تعالى إلا أنّه غني عن غيره ولا يريدون بذلك الجسم المقابل للعرض القائم بغيره .

33- ويزيد ابن تيمية توضيحًا لعقيدته في ردّه على الإمام الرازي , وذلك حينما ألزم الكرامية بإثبات الأعضاء والجوارح على خلاف الوهم والخيال , لأنهم صرحوا بأنا نثبت هذا المعنى لله تعالى على خلاف ما هو ثابت للخلق , فقال ابن تيمية رادًّا على الإمام الرازي في بيان التلبيس (1/127) :
(جميع الناس من المثبتة والنفاة متفقون على أن هذه المعاني التي حكيتها عن خصمك هي التي تظهر للجمهور ويفهمونها من هذه النصوص من غير إنكار منهم لها ولا قصور في خيالهم ووهمهم عنها ، والنفاة المعتقدون انتفاءَ هذه الصفات العينية لم يعتقدوا انتفاءها لكونها مردودةً في التخيل والتوهم، ولكن اعتقدوا أن العين التي تكون كذلك هو جسم واعتقدوا أن الباري ليس بجسم فنفوا ذلك , ومعلوم أن كون الباري ليس جسماً ليس هو مما تعرفه الفطرة بالبديهة ولا بمقدمات قريبة من الفطرة ولا بمقدمات بينة في الفطرة، بل بمقدمات فيها خفاء وطول وليست مقدماتٍ بينةً ولا متفقاً على قبولها بين العقلاء، بل كل طائفة من العقلاء تبين أن من المقدمات التي نفت بها خصومها ذلك ما هو فاسد معلوم الفساد بالضرورة عند التأمل وترك التقليد , وطوائف كثيرون من أهل الكلام يقدحون في ذلك كله ويقولون بل قامت القواطع العقلية على نقيض هذا المطلوب وأن الموجود القائم بنفسه لا يكون إلا جسماً وما لا يكون جسماً لا يكون إلا معدوماً ومن المعلوم أن هذا أقرب إلى الفطرة والعقول من الأول) .
فتأمل قولَه : (هذه المعاني التي حكيتها عن خصمك هي التي تظهر للجمهور ويفهمونها من هذه النصوص من غير إنكار منهم لها) , والمعاني التي حكاها الرازي عن الكرامية هي الأعضاء والجوارح , فيرى ابن تيمية أنها تظهر للجمهور دون إنكار منهم لها!! فهل ابن تيمية مع الجمهور أم مع النفاة؟!!
وقولَه : (والنفاة المعتقدون انتفاءَ هذه الصفات العينية لم يعتقدوا انتفاءها لكونها مردودةً في التخيل والتوهم) , وهذا يدل على أنّ الخلاف هو في إثبات هذه الصفات كأعيان تتألف منها الذات , فالمثبتة الذين ردّ عليهم الرازي يقولون أنها أعضاء وجوارح وأعيان , ومن يسميهم ابن تيمية بالنفاة ينكرون كونها أعضاء وجوارح وأعيان , وهذا يوضح أنّ ابن تيمية يستخدم الأعيان بمعنى الأعضاء والجوارح , وأنه يعتقد أنّ هذه الصفات أعيان لا معان .
وقولَه : (ولكن اعتقدوا أن العين التي تكون كذلك هو جسم واعتقدوا أن الباري ليس بجسم فنفوا ذلك) , فبيّن أن السبب في نفي النفاة لهذه "الأعيان" هو أنّ العين التي تكون عضوًا وجارحة هي جسم , وبما أنهم ينزهون الله تعالى عن الجسمية فقد نزهوا الله تعالى عن هذه الأعيان , ثم شرع ابن تيمية في الرد على هؤلاء النفاة الذين ينزهون الله تعالى عن الجسمية وبالتالي ينزهونه عن الأعضاء والجوارح , وبدأ بالتشكيك في بداهة تنزّه الله تعالى عن التجسيم بقوله أنّ ذلك ليس مما تعرفه الفطرة بالبديهة ولا بمقدمات قريبة من الفطرة ولا بمقدمات بينة في الفطرة ولا بمقدمات متفق عليها بين العقلاء , وحاصل هذا أنّ إثبات التجسيم لا يخالف الفطرة ولا يخالف كلام كثير من العقلاء , بل كل طائفة من العقلاء ترى أنّ تنزيه الله تعالى عن الجسمية معلوم الفساد بالضرورة عند التأمل والتحرر من التقليد , فهل يسع ابن تيمية أن يخالف كل العقلاء ويتلبس بالتقليد ويطرح التأمل فينزه الله تعالى عن الجسمية؟ أم أنّه يتابع كل طائفة من العقلاء ويسلك طريق التأمل ويترك التقليد فيعتقد أن تنزيه الله تعالى عن الجسمية فاسد معلوم الفساد بالضرورة فيكون مجسمًا؟!

ثم يشدّ أزر ما نقله عن (كل طائفة من العقلاء!) بأن طوائف (كثيرون!!) من أهل الكلام يقدحون في تنزيه الله تعالى عن الجسمية , ويرون أنّ تنزيهه سبحانه عن هذا مناقض للقواطع العقلية , لأن الموجود القائم بنفسه لا يكون إلا جسماً وما لا يكون جسماً لا يكون إلا معدوماً , ومعلوم أن هذا هو قول المجسمة فقط , ثم يرى أن كون الله تعالى جسمًا "أقرب" إلى الفطرة والعقول من تنزيهه سبحانه عن الجسمية!! , فيكون تنزيهه سبحانه عن الجسمية أبعد في العقول من إثبات ذلك , فهل يتبع ابن تيمية ما هو أقرب إلى الفطرة والعقول أم ما هو أبعد؟!! أم لا يتّبع هذا ولا ذاك فيكون متحيّرًا في شأن معبوده هل هو جسم أم لا؟! مع أن مجرد التوقف والحيرة في إثبات أمر أو نفيه فرع لتجويزه , ولا يخفى عليك أسلوب ابن تيمية في تنفير القارئ عن تنزيه الله تعالى عن الجسمية وتهوين إثبات التجسيم .

تنبيه :
بعد أن بينتُ اعتقاد ابن تيمية بوجود أعيان بذات الله تعالى تتمايز بالجهة والإشارة الحسية , فمن اللطيف ذكر قوله في مجموع الفتاوى (9/290) :
(وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : "الريح من روح الله" ؛ أي: من الروح التي خلقها الله، فإضافة الروح إلى الله إضافة ملك، لا إضافة وصف؛ إذ كل ما يضاف إلى الله إن كان عيناً قائمة بنفسها فهو ملك له ، وإن كان صفة قائمة بغيرها ليس لها محل تقوم به فهو صفة لله) .
وهذه القاعدة تنقض تقسيمهم للصفات إلى أعيان ومعان , إذ إنّ اليد مثلاً عينٌ وليست معنى , فلماذا عدّوها من الصفات؟ ولماذا لم يجعلوا الروحَ صفة لله تعالى؟! فإنّ الروح قبل نزعها واليد قبل قطعها أعيانٌ متصلة بالذات , والروح بعد نزعها واليد بعد قطعها أعيان منفصلةٌ عن الذات؟
فإن قالوا أن الروح تقبل الاتصال والانفصال بالنزع , قلت : كذلك اليد تقبل الاتصال والانفصال بالقطع , فلا فرق , فإما أن يجعلوا الروح صفة لله تعالى –والعياذ بالله- , وإما أن ينقضوا قاعدتهم , وأحلاهما مرّ .


ولا أدري لِمَ يتجنب التيمية إثبات لفظ "العضو" بعد إثباتهم معناه؟! ولماذا هربوا من لفظ "الأعضاء" وسمّوها "بالأعيان"؟ فهل ورد عن السلف الصالح تسمية هذه الصفات بالأعيان؟ وهل ثبت عنهم الكلام في لفظ "الأعيان" نفيًا وإثباتًا؟ وهل يملك هؤلاء الوهابية الجرأة على تعريف معنى الأعيان؟ وبيان الفرق بين "الأبعاض" وبين "الأعيان"؟! فما هو الفرق بين إثبات اليد والرّجل كأبعاض وإثباتها كأعيان؟
فإذا قالوا بأننا لا نثبت لفظ الأعضاء والأبعاض لأننا لم نرَ بعضًا إلا ويمكن انفصاله , ولم يُعرف في اللغة عضو أو بعضٌ إلا ويمكن تفريقه عن الذات .
فنقول لهم : كذلك لم نرَ عينًا متصلة بذات إلا ويمكن انفصالها , ولم يُعرف في اللغة عينٌ إلا ويمكن تفريقها عن الذات , مع أنّ إمكان التفريق والانفصال غير معتبر عند أهل اللغة في كون الشيء عضوًا أو جزءً أو عينًا.

هـ - إثباتهم التناهي والمحدودية لذات الله تعالى :

كثير من الوهابية وأتباع ابن تيمية ينكرون نسبة بعض العقائد الشاذة له مع صراحة نصوصه ووضوحها في إثباتها , واعتادوا اتهام مخالفيهم بالكذب والزور على ابن تيمية أو عدم فهم كلامه ومقصوده , ثم لا تمضي مدة طويلة من الزمان حتى تجدهم يثبتون على استحياء تلك العقائد التي نزّهوه عنها , ثم بعد فترة تصبح عندهم تلك العقائد عين ما جاء به الكتاب والسنة وسلف الأمة ولا يألون جهًدا في الدفاع عنها , ومن أشد العقائد التي أنكر الوهابية نسبتها لابن تيمية عقيدة الحد لله تعالى , وما زال كثير منهم حتى الآن يكذّبون كلّ من نسبها لابن تيمية , ويرمونه كعادتهم بالتدليس والتلاعب وعدم فهم مقصود شيخهم , وقد وجدتُ رسالة اسمها :
(الرد على منكر الحد من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية)

أعدّها اثنان من الوهابية هما مسلط العتيبي وعادل آل حمدان , وجعلاها ذيلًا لرسالة الدشتي المجسم المعروف في الحد والقعود , وحاولا تبرير موقفهم المحرج في إخراج لتلك الرسالة بقولهما عن الدشتي : (ولم يأت بمحدث من القول , ولا بمنكر من الاعتقاد) , ثم أرادا أن يخوّفا القارئ من الاعتراض على الكتاب لئلا يقع في مخالفة من يسمونهم بأئمة السنة , فقالا ص6 :
(وعليه فلا تعجل أخي القارئ بردّ هذا الكتاب ولا ما جاء فيه عن أئمة أهل السنة! , فتقع في مخالفتهم , فإنه لم يأت إنكار هاتين المسألتين غالبًا إلا عن الجهمية أعداء السنة والتوحيد , نفاة صفات رب العالمين , فعنهم تلقفها من جاء بعدهم ..) .
ومما نقلوه عن ابن تيمية في إثبات الحدّ لله تعالى , مناقشته القاضي أبا يعلى الفراء حينما أثبت الحد لله تعالى من جهة التحت المحاذية للعرش دون الجهات الخمس , فاعترض عليه ابن تيمية بأن الحد ثابت من سائر الجهات!! , وهذا صريح في إثبات امتداد الله تعالى في الأبعاد , فنقلوا في رسالتهم (ص222-226) عن ابن تيمية قوله :
34- (.. والنفي هو طريقة القاضي أبى يعلى أولا في المعتمد وغيره , فإنه كان ينفي الحد والجهة وهو قوله الأول.
[ ثم أطال ابن تيمية رحمه الله في نقل كلام القاضي في تقرير هذه المسألة (3/3-21) ] , ثم قال شيخ الإسلام :
قال القاضي : وإذا ثبت استواؤه وأنه في جهة وأن ذلك من صفات الذات , فهل يجوز إطلاق الحد عليه؟ قد أطلق أحمد القول بذلك في رواية المروذي , فقد ذكر له قول ابن المبارك نعرف الله على العرش بحد , فقال أحمد: بلغني ذلك وأعجبه , وقال الأثرم : قلت لأحمد يحكى عن ابن المبارك نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه بحد , فقال أحمد: هكذا هو عندنا ... .
..... ثم قال -أي أبو يعلى- : ويجب أن يحمل اختلاف كلام أحمد في إثبات الحد على اختلاف حالين , فالموضع الذي قال إنه على العرش بحد معناه ما حاذى العرش من ذاته فهو حد له وجهة له , والموضع الذي قال هو على العرش بغير حد معناه ما عدا الجهة المحاذية للعرش وهي الفوق والخلف والأمام والميمنة والميسرة , وكان الفرق بين جهة التحت المحاذية للعرش وبين غيرها ما ذكرنا أن جهة التحت تحاذي العرش بما قد ثبت من الدليل , والعرش محدود فجاز أن يوصف ما حاذاه من الذات أنه حد وجهة , وليس كذلك فيما عداه لأنه لا يحاذي ما هو محدود بل هو مار في الميمنة والميسرة والفوق والأمام والخلف إلى غير غاية , فلهذا لم يوصف واحد من ذلك بالحد والجهة , وجهة العرش تحاذي ما قابله من جهة الذات ولم تحاذ جميع الذات لأنه لا نهاية لها .
قلت –أي ابن تيمية- : هذا الذي جمع به بين كلامي أحمد وأثبت الحد والجهة من ناحية العرش والتحت دون الجهات الخمس , يخالف ما فسر به كلام أحمد أولا من التفسير المطابق لصريح ألفاظه (1 ) , حيث قال: فقد نفى الحد عنه على الصفة المذكورة وهو الذي يعلمه خلقه , والموضع الذي أطلقه محمول على معنيين : أحدهما يقال على جهة مخصوصة وليس هو ذاهبا في الجهات بل هو خارج العالم متميز عن خلقه منفصل عنهم غير داخل في كل الجهات , وهذا معنى قول أحمد حد لا يعلمه إلا هو , والثاني أنه على صفة يبين بها عن غيره ويتميز فهو تعالى فرد واحد ممتنع عن الاشتراك له في أخص صفاته , قال : منعنا من إطلاق القول بالحد في غير موضع من كتابنا ويجب أن يجوز على الوجه الذي ذكرناه , فهذا القول الوسط من أقوال القاضي الثلاثة هو المطابق لكلام أحمد وغيره من الأئمة , وقد قال إنه تعالى في جهة مخصوصة وليس هو ذاهبا في الجهات بل هو خارج العالم متميز عن خلقه منفصل عنهم غير داخل في كل الجهات , وهذا معنى قول أحمد حد لا يعلمه إلا هو , ولو كان مراد أحمد الحد من جهة العرش فقط لكان ذلك معلوما لعباده , فإنهم قد عرفوا أن حدّه من هذه الجهة هو العرش , فعلم أن الحد الذي لا يعلمونه مطلق لا يختص بجهة العرش ) .
وهذا واضح في إثبات الحد لله تعالى من سائر الجهات وليس مختصًا بجهة التحت المحاذية للعرش فقط .

وإليك بعض نصوص ابن تيمية في إثبات الحد والنهاية أيضًا :

35- قال ابن تيمية في بيان التلبيس (1/97) :
(وأما وصفه بالحد والنهاية الذي تقول أنت أنه معنى الجسم , فهم فيه كسائر أهل الإثبات على ثلاثة أقوال: منهم من يثبت ذلك , كما هو المنقول عن السلف والأئمة , ومنهم من نفى ذلك , ومنهم من لا يتعرض له بنفي ولا إثبات)
فهو ينقل ثلاثة أقوال في إثبات المحدودية والنهاية لذات الله تعالى وهو الذي يسميه الإمام الرازي بالتجسيم , ويرى ابن تيمية أن سلف الأمة وأئمتها يثبتون ذلك .

36- وقال أيضًا (1/595) :
(فإن ضرورة صير المتحيز متحيزاً توجب الانقلابات ، لكن هذا التحيز هو القسم الأول وهو التحيز اللازم للمتحيز الذي يمتنع انفصاله عنه , والمراد بالحيز في هذا المتحيز إما أمر عدمي أو إضافي , أو المراد به جوانب المتحيز ونهايته ، فلو كان في الأزل مبرءً عن هذا ثم صار موصوفاً به لزم الانقلاب) ( 2)
فيثبت الجوانب والنهاية لله تعالى منذ الأزل , لأن حدوث اتصافه بها يستلزم الانقلاب في ذاته تعالى .

37- ويرى أن الحيز الذي هو نهايات المتحيز وحدوده بعض من ذات الله تعالى وأنه أبلغ من صفاته الذاتية , فيقول :
(يقال له: هؤلاء إذا قالوا بأنه مختص بحيز وجودي أزلاً وأبداً فليس ذلك عندهم شيئاً خارجاً عن مسمى الله كما أن الحيز الذي هو نهايات المتحيز وحدوده الداخلة فيه ليس خارجاً عنه بل هو منه. وعلى هذا التقدير فيكون إثباتهم لقدم هذا الحيز كإثبات سائر الصفاتية للصفات القديمة من علمه وقدرته وحياته لا فرق بين تحيزه وبين قيامه بنفسه وحياته وسائر صفاته اللازمة، والحيز مثل الحياة والعلم بل أبلغ منه في لزومه للذات، كما أنه كذلك في سائر المتحيزات. فالحيز الذي هو داخل في المتحيز الذي هو حدوده وجوانبه ونواحيه ونهاياته أبلغ في لزومه لذاته من بعض الصفات كالسمع والبصر والقدرة وغير ذلك)( 3)

38- وقال في إثبات بعضية هذا الحيز أيضا:
(وقد يقال لنفس جوانبه وأقطاره إنها حيزه , فيكون حيزه بعضا منه)(4 )

ز- إثباتهم «القَـــدْر» و «المِقْــدار» لله تعالى بالمعنى الحجمي الحسي



39- قال ابن تيمية في بيان التلبيس (3/797) :
« فيقال له: بل يجب في سائر الذوات المتحيزة أن يكون لكل منها تحيز يخصه وهو قدْره ونهايته التي تحيط به، ويلزمه الحيز الذي هو تقدير المكان وهو عدمي, لكن لا يجب أن يكون عين تحيز هذا وعين حيزه الذي هو نهايته أن يكون عين تحيز الآخر وحيزه الذي هو نهايته , كما لا يجب أن يكون عين هذا هو عين الآخر, فإنّ حيزه بهذا التفسير داخل في مسمى ذاته ونفسه وعينه، والشيئان المتماثلان لا يكون أحدهما عينَ الآخر فإن هذا لا يقوله عاقل، وهذا معلوم بالاضطرار لا نزاع فيه، هذا لو سلم أن الأجسام متماثلة فكيف وقد تقدم أن هذا قول باطل. وكذلك قوله في الثاني: [لو وجب حصوله في تلك لجهة لكانت مخالفة لغيرها فيكون موجوداً فيكون مع الله قديم آخر] , يقال: إثبات صفة قديمة ليس ممتنعًا على الله كما اتفق عليه الصفاتية, أو لا نسلم أنه ممتنع , والقدْر والحيز الداخل في مسمى المتحيز الذي هو من لوازمه أبلغ من صفاته الذاتية, فإنّ كل موجود متحيز بدون الحيز الذي هو جوانبه المحيطة به يمنع أن يكون هو إياه, والقديم الذي يمتنع وجوده مع الله ما يكون شيئاً منفصلاً عنه...».

40- وقال مفسرًا القدْرَ بالكمية (2/378):
«وتقدير موجود قائم بنفسه ليس له صفة ولا قدر هو الذي يراد بالكيفية والكمية كتقدير موجود ليس قائما بنفسه ولا بغيره وهو الذي يراد بالعرض والجوهر».

ح - اعتقادهم بأنّ الله تعالى ممتد في الأبعاد



بيّنتُ سابقًا أنّ ابن تيمية يعتقد بثبوت أعيان في ذات الله تعالى متمايزة بالإشارة الحسية وبالجهة , وأن هذا يستلزم امتداده في الأبعاد , ويعتقد أن الله سبحانه محدود لا من جهة العرش فقط بل من سائر الجهات , وهنا سيزداد الأمر وضوحًا , حيث يرى ابن تيمية أن انقسام الله تعالى بمعنى انفصال بعضه عن بعض محال , أما الانقسام الذهني الذي ألزم الرازي به الكرامية فابن تيمية يلتزمه ويرى أنه لازم لكل موجود!! , فيقول ابن تيمية في بيان التلبيس (3/440) :

41- « وإن قال أريد بالمنقسم أن ما في هذه الجهة منه غير ما في هذه الجهة , كما نقول إنّ الشمس منقسمة بمعنى أنّ حاجبها الأيمن غير حاجبها الأيسر , والفلك منقسم بمعنى أن ناحية القطب الشمالي غير ناحية القطب الجنوبي, وهذا هو الذي أراده فهذا مما يتنازع الناس فيه , فيقال له : قولك : [إن كان منقسماً كان مركباً وقد تقدم إبطاله] تقدم الجواب عن هذا الذي سميته مركباً , وتبين أنه لا حجة أصلاً على امتناع ذلك , بل تبين أن إحالة ذلك تقتضي إبطال كل موجود، ولولا أنه أحال على ما تقدم لما أحلنا عليه , وتقدم بيان ما في لفظ التركيب والحيز والافتقار من الإجمال وأن المعنى الذي يقصدونه بذلك يجب أن يتصف به كل موجود سواء كان واجباً أو ممكناً , وأن القول بامتناع ذلك يستلزم السفسطة المحضة ».

فهو يرى ثبوت انقسام ذات الله تعالى كانقسام الشمس التي لها امتداد في الجهة اليمنى والجهة اليسرى , وكانقسام الفلك بمعنى أن ناحية القطب الشمالي غير ناحية القطب الجنوبي , مع أنّ الجسم كما قدّمتُ ليس من ذاتياته الانقسام بمعنى انفكاك بعضه عن بعض وانفصاله في حيز مستقل , بخلاف الانقسام بمعنى العظمة والامتداد في الجهات فهو من ذاتيات الجسم عند أهل اللغة والاصطلاح.
ويتضح من هذا النص أنّ ابن تيمية يثبت لله تعالى الانقسام والتركيب بالمعنى الذي يقوله الإمام الرازي .

42- وقال أيضًا (4/82) :
«ومن قال الغيران ما جاز مفارقة أحدهما الآخرَ بزمان أو مكان أو وجودٍ , فإنه قد يقول إن الصفات مثل العلم والقدرة والحياة ليست كل صفة هي الأخرى ولا هي غيرها لأنّ محلّ الصفات واحد, وأما الحدود فقد يقولون إن هذا الجانب فارق ذلك الجانب في المكان وإن كان لا يفارقه في الزمان والوجود».

فتأمل قوله : «وأما الحدود فقد يقولون إن هذا الجانب فارق ذلك الجانب في المكان وإن كان لا يفارقه في الزمان والوجود» , فحدود الذات تفارق بعضها بالجهة لا بالزمان والوجود بحيث يوجد شيء منها منفصلًا عن الآخر .

43- وقال أيضًا مسلّمًا الفوقية الجسمانية المسلتزمة للمحاذاة وإثبات يمين ويسار لذات الله تعالى , ومثبتًا المغايرة بينهما , مع تجويز الإشارة الحسية إلى أحجهما دون الآخر , ومقررًا أن إثبات الأبعاض لله تعالى وارد عن السلف (4/83 ) :

«وإن قال أريد بالغير ما هو أعم من هذا وهو ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر أو ما أمكن الإشارة الحسية إلى أحدهما دون الآخر أو ما أمكن رؤية أحدهما دون الآخر كما قال من قال من السلف لمن سأله عن قوله تعالى : ((لا تدركه الأبصار)) [الأنعام: ١٠٣ ], ألست ترى السماء؟ قال: بلى , قال: فكلها ترى؟ قال: لا , قال: فالله أعظم, فيقال له: وإذا كان يمين الرب غير يساره بهذا التفسير, فقولك تكون ذات الله مركبة من الأجزاء , أتعنى به ورود المركب عليها بمعنى أن مركباً ركبها كما قال: ((في أي صورة ما شاء ركبك)) [الانفطار: ٨ ], أو أنها كانت متفرقةً فتركبت؟
أم تعنى أن اليمين متميزةٌ عن اليسار وهو التركيب في الاصطلاح الخاص كما تقدم بيانه.
فإن أراد الأول لم يلزم ذلك وهو ظاهر...

وأما إن أراد بالتركيب الامتيازَ مثلَ امتيازِ اليمين عن شماله , قيل له هذا التركيب لا نسلم أنه يستلزم الأجزاءَ , فإنه هذا مبنيٌ على إثبات الجزء الذي لا ينقسم والنزاع فيه مشهور, وقد قرر أن الأذكياء توقفوا في ذلك, وإذا لم يثبت أن الأجسامَ المخلوقةَ فيها أجزاءٌ بالفعل امتنع أن يجب ذلك في الخالق.

وأيضا فالقائلون بثبوت الأجزاء يعلمون أن الجسم البسيط لم يكن مركباً من الأجزاء بمعنى أنها كوِّنت ثم رُكِّب منها فيكون قوله مركباً من الأجزاء بمعنى امتياز شيء من شيء , وغايته أن يقال امتياز بعض عن بعض كما ورد عن طائفة من السلف التكلم بلفظ البعض».

ط - إثباتهم الثّقَل لذات الله تعالى!

(5)


احتج الدارمي برواية الأطيط مضطربة السند منكرة المتن والتي فيها «يئط به» , فقال محتجًّا بهذه الرواية في نقضه (468 و518):

«قال رسول الله : [إنّ الله فوق عرشه فوق سمواته فوق أرضه مثل القبة , وأشار النبي مثل القبة , وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب] , وهذا أيها المعارض ناقض لتأويلك أنّ العرش إنما هو أعلى الخلق - يعني السموات فما دونها من السقوف والعرش وأعالي الخلائق..».

وقد أنكر ابن تيمية على من ردّ هذه الرواية وجعله منتصرًا للجهمية! , واستشهد لها بروايات من جنسها في الضعف والسقوط , إلى أن جعلها متلقاة بالقبول! , فقال (3/258):

44- «فمن رد تلك الأحاديث المتلقاة بالقبول واحتج في نقضها بمثل هذه الموضوعات فإنما سلك سبيل من لا عقل له ولا دين!».

45- أما ابن القيم فقد نظمه في نونيته فقال:

الله فوق العرش فوق سمائه =
= سبحان ذي الملكوت والسلطان

ولعرشه منه أطيط مثل ما =
= قد أطّ رحل الراكب العجلان


46- ونقل ابن تيمية عن أكثر أهل السنّة -بمفهومه- قبول رواية «يئطّ به» , فقال في مجموع الفتاوى (16/435):
«وقد رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في مختاره , وطائفة من أهل الحديث ترده لاضطرابه كما فعل ذلك أبو بكر الإسماعيلي وابن الجوزي وغيرهم , لكن أكثر أهل السنة قبلوه , وفيه قال : [إن عرشه أو كرسيه وسع السموات والأرض , وإنه يجلس عليه فما يفضل منه قدر أربعة أصابع , أو فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع , وإنه ليئط به أطيط الرحل الجديد براكبه] ».

فالأطيط ناتج عن الثقل!! وإلا فما معنى حصول الأطيط عند القعود؟! لو كان الأطيط من خشية الله تعالى لكان غير خاص بوقت القعود!

واستدل الدارمي في الرد على الجهمية (1/59) بما رواه عن عطاء بن يسار قال: «أتى رجل كعباً وهو في نفر فقال يا أبا إسحاق حدثني عن الجبار فأعظم القوم قوله فقال كعب دعوا الرجل فإن كان جاهلاً تعلم وإن كان عالماً ازداد علما ثم قال كعب أخبرك أن الله خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن ثم جعل ما بين كل سماءين كما بين السماء الدنيا والأرض وكثفهن مثل ذلك ثم رفع العرش فاستوى عليه فما في السموات سماء إلا لها أطيط كأطيط الرحل العلافي أول ما يرتحل من ثقل الجبار فوقهن».

47- وقد احتج ابن القيّم بهذا الخبر في جيوشه (68و163) والحكمي في معارجه (1/180) .
واستنكر الذهبي في عبارة: «من ثقل الجبار فوقهن» فقال : «..كأطيط الرحل أول ما يرتحل , وذكر كلمة منكرة لا تسوغ لنا , والإسناد نظيف..».

48- لكنّ ابن تيمية في بيان التلبيس لم يستنكر هذه اللفظة , بل زعم أن هذا الجزء من الخبر لو كان منكراً في دين الإسلام عندهم لم يحدِّث به الأئمة على هذا الوجه, وزعم أن الخبر يحتمل أن يكون مما تلقاه كعب عن الصحابة. وأن هذه الرواية من روايات أهل الكتاب التي ليس عندنا ما يكذبها , واستشهد له بتوالف وظلمات بعضها فوق بعض فقال :
«وهذا الأثر وإن كان هو رواية كعب فيحتمل أن يكون من علوم أهل الكتاب , ويحتمل أن يكون مما تلقاه عن الصحابة, ورواية أهل الكتاب التي ليس عندنا شاهد هو لا يدافعها ولا يصدقها ولا يكذبها, فهؤلاء الأئمة المذكورون في إسناده هم من أجل الأئمة , وقد حدثوا به هم وغيرهم , ولم ينكروا ما فيه من قوله : [من ثقل الجبار فوقهن] , فلو كان هذا القول منكراً في دين الإسلام عندهم لم يحدثوا به على هذا الوجه, وقد ذكر ذلك القاضي أبو يعلى فيما خرجه من أحاديث الصفات».

ثم استشهد له بخبر خالد بن معدان وعبد الله بن مسعود في الثقل على العرش, وما جاء في تفسير تفطر السموات!! , وأسانيدها ضعيفة.
وبما أنّ الأئمة الأجلاء على حدّ قوله! حدّثوا به هم وغيرهم ولم ينكروا ما فيه من نسبة الثّقل إلى الله , فيكون إثبات الثّقل لله تعالى لازمًا عنده!! , مع أنّ وجود كاتب الليث في إسناده تبطل نسبة الخبر إلى أولئك الأئمة , مع أنّ مجرّد رواية الأئمة للخبر مسندة لا تستلزم موافقتهم عليها كما هو مقرّر , لكنّ ابن تيمية يخترع القواعد ليستنصر بها حتى لو هدم ما أقر به نفسه!.

49- وأمّا ما رواه ابن أبي شيبة في العرش (ص58) بسنده عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ((تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ )) الشورى: ٥ , قال: «ممن فوقهن من الثقل» , وما رواه من طريق آخر (ص59) عن خصيف بلفظ: « ((السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ)) [المزمل: ١٨], قال : بالله » , وما رواه الطبري بسنده عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «يعني من ثقل الرحمن وعظمته تبارك وتعالى» , فهي أسانيد ضعيفة , والذي ذهب إليه جمهور المفسرين أن الضمير في الآية الكريمة يعود على يوم القيامة , ومع ذلك احتج بها ابن القيم وغيره، ونظمها ابن القيم في قصيدته النونية فقال:

وبسورة الشورى وفي مزمل
سر عظيم شأنه ذو شان

في ذكر تفطير السماء فمن يرد
علماً به فهو القريب الداني

لم يسمح المتأخرون بنقله
جنباً وضعفاً عنه في الإيمان

بل قاله المتقدمون فوارس
الإسلام هم أمراء هذا الشان

ومحمد بن جرير الطبري في
تفسيره حكى به القولان


فلئن كان المتقدمون معذورون في نقل مثل تلك الأخبار الساقطة الضعيفة , لأن من أسند فقد أبرأ ذمته , ولا يستلزم نقلهم إياها اعتقاد ما فيها , إلا أنّ ابن القيّم يعيب على المتأخرين عدم نقلهم لها لضعف إيمانهم بها!! , فإن عُدَّ نقلهم ذلك جبناً وضعفاً فهو جبنٌ مِن وصفِ الله  بما لا يليق.

وقد احتجّ الدارمي مما هو صريح في الثقل -وقد تابعه ابن تيمية في بيان التلبيس وابن القيم في اجتماع الجيوش- , فقد أخرج عن ابن مسعود  أنه قال:«إنّ ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور السموات من نور وجهه، وإنّ مقدار كل يوم من أيامكم عنده ثنتا عشرة ساعة , فتعرض عليه أعمالكم بالأمس أول النهار فينظر فيها ثلاث ساعات , فيطلع فيها على ما يكره فيغيظه ذلك , فأول من يعلم بغضبه الذين يحملون العرش يجدونه يثقل عليهم , فيسبحه الذين يحملون العرش وسرادقات العرش والملائكة المقربون».

ولولا أنّ الله تعالى محمول على العرش لما وجدوا العرش يثقل عليهم عند غضب الله تعالى!! وإلا فما هي علاقة الغضب بثقل العرش؟! تعالى الله عن ذلك ..

ي - إثباتهم امتلاء العرش بذات الله تعالى وأطيطه به!

(6)


50- واحتج ابن القيم في تفسير الاستواء بامتلاء العرش وأطيطه فقال:
«قال حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن الشعبي عن ابن مسعود قال: إن الله ملأ العرش حتى أنّ للعرش أطيطاً كأطيط الرحل».(7)

وقد كفانا كلام الدارمي في هذا الخبر عن بيان أنه يستلزم التجسيم لا محالة, فقال كلاماً خطيراً لا بد من نقله بحروفه قال:
«وروى المعارض أيضاً عن الشعبي أنه قد ملأ العرش حتى إن له أطيطاً كأطيط الرحل. ثم فسر قول الشعبي أنه قد ملأه آلاء ونعماً حتى إن له أطيطاً لا على تحميل جسم , فقد حمَّل الله السموات والأرض والجبال الأمانة فأبين أن يحملنها , والأمانة ليست بجسم فكذلك يحتمل ما وصف على العرش.
فيقال لهذا المعارض: لجلجت ولبَّست حتى صرحت بأن الله ليس على العرش , إنما عليه آلاؤه ونعماؤه , فلم يبق من إنكار العرش غاية بعد هذا التفسير, ويلك فإن لم يكن على العرش بزعمك إلا آلاؤه ونعماؤه وأمره , فما بال العرش يتأطط من الآلاء والنعماء , لكأنها عندك أعكام الحجارة والصخور والحديد فيتأطط منها العرش ثقلاً، إنما الآلاء طبائع أو صنائع ليس لها ثقل ولا أجسام يتأطط منها العرش، مع أنك قد جحدت في تأويلك هذا أن يكون على العرش شيء من الله ولا من تلك الآلاء والنعماء إذ شبهتها بما حمَّل الله السموات والأرض والجبال من الأمانة فقد أقررت بأنه ليس على العرش شيء...ففي دعواك ليس على العرش شيء من تلك الآلاء والنعماء التي ادعيت كما ليس على السموات والأرض والجبال من تلك الأمانة شيء».(8)

ففي هذا الكلام يرفض الدارمي تأويل أطيط العرش من النعم والآلاء لأن الأطيط إنما يحصل من الثقل، والآلاء والنعماء ليست كالحجارة والحديد والأجسام التي لها ثقل يحصل منه الأطيط.

ونضيف إلى ما ذكره الدارمي لازماً آخر وهو امتلاء العرش به , فإن ما يحصل امتلاء الأجسام بما يشغلها من الأجسام!؟ وهل يمكن أن يمتلئ العرش -وهو جسم ممتد في الأبعاد- إلا بجسم ممتد في الأبعاد؟!
وحكى تقي الدين الحصني إثبات هذا الخبرعن القاضي أبي يعلى فقال :

«ثم إن هذا القاضي روى عن الشعبي أنه قال أن الله قد ملأ العرش حتى أن له أطيطاً كأطيط الرحل وهو كذب على الشعبي.وقال بعضهم ثم استوى على العرش قعد عليه. وقال إبن الزاغوني خرج عن الإستواء بأربعة أصابع. ولهم ولأتباعهم مثل ذلك خبائث كلها صريحة في التشبيه والتجسيم لا سيما في مسألة الإستواء وهو سبحانه وتعالى متنزه عما لا يليق به من صفات الحدث».(9)

فهل من سبيل إلى دفع التجسيم عن من رضي بهذا الخبر واحتج به ليوافق في ذلك ما حكي عن بعض أصحاب هشام بن الحكم كما قال الامام الأشعري: «وقال بعض أصحابه إن البارىء قد ملأ العرش وإنه مماس له، وقال بعض من ينتحل الحديث إن العرش لم يمتلىء به وإنه يقعد نبيه  معه على العرش».(10)

ك - قولهم بالتجسيم الذي ينفيه المتكلمون والذي لا يخرج عن المعنى اللغوي



سبق أن بينتُ المعنى اللغوي للتجسيم وأوضحتُ أن تعريف المتكلمين للجسم لم يخرج عن تعريف اللغويين , وخصوصًا أن أكابر المتكلمين كانوا فحولًا في اللغة وعلومها , وذكرتُ أن ابن تيمية يقول بأن ذات الله تعالى تجمع أعيانًا مختلفة , ويفسر الصمدية بمعنى الاشتداد والتجمع واستحالة التفرق والانفصال , ويرى أنّ ذات الله تعالى كبيرة عظيمة من جهة الحس , ولهذا تراه يثبت لله تعالى الجسمية بالمعنى الذي يقوله المتكلمون , فقال في بيان التلبيس (4/615) :

51- «وأما بمعناه فالمؤسس –يعني الرازي- وغيره يقول إنّ هذا قول من قال إنّ الله فوق العرش أو إنه يشار إليه في الدعاء , ومعلوم أنّ القول بكون الله فوق العرش أو أنه يشار إليه بالأيدي والدعاء هو قول سلف الأمة وأئمتها وعامتها، وإذا كان هؤلاء كلهم يقولون بالمعنى الذي سميته تجسيماً لم يضر القول بذلك ولم يجز رده إلا بحجة , وأنت لم تذكر في جواب هذه الحجة ما يصلح أن يكون جواباً.
وقد قدمنا في الوجه الذي قبل هذا أن الإشارة إلى الله في الدعاء إن استلزم اعتقاد الداعي أن الله جسم فقد ثبت أن هذا قول من قوله حجة وإلا بطلت حكايته».

والإمام الرازي يقول إن التجسيم يلزم من يقول إنه تعالى فوق العرش فوقية جسمانية ويفسّر الاستواء بالاستقرار , أو أنه يشار إليه بالأيدي والدعاء إشارة حسيّة كما يشار إلى الأفلاك العلوية والأجرام السماوية , وأنه موجود في منتهى تلك الإشارة الحسية المختصة بالجسمانيات .

52- وقال أيضًا في بيان التلبيس (4/618) :
«ولا ريب أن هذا قوله وقول أكثر الناس من النفاة والمثبتة فإنهم يقولون إن كونه فوق العرش يستلزم المعنى الذي يسميه المتكلمون جسماً ويسميه أهل الحديث حداً» .
ويقصد بالفوقية على العرش المعنى الحسي .

53- وقال أيضاً في بيان التلبيس (4/627) :
«ويقول من يفهم معنى الجسم على اصطلاح المتكلمين , يعلم بالضرورة أنه لا يكون موجود قائم بنفسه إلا ما سميتموه الجسم» .

وهذا صريح في قوله بالتجسيم على المعنى الذي يقول به المتكلمون , والذي لا يخرج عن المعنى اللغوي كما قدمنا , وفيه افتراء على السلف الصالح بنسبة التجسيم إليهم , وهناك نصوص كثيرة في هذا المعنى لم أذكرها لشهرتها عند القوم .

54- وقال في بيان التلبيس (3/148) :
«فهذا الواحد الذي وصفوه يقول لهم فيه أكثر العقلاء وأهل الفطر السليمة إنه أمر لا يعقل ولا له وجود في الخارج , وإنما هو أمر مقدر في الذهن , ليس في الخارج شيء موجود لا يكون له صفات ولا قدر ولا يتميز منه شيء عن شيء , بحيث يمكن أن لا يرى ولا يدرك ولايحاط به , وإن سمّاه المسمي جسمًا » .

ولا تنخدع بقوله : « لا يكون له صفات ولا قدر ولا يتميز منه شيء عن شيء » , إذ مقصوده بالصفات هو الأعيان المجتمعة في ذات الله تعالى , ومقصوده بالقدر هو الحجم والحيّز , ومقصوده بالتميز هو التميّز بالجهة والإشارة الحسية , ولا تغفل عن حقيقة الرؤية عنده كما سبق بيانه.

الفصل الخامس
قاعدة غائية لتثبيت أركان التشبيه


ولمّا نَظَرَ التيميةُ في آيات الصفات التي يسمونها بصفات «الأعيان!» , وجدوا سياقاتها لا تقبل إثبات تلك الإضافات لله تعالى على حقيقتها , كما في قوله تعالى : ((كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ )) [القصص: ٨٨], وقوله تعالى : ((وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي )) [طه: ٣٩]... الخ , فإن سياق هذه الآيات يأبى حمل الوجه و العين على أعيانٍ متصلة بالذات [أي قائمة بالذات كما يقول التيمية] , فما كان منهم إلا أن يخترعوا قاعدة ليتم لهم إثبات المعنى الحقيقي لتلك الألفاظ , وهي ما قاله محمد خليل هراس عن قوله تعالى ((وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ )) [الرحمن: ٢٧], وقوله تعالى : ((كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ )) , حيث قال في شرح الواسطية (ص114 , ط3 دار الهجرة) :

«واستدلَّت المعطِّلة بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَجْهِ الذَّاتُ؛ إِذْ لَا خُصُوصَ لِلْوَجْهِ فِي الْبَقَاءِ وَعَدَمِ الْهَلَاكِ.
وَنَحْنُ نُعَارِضُ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ بِأَنَّهُ : لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ  وجهٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَمَا جَاءَ اسْتِعْمَالُ هَذَا اللَّفْظِ فِي مَعْنَى الذَّاتِ؛ فَإِنَّ اللَّفْظَ الْمَوْضُوعَ لِمَعْنًى, لَا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي مَعْنًى آخَرَ إِلَّا إِذَا كَانَ الْمَعْنَى الْأَصْلِيُّ ثَابِتًا لِلْمَوْصُوفِ، حَتَّى يُمْكِنُ لِلذِّهْنِ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنَ الْمَلْزُومِ إِلَى لَازِمِهِ.
عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ دَفْعُ مَجَازِهِمْ بِطَرِيقٍ آخَرَ؛ فَيُقَالُ: إِنَّهُ أَسْنَدَ الْبَقَاءَ إِلَى الْوَجْهِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ بَقَاءُ الذَّاتِ؛ بَدَلًا مِنْ أَنْ يُقَالَ: أَطْلَقَ الْوَجْهَ وَأَرَادَ الذَّاتَ» .

فهذا نصٌ واضح بإثباتهم الاشتراك في المعنى الحقيقي خارجًا لا ذهنًا فقط , حيث يرى أنّ المصحح لانتقال الذهن من الملزوم إلى اللازم عند استعمال اللفظ فيما وضع له , هو ثبوت المعنى الأصلي للشيء الذي نسب إليه المعنى غير الوضعي , أي أنّك إذا استعملت لفظ «الساق»و «النّاب» مثلًا لغير معناه الوضعي , كما في قول أبي ذؤيب الهذلي:

وَكُنتُ إِذا ما الحَربُ ضُرَّسَ نابُها
لِجائِحَةٍ وَالحَينُ بِالناسِ لاحِقُ

وَزافَت كَمَوجِ البَحرِ تَسمو أَمامَها
وَقامَت عَلى ساقٍ وَآنَ التَلاحُقُ



فقد استعمل الشاعر لفظ «النّاب» ولفظ «الساق» للحرب في غير معناها الوضعي , فيجب عند التيمية أن يكون «الساق»و «النّاب» ثابتان للحرب على معناهما الوضعي الحقيقي!! فيكون للحرب ضرسًا حقيقية وساقًا حقيقية!!

وهذه القاعدة التي تخالف أشعار العرب وأقوالهم , وتخالف ما قرره وحرره البلاغيون , ليست إلا قاعدة غائية , أي أنهم وضعوها للوصول إلى غاية يريدونها , وليست معروفة عند اللغويين , بل علماء اللغة يقولون بخلافها , والغاية التي وضعوا هذه القاعدة من أجلها هو إثبات الألفاظ المُضافة إلى الله على حقائقها اللغوية ومعانيها الوضعية , ليسدّوا الباب على مَن يعارضهم بسياقات تلك الإضافات , والتي يَظْهَرُ منها بجلاءٍ أنّ هذه الألفاظ لم تُستعمل في معانيها الوضعية الحقيقية!! وذلك أنّ لفظ «الوجه» لمّا أضيف إلى الله تعالى في الآيتين السابقتين , وكان سياقهما دالًا على أنّ المعنى من الوجه هو الذات , فلا بدّ –على القاعدة التيمية اليتيمة- من ثبوت معنى الوجه الوضعي لله –تعالى الله عن ذلك-!!

لكنّ أرباب اللغة والبلاغة قرروا أنّ المُصحّح لانتقال الذهن من الملزوم إلى اللازم , هو وجود علاقة ومناسبة بين المعنى الوضعي والمعنى الآخر , وقد حظيت هذه العلاقة –التي يُتوسل بها إلى الانتقال من الملزوم إلى اللازم- بعناية البلاغيين , حتى أوصل بعضهم عدد تلك القرائن إلى ما يزيد على الثلاثين قرينة! , ولم يشترطوا ثبوت المعنى الوضعي لما استُعمل فيه اللفظ لغير معناه الأصلي , بل لو كان المعنى الوضعي ثابتًا للموصوف لما كان استعمال اللفظ فيه استعمالًا في غير ما وُضع له!! , فيكون استعمال اللفظ حينئذ على حقيقته ومعناه الأصلي , فلا نقول عندها أننا استعملنا فيه لفظاً لم يوضع له , ومن المعلوم أن اللفظ يُجتاز به عن معناه الأصلي إلى معنى آخر للإيجاز أو سعة اللفظ أو إيراد المعنى في صورة دقيقة مقربة إلى الذهن , ولو قلنا أن المعنى الأصلي ثابت للموصوف لانتفت تلك الفوائد كلها! , فتأمل .

فمثلاً لفظ «اليد» قد وضع في اللغة لذلك العضو المعروف , وقد استعملته العرب في غير ما وضِع له , فقالوا : «يد المنايا», وذلك لأنّه يفيد التأكيد وترسيخ المعنى بما يقوم عليه من التخييل والتصوير , وكأنك ترى المنايا تُوقِع الضرر بالمصاب أمام ناظريك , فلو كانت اليد ثابتة للمنايا لكان استعمالنا لها في موضعها ودون أن يحدث في نفس المستمع شيئاً من ترسيخ المعنى وتأكيده .

ومن تتبع استعمالات الألفاظ عند العرب لغير معانيها الأصلية , علم أنّ الشرط الذي وضعه أولئك التيمية باطل متهافت , وإليك بعض الأمثلة التي تهدم تلك القاعدة المخترعة :
أولاً: استعمال العرب لفظ «الوجه» في معنى غير المعنى الأصلي , بالرغم من عدم ثبوت المعنى الأصلي للموصوف:

* قال عنترة بن شداد :

وَصَوتُ حُسامي مُطرِبي وَبَريقُهُ
إِذا اِسوَدَّ وَجهُ الأُفقِ بِالنَقعِ مِقباسي


* وقال أيضاً :

وَراحَت خَيلُهُم مِن وَجهِ سَيفي
خِفافاً بَعدَما كانَت ثِقالا


* وقالت الفارعة القشيرية :

وفرت كلاب على وجهها
خلا جعفر قبل وجه النهار


* وقال طرفة بن العبد :

يَسيرُ بِوَجهِ الحَتفِ وَالعَيشُ جَمعُهُ
وَتَمضي عَلى وَجهِ البِلادِ كَتائِبُه


* وقال الحطيئة :

تَشاغَلَ لَمّا جِئتُ في وَجهِ حاجَتي
وَأَطرَقَ حَتّى قُلتُ قَد ماتَ أَو عَسى



ثانياً: استعمالهم لفظ اليد في معنى غير المعنى الأصلي , بالرغم من عدم ثبوت المعنى الأصلي للموصوف :

* قال الحارث المري :

أخالد قد نبهتني غير نائم
فلا تأمنن فتكي يد الدهر واحذر


* قال عنترة بن شداد :

سَقى اللَهُ عَمّي مِن يَدِ المَوتِ جَرعَةً
وَشُلَّت يَداهُ بَعدَ قَطعِ الأَصابِعِ


* وقال أيضاً :

نَسَجَت يَدُ الأَيّامِ مِن أَكفانِها
حُلَلاً وَأَلقَت بَينَهُنَّ عُقودَها


* وقال امرؤ القيس :

مَعاشِرُ أَضحى وُدُّهُم متَبايناً
وَشَرُّهُمُ بادٍ يَدَ الدَهرِ مُقبِلُ



ثالثاً: استعمالهم لفظ الساق في معنى غير المعنى الأصلي , بالرغم من عدم ثبوت المعنى الأصلي للموصوف :

* قال تأبط شراً :

وَهُم أَسلَموكُم يَومَ نَعفِ مُرامِرٍ
وَقَد شَمَّرَت عَن ساقِها جَمرَةُ الحَربِ


* قال أبو ذؤيب الهذلي :

وَكُنتُ إِذا ما الحَربُ ضُرَّسَ نابُها
لِجائِحَةٍ وَالحَينُ بِالناسِ لاحِقُ

وَزافَت كَمَوجِ البَحرِ تَسمو أَمامَها
وَقامَت عَلى ساقٍ وَآنَ التَلاحُقُ


* وقال حاتم الطائي :

فتى الحرب إن عضت به الحرب عضها
وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا


* وقال سعد البكري :

ياَبؤُسَ لِلحَربِ الَّتي
وَضَعَت أَراهِطَ فَاِستَراحوا

كَشَفَت لَهُم عَن ساقِها
وَبَدا مِنَ الشَرِّ الصُراحُ



بل ومن قرأ آيات القرآن الكريم والفرقان الحكيم , عَلِم بطلان تلك القاعدة التي اخترعها القوم , فقد قال تعالى : ((وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )) [آل عمران: ٧٢], فهل يستطيع الوهابية القول بأنّ للنهار وجه حقيقي؟!
وقال تعالى : ((فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ )) [البقرة: ٦٦] , فهل لتلك الفعلة التي فعلها بنو إسرائيل يدان حقيقيتان على معناهما الوضعي؟!
وقال تعالى : ((لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ )) [فصلت: ٤٢], فهل للقرآن الكريم يدان على المعنى الوضعي الحقيقي؟!

تنبيه :

قال هراس في النص المنقول سابقًا : «عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ دَفْعُ مَجَازِهِمْ بِطَرِيقٍ آخَرَ؛ فَيُقَالُ: إِنَّهُ أَسْنَدَ الْبَقَاءَ إِلَى الْوَجْهِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ بَقَاءُ الذَّاتِ؛ بَدَلًا مِنْ أَنْ يُقَالَ: أَطْلَقَ الْوَجْهَ وَأَرَادَ الذَّاتَ».
قلت: هذا يصحّ إذا اعتبرتم «الوجه» صفة معنى , لأنّ المعنى لا يقوم إلّا بالذات , فإذا بقي المعنى الذي لا يقوم بالذات فمن باب أولى بقاء الذات , لكنّ الوهابية يُثبتون الوجه كصفة عينية لا معنوية , ولا يلزم من بقاء العين بقاء الذات .

وخلاصة الأمر: أن التيمية الوهابيّة يُثبتون قدرًا من الاشتراك الخارجي بين صفات المخلوقات وصفات الله  , وهذا الاشتراك الخارجي هو المستند للاشتراك الذهني , ويرون أنّ الذي يميز صفة الخالق عن صفة المخلوق هو الكيفية اللاحقة لكل منهما , فكما أنّ نور الشمس يشترك مع نور السراج ونور الموقد في حقيقة واحدة , إلا أنه يتميز ويفترق في كيفيته عنهما , وهذا المميز الفارق أعظم من المشترك الجامع , فكذلك الحال في صفات الله تعالى وصفات خلقه , فكما أنّ صفات المخلوقات تتميّز وتفترق عن بعضها البعض بالكيفيات التي تلحقها , فكذلك تتميز صفة الخالق عن صفات المخلوقات في الكيفية التي تكتنفها , وهذه الكيفية التي تميّز صفة الخالق عن صفة المخلوق أعظم من القدر المشترك بينهما , ولا يخفى على باقل فضلًا عن عاقل أنّ في ذلك إثبات التشابه في القدر المشترك بين صفات المخلوق وصفات الخالق تعالى , وهذا هو التشبيه الذي نفاه أهل السنة والجماعة من السلف والخلف .

إلا أنّ ما يتفوه به بعض صبيان الوهابية , من قولهم أنهم لا يُثبتون بين صفات الخالق وصفات المخلوق إلا الاشتراك اللفظي , فهو إما جهل بأقوال مشايخهم أو تلبيس! , لأن الاشتراك اللفظي هو الاشتراك في الأسماء والألفاظ دون المسميات والمعاني الخارجية , فليس هناك تواطؤ بين المسميات , لكنّ مشايخهم يصرحون بإثبات قدر من الاشتراك والتواطؤ بين المسميات والمعاني لا الألفاظ والأسماء فقط , بخلاف ما قرره الطحاوي في عقيدته حيث قال : «ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر» , إذ المحذور هو الاشتراك في المعاني لا الألفاظ .

الفصل السادس: مشكلة الوهابية في معنى «الظاهر» و «الحقيقة»
وكشف تناقضهم في ذلك



لكلّ لفظ مستعمل من ألفاظ اللغة معنى أصلي يدل عليه هذا اللفظ في وضع واضعه , ويُفهم منه هذا المعنى بمجرده دون قرائن , ويسمى هذا المعنى «بالمعنى الوضعي»(1) أو «الحقيقي» أو «الظاهر» , قال الإمام عبد القاهر الجرجاني : «كلّ كلمة أريد بها ما وقعت له في وضع واضع -وإن شئتَ قلت : في مواضعة- وقوعًا لا تستند فيه إلى غيره فهي حقيقة» (2) , فمثلًا لفظ «الأسد» وضَعَه أهل اللغة بإزاء السبع المعروف , فإذا سمع العربي أحدهم يقول : «رأيتُ أسدًا» فيفهم منها ويتبادر إلى ذهنه ويظهر له من هذا اللفظ «السبع» , أي أنّ السامع سيستحضر في ذهنه ذلك الحيوان المفترس المعروف عند سماعه لفظ «الأسد» , لكن اللفظ قد يفقد معناه الظاهر إذا وضع في سياق معيّن ليدل على معنى آخر له علاقة بمعناه الحقيقي الوضعي , وهذا المعنى الثاني الذي يفهمه السامع لا يفهمه من اللفظ بمجرده بل من القرينة التي صرفت اللفظ عن معناه الأصلي الحقيقي إلى معنى آخر , وهذا المعنى الثاني يسمى «مؤولًا» أو «ظاهرًا بالدليل» أو «مجازًا» , قال الإمام عبد القاهر الجرجاني : «فكلّ كلمة أريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الأول والثاني فهي مجاز» , فإذا سمع العربي قول القائل : «رأيت أسدًا يقاتل في المعركة» عرف أنّ القتال في المعركة من شأن الإنسان لا السباع وعرف أنّ المقصود بالأسد هو «الرجل الشجاع» , فهناك قرينة صرفت اللفظ عن معناه الأصلي الوضعي إلى معنى آخر لعلاقة بين المعنيين , فلا يظهر للسامع من لفظ الأسد «الرجل الشجاع» إلا بقرينة , بخلاف «السبع» الذي يظهر ويتبادر إلى الذهن من لفظ الأسد بمجرد سماعه , ولا يعقل أن يكون هذا المعنى «السبع» والمعنى الثاني «الرجل الشجاع» كلاهما حقيقة في لفظ «الأسد» , إذ لو كان حقيقة فيهما معا لتبادر الذهن إليهما معا عند سماع كلمة «أسد» مجردة ولحصل الالتباس ، فبان أنه حقيقة وظاهر في «السبع» ومجاز وتأويل وظاهر بالدليل في «الرجل الشجاع» , ولا يقول عاقل أن لفظ الأسد لا يفهم منه معنى «السبع» إلا بقرينة أيضًا , لأن هذا مخالف للحس ومخالف لكون لفظ «أسد» مجردًا دالّ على «السبع» , ولولا وجود القرينة أو ملاحظتها لما فَهِمَ السامع أو القارئ هذا المعنى الثاني ولتبادر إلى ذهنه المعنى الأول , فقد أخرج البخاري (4/1640) في : [باب: ((وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر)) البقرة: ١٨٧] :
«أخذ عدي عقالا أبيض وعقالا أسود حتى كان بعض الليل نظر فلم يستبينا فلما أصبح قال: يا رسول الله , جعلت تحت وسادي , قال : [إن وسادك إذًا لعريض إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك]» .

فهاهنا حصل الالتباس وحَمْلُ اللفظ على معناه الحقيقي لعدم لحاظ القرينة , فإنّ خفاء القرينة أو عدمها سببان في فهم اللفظ على ظاهره ومعناه الوضعي الحقيقي , ولا يقول عاقل أنّ السامع يفهم من «الخيط الأبيض» بياض النهار ومن «الخيط الأسود» سواد الليل دون قرينة .

ومثل هذا ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : «قال رسول الله  : [أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدًا] , قالت : فكن يتطاولن أيتهن أطول يدا , قالت : فكانت أطولنا يدا زينب لأنها كانت تعمل بيدها وتصدق».

------------------
- المقصود بالوضع اللغوي هو دلالة المفردة على معناها الذي اصطلح عليه الواضعون , فقال الجرجاني في التعريفات عن الوضع اللغوي بأنه : ( وضع اللفظ إزاء المعنى ) .
2- أسرار البلاغة , عبد القاهر الجرجاني , ط دار المدني , ص350 .

وبخصوص مسألة الصفات فإن مشايخ الوهابية يصرّحون بحمل ألفاظها على معانيها «الوضعية» و «الحقيقية» و «المتبادرة» عند العربي وعلى «ظاهرها» المعروف عنده , فيجعلون الحقيقة التي يحملون عليها الصفات ما كان مقابلًا للمجاز , ويقولون لخصومهم الذين يفسرون الألفاظ على غير معانيها الوضعية للقرائن الموجبة ذلك أنكم تؤولون وتحملون الصفات على المجاز , وفي هذا إثباتٌ للمجاز وإثبات للصفات على حقيقتها اللغوية التي هي ضد المجاز , ويرفضون فهم الصفات على غير معانيها الوضعية بناء على القرائن التي توجب ذلك , فالمعنى الوضعي للنزول هو هبوط الشيء كما قال ابن فارس , فيثبت الوهابية هذه الصفة على حقيقتها ويقولون عن صفة النزول لله تعالى بأنها هبوط أو «انتقال من علو إلى سفل» , ويرفضون تأويل النزول وحمله على غير معناه الوضعي , قال ابن عثيمين في فتاواه (4/286) :
«ومعناه عند أهل التأويل نزول أمره» .

وهكذا يسيرون في سائر الصفات الخبرية كاليد والرجل والعين .
إلا أنّ هناك بعض الصفات تواجه الوهابية وتنقض مذهبهم في حملهم الألفاظ على ظاهرها وحقيقتها ومعناها الوضعي , فتراهم يقومون بتأويلها ثم يزعمون أنهم لا يؤولونها بل يحملونها على حقيقتها وظاهرها! , ويقولون ليس في الكتاب والسنة لفظ في ظاهره وحقيقته أي محذور , وهذا جهل مطبق أو تجاهل وتلاعب!! , فمثلًا قال ابن فارس عن معنى لفظ «المعية» الوضعي الحقيقي (5/273) :
« مع: الميم والعين كلمةٌ تدلُّ على اختلاطٍ وجلبةٍ وما أشبه ذلك... ومما ليس من هذا الباب [مع] وهي كلمة مصاحبة , يقال : هذا مع ذاك , ويقولون في صفة النساء : [منهن معمع , لها شيئها أجمع] وهي التي لا تعطي أحدًا شيئًا يكون معها أبدًا» .

فمعنى المعية الوضعي الحقيقي هو المصاحبة الذاتية , وصرفه عن هذا المعنى لمعنى آخر يُعتبر مجازًا وتأويلًا لا حقيقة , إلا أنّ بعض الوهابية يفسر المعية بغير معناها الوضعي ومع ذلك يصرّ على أنّها حقيقة!! , ففي فتاوى ابن عثيمين (5/174) :
«المثال الرابع: قال أهل التأويل: أنتم يا أهل السنة –يقصد أنفسهم!- أوّلتم قوله تعالى: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)) [الحديد: ٤] ، فقلتم: وهو معكم بعلمه، وهذا تأويل، فإن الله تعالى يقول: ((وَهُوَ مَعَكُمْ)) ، والضمير في قوله: ((وَهُوَ مَعَكُمْ)) يعود إلى الله، فأنتم يا أهل السنة أولتم هذا النص وقلتم: إنه معكم بالعلم، فإذن كيف تنكرون علينا التأويل؟
قلنا: نحن لم نؤول الآية!! ، بل إنما فسرناها بلازمها وهو: العلم!؛ وذلك لأن قوله: وهو معكم لا يمكن لأي إنسان يعرف قدر الله  ويعرف عظمته أن يتبادر إلى ذهنه أنه هو ذاته مع الخلق في أمكنتهم، فإن هذا أمر مستحيل» .

فانظر كيف أنكر كون تفسير المعية بالعلم تأويلًا!! مع أنّ العلم ليس المعنى الوضعي للمعية , ولا يُفهم العلمُ من المعيّة إلا بقرائن توجب ذلك كاستحالة مصاحبة الله تعالى للمخلوقات وحلوله بها , فتفسير العلم بالمعية تأويلٌ مجازي لأنّه استعمالٌ للفظ في غير ما وضع له لقرينة منعت من إرادة الحقيقة!! وزعمه بأنّ المعية حقيقة في العلم لكنه من لوازمها غير سديد , لأنّ العلم ليس المعنى الوضعي للفظ المعية حتى وإن كان من لوازمها , وتفسيره المعيةَ بلازمها هنا هو التأويل بعينه!

فإن قالوا : إنّ استعمال اللفظ في معناه الوضعي حقيقة , واستعماله في غير معناه الوضعي لقرينة حقيقة أيضًا , فاستعمال الأسد بمعنى «السبع» حقيقة في قولك «رأيت أسدًا» , واستعمال الأسد بمعنى «الرجل الشجاع» حقيقة أيضًا في قولك : «رأيت أسدًا يخوض غمار المعركة بسيفه» , لأن استعمال الكلمة في معناها الذي دل عليه السياق والقرائن حقيقة وإن كان هذا المعنى غير معناها الأصلي , مع أنّهم قبل قليل أنكروا على خصومهم فهمهم النصوص ضمن السياقات ووفق القرائن وسموه تأويلًا ومجازًا! وأوجبوا حمل ألفاظ الصفات على الحقيقة لا على المجاز!! وهذا من قلة التدقيق والتحرير ومن التقليد الأعمى لابن تيمية , وعلى الرغم من عدم دقة هذا الكلام وكونه مخالفًا للقواعد المقررة ولمعنى الحقيقة عند الأصوليين واللغويين , فإنّ هذا يفتح الباب لخصومهم لتفسير الاستواء بالقهر والاستيلاء , والنزول بالبر والعطاء , والوَجه بالذات أَو الجود والحباء , والعين بالحفظ والعون والاجتباء , واليَد بالإنعام والإكرام والاصطفاء , ثم يقولوا : هذا ليس تأويلًا مجازيًا بل هو حقيقة لدلالة السياق والقرائن والأدلة الشرعية والعقلية على هذه المعاني! , ولا تجوز مخالفته لأنه هو الظاهر من السياق , وليس للوهابية حينها أن يقولوا بل هو تأويل ومجاز!!

فإن قال الوهابية: بل القرائن لا تدل على هذه المعاني .
قال خصومهم المنزهة : لا نسلم ذلك بل القرائن دالة على تلك المعاني , ولا نسلّم لكم أنتم ما قلتموه من معانٍ لتلك الألفاظ لأنها مخالفة للقرائن والسياق , بل سياقات تلك النصوص مخالفة كلّ المخالفة للمعاني التي ألبستموها إياها , فمن كان له أدنى ذوق في اللغة عَلِمَ أنّ المقصود بــ «على عيني» في قوله تعالى : ((أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)) [طه: ٣٩ ], هو أنك تُربّى على رعايتي وحفظي لك ..

وعَلِمَ استحالة كون اليد حقيقية في قوله تعالى : ((إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)) [الفتح: ١٠]..
واستحالة كون الوجه حقيقيًا ومن الأعيان القائمة بالذات في قوله تعالى : ((وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)) [القصص: ٨٨]...
ويأبى ذوقه السليم حملَ الهرولة على الحقيقة التي هي الحركة بين المشي والركض في قول الله تعالى : [من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة] .

ومن الملاحظ أنّ الوهابية يقتطعون ألفاظ نصوص الصفات من سياقاتها , لأنّ ذكرها ضمن السياقات التي وردت فيها والتي تشكل موضوعًا متناسقًا مرتبطًا بعضه ببعض , يقضي على المعنى الذي ألبسوها إياه والذي تصيح بالبراءة منه! , فتراهم يستدلون لإثبات اليدين الحقيقيتين بقوله تعالى : ((بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)), لكن من ذا الذي يفهم هذا من قوله تعالى: ((وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ)) [المائدة: ٦٤]؟! أليس في اقتطاع قوله تعالى : ((بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)), عمّا سبقها من قوله تعالى : ((غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا)) وعما لحقها من قوله سبحانه : ((يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ)) إبطالٌ للمعنى الذي سيقت من أجله؟ وإبطالٌ لأثرها النفسي الروحاني الذي يلقي بظلاله على قلب المؤمن , ويملؤه رغبة في كرم الإله وطمعًا فيما عنده , حيث يشعر عند قراءة الآية كاملة بأثر القدرة الإلهية في الإعطاء والإنفاق , وأثر الغضب الذي انصب على اليهود فصاروا أبخل الناس؟!

فالقوم يرون وجوب حمل ألفاظ نصوص الصفات على ظواهرها , قال ابن عثيمين في فتاواه (4/262) :
«والواجب إجراؤها على ظاهرها ، وإثبات حقيقتها لله على الوجه اللائق به , والعلة في ذلك : أن صرفها عن ظاهرها مخالف لطريقة النبي  وأصحابه , أن صرفها إلى المجاز قول على الله بلا علم! وهو حرام» .

ويرون أنّ هذه الألفاظ لا يجوز فيها التأويل , فيقول الدكتور محمد لوح :
«القسم الأول: ما هو نص في مراد المتكلم لا يحتمل غيره فهذا يمتنع دخول التأويل فيه ، وتحميله التأويل افتراء ظاهر على صاحب الشرع وتحريف للكلم عن مواضعه , وهو شأن عامة النصوص الشرعية الصريحة في معناها كنصوص الصفات..».(1)

وينكرون وجود شيء في الكتاب والسنة ظاهره فيه محذور , قال ابن عثيمين في فتاواه (4/30) :
«ولا يمكن أن يكون ظاهر الكتاب والسنة أمرًا مستحيلًا، ومن ظن أن هذا هو ظاهرها فإنه يبين له أن ظنه خطأ».

ويقولون بأن قاعدة حمل الألفاظ على ظواهرها ومعانيها الوضعية تجري على كلّ فرد من نصوص الصفات , فقال ابن عثيمين في فتاواه (1/185) :
«ولا يخفى على فضيلتكم القاعدة العامة عند السلف من أن نصوص الصفات تجري على ظاهرها اللائق بالله تعالى بلا كيف؛ كما اشتهر عنهم قولهم : [أمروها كما جاءت بلا كيف] , وهذه القاعدة تجري على كل فرد من أفراد النصوص ، وإن لم ينصوا عليه بعينه».


------------------
1- جناية التأويل الفاسد على العقيدة الإسلامية (ص13-14) .

وليس مع القوم دليل من الكتاب والسنّة أو حجّة عن سلف الأمة في وجوب إجراء جميع النّصوص على ظواهرها , بل قد قام الدليل على تسمية الباطل بالظاهر كما في قوله تعالى : ((أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ)) [الرعد: ٣٣]
قال الطبري في تفسيره (16/466) :
«وقوله: ((أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ)) مسموع، وهو في الحقيقة باطلٌ لا صحة له».


الإمام أحمد ينكر على من احتجّ عليه بظاهر القرآن الكريم



وها هو الإمام أحمد ينكر على خصومه احتجاجهم عليه بظاهر القرآن , وإليك نصّين في ذلك :
الأول: لما أخذ الجهمية بالظاهر في بعض المسائل رَدَّ عليهم الإمام أحمد بن حنبل بكتاب خاص من رواية أبنائه عنه ، نتحفك هنا ببعضه ، قال القاضي أبو الحسين ابن أبي يَعْلَى الحنبلي في طبقاته :
«قرأت في كتاب أبي جعفر محمدِ بن أحمد بن صالح بن أحمد بن محمد بن حنبل ، حدثني عمي زهير بن صالح قال : قرأ عليَّ أبي صالحُ بن أحمد هذا الكتاب وقال : هذا كتاب عمله أبي  في مجلسه ردًّا على من احتج بظاهر القرآن ، وترك ما فسره رسول الله  ، ودل على معناه ، وما يلزم من اتباعه  وأصحابه رحمة الله عليهم قال أبوعبد الله :
[إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه بعث محمدا نبيه  بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، وأنزل عليه كتابه الهدى والنور لمن اتبعه ، وجعل رسوله  الدال على معنى ما أراده من ظاهره وباطنه ، وخاصّه وعامّه ، وناسخه ومنسوخه ، وما قُصِد له الكتاب ، فكان رسول الله  هو المعبر عن كتاب الله ، الدال على معانيه ، شاهَدَه في ذلك أصحابه ، من ارتضاه الله لنبيه واصطفاه له ، ونقلوا ذلك عنه ، فكانوا هم أعلم الناس برسول الله  ، وبما أخبر عن معنى ما أراه الله من ذلك بمشاهدتهم ما قُصِد له الكتاب ، فكانوا هم المعبرين عن ذلك بعد رسول الله  ، وقال جابر بن عبدالله : [ورسول الله  بين أظهرنا عليه ينـزل القرآن وهو يعرف تأويله ، وما عمل به من شيء عملنا] ، فقال قوم : بل نستعمل الظاهر!! ، وتركوا الاستدلال برسول الله  !! ، ولم يقبلوا أخبار أصحابه ! ، وقال ابن عباس للخوارج : [أتيتكم من عند أصحاب رسول الله  المهاجرين والأنصار ، ومن ابنِ عَمِّ رسول الله  وصِهْرِهِ ، وعليهم نزل القرآن ، وهم أعلم بتأويله منكم ، وليس فيكم منهم أحد] , وذكر تمام الكتاب بطوله».اهـ من:« طبقات الحنابلة 2/65 ط دار المعرفة»، ونقل من أوَّلِه ابن قَيِّمِ الجَوْزِيَّة في « اجتماع الجيوش ط1/ المؤيد ص161».

فانظر إلى قوله : «هذا كتاب عمله أبي  في مجلسه ردًّا على من احتج بظاهر القرآن ، وترك ما فسره رسول الله  ، ودل على معناه ».
فأحمد يرد على من احتج بظاهر القرآن وترك التأويل ، فعلى رأي هذا الوهابية يكون أحمد مخطئًا لأن الظاهر عندهم لا يكون إلا صحيح المعنى , فيكون الجهمية هم المصيبون هنا لأخذهم بالظاهر ، وأحمد وأهل السنة هم المخطؤون!.

والحقيقة أن كلام الوهابية يدل على أن الظاهر يجب الأخذ به ، وأن القرائن لا تصرف اللفظ عن ظاهره بل يصير الظاهر هو ما تدل عليه هذه القرائن!! إذن لا يكون الظاهر إلا حقًا وصدقًا واجب الاتباع , فإذا كان ذلك كذلك فلم صنف أحمد كتابه ردا على من احتج بظاهر القرآن؟! فكان المفروض أن يُعَنْوِن كتابه بأنه رد على من احتج بخلاف ظاهر القرآن ، فبان أن كلام هذا الوهابية مخالف لكلام الإمام أحمد , وأنّ الظاهر قد يكون معناه باطلًا ، لأنه المتبادر إلى الأذهان ، والمتبادر قد لا يكون مقصودا لقرائن .
بل انظر إلى قول أحمد : «وجعل رسوله  الدال على معنى ما أراده من ظاهره وباطنه».
فجعل المعنى الباطني مرادًا ، وعندما يكون المعنى الباطن مرادًا يكون المعنى الظاهر غير مراد قطعًا .

ثم انظر إلى قوله : «فقال قوم : بل نستعمل الظاهر !! ، وتركوا الاستدلال برسول الله ».

فالإمام هنا يسمي ما استعمله المبتدعة « الظاهر » ، ويجعل في مقابله الاستدلال برسول الله  ، فعلم من هنا أنه قد يكون الآخذ بالظاهر غير مستدل برسول الله, ولا ينفعه حينئذ هذا الظاهر الذي يستعمله .

وأخيرا انظر ما الحكمة في نقل الإمام أحمد عن ابن عباس قوله للخوارج : «وهم أعلم بتأويله منكم»؟
أليس هذا دالا على أن الآخذين بالظاهر هم الخوارج وأن التأويل الصحيح -الذي ليس هو بالظاهر- إنما هو عند الصحابة العالمين بتأويله , لمعرفتهم حقيقة المعنى لصحبتهم لرسول الله !! ففي هذا أبلغ رد على الوهابية من كلام إمامهم الذي يزعمون أنهم ينتسبون إليه .

النص الثاني من كلام أحمد :

ما رواه الحافظ أبونُعَيم الأصفهاني في ( الحِلية ط العلمية 9/200-201) ، واللفظ له ، وعبدالغني المقدسي في كتاب (المِحْنَة ط هَجَر ص92) ، ونقله الذهبي في ( السِّيَر ط4/ الرسالة 11/249) وغيرهم ، كلهم من طريق صالح بن الإمام أحمد في ذكر محنة أبيه الإمام أحمد مع الجهمية أنه قال :
« فقال رجل منهم : أراك تذكر الحديث وتنتحله ؟! ، فقال له : ما تقول في قول الله تعالى : ((يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)) [النساء: ١١] ؟ ، فقال : خص الله بها المؤمنين ، قال : فقلت له : ما تقول إن كان قاتلا أو عبدا أو يهوديا أو نصرانيا ؟ فسكت ، قال أبي : وإنما احتججت عليهم بهذا ، لأنهم كانوا يحتجون عليَّ بظاهر القرآن ، ولقوله : أراك تنتحل الحديث .. » اهـ .

يقصد الإمام أن كون الأولاد يرثون آباءهم على كل حال هو الظاهر من الآية السابقة ، لكن السنة خصصت العموم فأخرجت القاتل والعبد .. إلخ ، فلم يجز التمسك بالظاهر الذي هو العموم وترك السنة المفسِّرة المُبَيِّنة ، فالظاهر عند أحمد هو العموم وليس الخصوص الذي دلت عليه السنة ، وعليه فعند أحمد لا يجوز التمسك بالظاهر هنا بل يجب تركه والأخذ بالمفسر الذي هو الخصوص ، لكن على رأي هذا الوهابية يكون الظاهر هو المعنى الآخر وليس الأول, أي يكون الخصوص الذي دلت عليه القرائن هو الظاهر!! فعلى هذا ماذا يكون العموم ؟! وكيف سماه الإمام أحمد ظاهرًا ؟؟!! وانظر كيف وصف أحمد الجهمية في هذا الموقف بأنهم يحتجون عليه بظاهر القرآن !! فعلى رأي الوهابية أن الجهمية قد احتجوا على أحمد بالظاهر الذي يجب على أحمد الأخذ به! فقد قلب الوهابية الأمر فجعلوا أحمد هو المبطل والجهمية هم المصيبون , لأنهم كانوا يحتجون بظاهر القرآن , وظاهر القرآن حق وصدق –دائمًا- , فيكون أحمد هو التارك لهذا الحق والصدق عند الوهابية!.(1)

لكنّهم الوهابية يعودون فينقضون غزلهم ويهدمون بناءهم , حيث تواجههم كثير من النصوص التي لا بد من التأويل فيها وصرفها عن ظاهرها , ولا يستطيعون الزعم ببقائها على ظواهرها!
فقال ابن تيمية في الجواب الصحيح (4/453) :
«..ففي التوراة والقرآن من الآيات التي ظاهرها التجسيم ما لا يحصى ، وليس فيها نص بما يقوله النفاة من أن الله ليس بداخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه».
وهذا صريح في أن كثيرًا من الظواهر غير مرادة .

ونقل ابن تيمية عن الإمام أحمد تحريم استعمال ظواهر الكتاب والسنّة قبل البحث عمّا يفسّرها , فقال في مجموع الفتاوى
« وأكثر نصوصه –أي الإمام أحمد- على أنه لا يجوز لأهل زمانه ونحوهم استعمال ظواهر الكتاب قبل البحث عما يفسرها من السنة وأقوال الصحابة والتابعين وغيرهم, وهذا هو الصحيح الذي اختاره أبو الخطاب وغيره ؛ فإن الظاهر الذي لا يغلب على الظن».

وهذا دليل على أنّ ظاهر الكتاب قد يكون مبهمًا أو مشكلًا , فليس كافيًا في الدلالة حتى يتبيّن معناه بالرجوع إلى غيره!

وقال ابن عثيمين (1/168) :
«ينبغي أن يُعلم أن التأويل عند أهل السنة ليس مذموماً كله بل المذموم منه مالم يدل عليه دليل ، وما دل عليه دليل يسمى تفسيراً سواء كان الدليل متصلاً بالنص أو منفصلاً عنه، فصرف الدليل عن ظاهره يسمى تفسيراً، فصرف الدليل عن ظاهره ليس مذموماً على الإطلاق , ومثال التأويل بالدليل المتصل ما جاء في الحديث الثابت في صحيح مسلم في قوله تعالى في الحديث القدسي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  : [إن الله  يقول يوم القيامة يا ابن آدم: مرضت فلم تعدني؟ قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده، يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني؟ قال يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي], فظاهر الحديث أن الله نفسه هو الذي جاع وهو الذي مرض , وهذا غيرُ مراد قطعاً , ففسر الحديث بنفس الحديث».

وهذا ينقض ما رسموه من وجوب الأخذ بالظاهر مطلقًا , وأنّ الظاهر لا يكون إلا حقًا , وأن خلاف الظاهر مخالفة لطريقة النبي  , وأنّ الظاهر هو ما يدلّ عليه الكلام بحسب سياقه , وأنّ الظاهر ما يسبق إلى الفهم السليم سواء كان المعنى الوضعي للفظ أم لا , وأن التأويل طاغوت يجب دفعه وليس محمودًا في حال , وأن الأخذ بالتأويل في نصوص الصفات افتراء ظاهر على صاحب الشرع!! , ويهدم انتقادهم لخصومهم واتهامهم بالافتراء على صاحب الشرع بسبب عدولهم عن الظاهر وحمل الألفاظ على المجاز , مع أنّ خصومهم لم يعدلوا عن الظاهر إلى المجاز إلا للأدلة المتصلة أو المنفصلة! .
وقارن بين قوله : «ما دل عليه السياق فهو حقيقة الكلام وظاهره مطلقا» , وقوله : «فظاهر الحديث أن الله نفسه هو الذي جاع وهو الذي مرض» , مع أنّ الحديث نفسه يبيّن أنّ العبد هو الذي مرض وجاع!! فهل يأخذ بظاهر الحديث وينسب الجوع والمرض لله تعالى أم ينقض ما أسسه؟!

واقرأ قوله في مجموع فتاواه (8/170) :
«واعلم أن النحاة خاضوا خوضًا كثيرًا في قوله : ((كَمِثْلِهِ)) ، حيث قالوا : الكاف داخلة على «المثل» ، وظاهره أن لله مثلا ليس له مثل ، لأنه لم يقل : ليس كهو ، بل قال : ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ)) ، فهذا ظاهر الآية من حيث اللفظ لا من حيث المعنى ؛ لأننا لو قلنا : هذا ظاهرها من حيث المعنى ، لكان ظاهر القرآن كفرًا!!، وهذا مستحيل ، ولهذا اختلفت عبارات النحويين في تخريج هذه الآية على أقوال...».

فكيف يكون ظاهر القرآن كفرًا من حيث اللفظ حتى احتاج إلى تخريجات النحويين له من حيث المعنى؟!! فالذين يهاجهم وينتقدهم ذهبوا إلى ما ذهب إليه هنا , وقالوا إنّ ظاهر بعض الألفاظ محال , فاحتاجوا إلى تخرجها من حيث المعنى بما يخالف ظاهر الألفاظ .
وقال أيضًا (8/377) :
«فإذا كان الله يقول: ((أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ )) [الملك: ١٦] ، فهذا ظاهره أن السماء محيطة بالله ، وهذا الظاهر باطل».

فإذا كان عند ابن عثيمين ظاهر قوله تعالى: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ)) أن لله مثلًا ليس له مثل , وظاهر قوله سبحانه: ((أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ )) أن السماء محيطة بالله , وكلاهما كفرٌ وضلال , فما بال ابن عثيمين ينقض كلام نفسه بنفسه حسن قال في فتاواه (8/265) :
«لأن من اعتقد أن ظاهر القرآن كفر وضلال فهو كافر ضال»؟!!

أم أنّ الأخذ بالظاهر يروق له متى شاء ويرفضه متى شاء , أمّا خصومه الذين وضعوا للأخذ بالظاهر أو تركه منهجًا مطردًا منضبطًا وفق قواعد علمية , فليس لهم أنْ يتركوا الأخذ بالظاهر في حال من الأحوال؟!

وهكذا حال القوم يبنون قاعدة لنصرة المسألة التي بين أيديهم ونصب أعينهم ثم يهدمونها في موضع آخر , ثم يبنون أخرى ثم يهدمونها , فأصبحت أصولهم تنقض بعضها بعضًا , وقديمًا قيل : لا بد للمبطل من التناقض!.

------------
1- أفدتُ هذين النصّين من الشيخ الأزهري

الفصل السابع
بعض الألفاظ التي يثبتها الوهابية على حقيقتها ومعانيها الوضعية



تبيّنَ مما سَبَقَ أنّ الوهابية والتيمية يُثبتون لله تعالى اللفظ على حقيقته اللغوية ومعناه الذي وضع له , ويثبتون كيفيته التي تميّزه عن غيره مع تفويضهم إياها , فهذا المعنى الحقيقي وهذه الكيفية ثابتان في الخارج , إلا أنّ المعنى يعرفونه والكيفية يجهلونها .

1- فيثبتون لله تعالى «الأذية!» الحقيقية ويجعلونها لائقة به! , قال ابن عثيمين في مجموع فتاواه (10/827) :
«قوله : [يؤذيني ابن آدم] أي : يلحق بي الأذى ، فالأذية لله ثابتة , ويجب علينا إثباتها ؛ لأن الله أثبتها لنفسه ، فلسنا أعلم من الله بالله ، ولكنها ليست كأذية المخلوق».
فهل للوهابية أنْ يبيّنوا لنا معنى هذه الأذية التي يُثبتونها لله تعالى كما بيّنوا معنى الاستواء بالاستقرار والجلوس؟ وبما أنّ معناها عندهم معلوم ويمكنهم ترجمته إلى لغة أخرى , فأي معنى سيترجمونه للأذية التي يتبتونها لله –تعالى عن إفكهم؟


2- ويُثبتون «الملل» لله تعالى على حقيقته , والملل الحقيقي هو السآمة [ابن فارس5/672] , يقول ابن عثيمين في فتاواه (1/174) :
«جاء في الحديث عن النبي  قوله : «فإنّ الله لا يمل حتى تملوا» , فمن العلماء من قال إن هذا دليل على إثبات الملل لله ، لكن ملل الله ليس كملل المخلوق ، إذ إن ملل المخلوق نقص ، لأنه يدل على سأمه وضجره من هذا الشيء ، أما ملل الله فهو كمال وليس فيه نقص ، ويجري هذا كسائر الصفات التي نثبتها لله على وجه الكمال وإن كانت في حق المخلوق ليست كمالًا».
فنقول لهم : بيّنوا معنى هذا الملل الذي تنسبونه لله تعالى وتقولون بأنّه كمال! ولو أردتم ترجمته فبماذا ستترجمونه؟


3- ويثبتون لله تعالى «الاسلتقاء», فقد اشتد نكير ابن القيم على من أنكر حديث قتادة بن النعمان في استلقاء الله تعالى –والعياذ بالله- , والذي فيه : «لما قضى الله خلقه استلقى ثم وضع إحدى رجليه على الأخرى» , فقال ابن القيم :
«إن كل واحد من هذين الأمرين أعني المنع والمعارضة ينقسم إلى درجات متعددة, فأما المنع فهو على ثلاث درجات: أحدها منع كون الرسول جاء بذلك أو قاله, الدرجة الثانية: منع دلالته على ذلك المعنى, وهذه الدرجة بعد التنزل إلى الاعتراف بكونه قاله, الدرجة الثالثة: منع كون قوله حجة في هذه المسائل , والدرجات الثلاث قد استعملها المعطلة النفاة, فأما الأولى فاستعملوها في الأحاديث المخالفة لأقوالهم وقواعدهم ونسبوا رواتها إلى الكذب والغلط والخطأ في السمع, واعتقاد أن كثيراً منها من كلام الكفار والمشركين كان النبي يحكيه عنهم, فربما أدركه الواحد في أثناء كلامه بعد تصديره بالحكاية فيسمع المحكيَّ فيعتقده قائلاً له لا حاكياً فيقول قال رسول الله، كما قاله بعضهم في حديث قتادة بن النعمان في الاستلقاء , قال: يحتمل أن يكون النبي حدَّث به عن بعض أهل الكتاب على طريق الإنكار عليهم فلم يفهم عنه قتادة بن النعمان إنكاره فقال قال رسول الله …قالوا: فلهذا الاحتمال تركنا الاحتجاج بأخبار الآحاد في صفات الله .
فتأمل ما في هذا الوجه من الأمر العظيم أن يَشتبه على أعلم الناس بالله وصفاته وكلامه وكلامِ رسوله كلامُ الرسول الحق الذي قاله مدحاً وثناءً على الله بكلام الكفار المشركين الذي هو تنقصٌ وعيبٌ , فلا يميز بين هذا وهذا ويقول قال رسول الله لِما يكون من كلام ذلك المشرك الكافر، فأي نسبة جهل واستجهال لأصحاب رسول الله فوق هذا أنه لا يميز أحدهم بين كلام رسول الله وكلام الكفار والمشركين ويميز بينهما أفراخ الجهمية والمعطلة». (الصواعق المرسلة 4/1527-1529)
فيرى أنّ تنزيه الرواة عن الخطأ والكذب أولى من تنزيه الله تعالى عن عقيدة الاستلقاء اليهودية! , مع أنّ الحديث منكر منقطع, ولا يخفى عليك ما في كلامه من التهويل المعتاد.
ونسأل ابن القيّم : هل لك أن تبيّن لنا معنى الاستلقاء الذي تُثبته كما بيّنتَ معنى الاستواء؟


4- ويُثبتون «الرِّجْل» لله تعالى على حقيقتها ومعناها الوضعي , قال ابن فارس في معجم المقاييس (2/492): «الراء والجيم واللام مُعظم بابِه يدلُّ على العُضو الذي هو رِجْلُ كلِّ ذي رِجْل. ويكون بعد ذاك كلماتٌ تشِذُّ عنه..... . فأما قولهم: تَرجّل النهار، إذا ارتفع، فهو من الباب الأوَّل... . ومما شذ عن هذه الأصول ما رواه الأُمَويّ، قال: إذا ولدتِ الغَنَم بعضُها بعد بعض قالوا: ولَّدْتُها الرُّجَيْلاَء» , فهم يُثبتون «الرِّجْل والقدم» التي يضعها في النارعلى حقيقتها ويفوّضون الكيفية التي تكتنفها وتميّزها , فقال محمد أمان الجامي في الصفات الإلهية (ص322) :
«لا تقاس قدمه بأقدام خلقه ولارجله بأرجل مخلوقاته, بل يُكتفى بالمعنى الوضعي!! للكلمة دون محاولة لإدراك حقيقة قدمه» .
ولا تغفل عن إثباتهم العين والرّجل والوجه واليد على أنها أعيان من ذات الله تعالى يتم بها الفعل , فهي أدوات للفعل قائمة بأنفسها متصلة بذات الله  , وهذا هو لب التجسيم! .

لكنّ الوهابية عندما أثبتوا وضع الله تعالى قدمه في النار حقيقة , نسوا أنّ ذلك يخالف العلوّ الحسي على العرش , فلو كانت القدم في النار حقيقة في وقت من الأوقات لما كانت على العرش , فإما أن تكون في النار وإما أن تكون على العرش , وما يكون في النار لا يكون على العرش , ولا مناص لهم من تأويل وضع القدم لو أنصفوا أنفسهم , إلا بعد توفيقهم بين الأمرين كما سيأتي في توفيق العثيمين بين المعية والنزول المستمر والعلوّ الحسي.. توفيقًا هو في حقيقته حيدة وكلام خطابي إنشائي , وهل سيكون معبودهم عندما يضع رجله في النار في جهة عدمية أم وجودية؟ وهل سيكون خارج العالم أم داخله؟! أم أنّ بعضه في جهة عدمية وبعضه في جهة وجودية؟!! تعالى الله عمّا يقولون علوًا كبيرًا .
ولو أنّهم أثبتوا الرجل كصفة , فهل من عاقل يقول أنّ للصفة موضع توضع فيه كالنار؟!


وقال ابن تيمية في بيان التلبيس (4/16-17) مستشهدًا بحديث وهب ابن منبّه دون إنكار ولا تنبيه بل تأييدًا:
« وقد روى أبو بكر الخلال في كتاب السنة أخبرني حرب حدثنا محمد بن مهدي بن مالك ثنا إسماعيل بن عبد الكريم ثنا عبد الصمد بن معقل قال سمعت وهباً فذكر من عظمة الله تعالى قال إن السموات السبع والأرضين السبع والبحار لفي الهيكل وإن الهيكل لفي الكرسي , وإن قدميه على الكرسي».
فهل من عاقل يفهم من القَدَمين هنا غير الأبعاض؟ فهل من المعقول أن يكون الكرسي موضعًا للصفات؟!


5- ويثبتون لله تعالى «صورة آدم!»على الحقيقة , فيقول التويجري:
«وهذا نص صريح في أن الله خلق الإنسان على صورة وجهه الذي هو صفة من صفات ذاته , وهذا النص لا يحتمل التأويل».( عقيدة أهل الإيمان , ص40)

ولا يخفى أن تسمية الوجه صفة -وإن أراد التويجري التترس به- يكشف عن مراوغتهم , فأي معنى لعدّ الوجه صفة وهو يعد الخبر نصاً صريحاً في أن الله خلق على صورة الوجه جارحة ووجهاً من المخلوق ذا صورة , بل أي معنى في عده وجه الله صفة مع أنه وجه له صورة صوّر عليها آدم!
بل إن التويجري ينقل هذا الإستشهاد عن ابن تيمية فيقول: «وأيضاً فهذا المعنى عند أهل الكتاب من الكتب المأثورة عن الأنبياء كالتوراة , فإن في السفر الأول منها: سنخلق بشرًا على صورتنا يشبهها». (المصدر السابق 76)
وقد سبق تأييد ابن تيمية لما في هذا النصّ من التشبيه, ولا عيب في نص التوراة : «سنخلق بشرًا على صورتنا يشبهها» عند ابن تيمية وأتباعه!.
ومن عجيب ما ذهبوا إليه أن أحدهم بعد أن استشهد بنص التوراة قال:«إذا كان حديث الصورة مما يغيظه فليغتظ بما في معناه , كقوله تعالى: ((وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)) [الرحمن: 27] , وقوله: ((وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)) [طه: 39]». (ظلمات أبي رية، عبد الرزاق حمزة)
فأي تشبيه أصرح من إثبات صورة لله عز جل على صورة آدم , مع الاستشهاد له بالتوراة وبما جاء في إضافة العين والوجه إلى الله ؟ وإذا لم يكن إثبات وجه وعين مع صورة على صورة آدم تشبيهاً فكيف يكون التشبيه؟
بل وتواقح بعضهم إلى درجة التصريح بأن الصورة هي الهيئة والشكل!! فكيف يغتر بهم بعد ذلك من له أدنى مسكة من عقل؟! (1)

بل يقول ابن عثيمين ما هو واضح في إثبات الصورة الجسمية الدالة على التركيب , فقال في شرحه على الواسطية (1/110):
«فإذا قلت: ما هي الصورة التي تكون لله ويكون آدم عليها؟
قلنا : إن الله  له وجه وله عين وله يد وله رجل  , لكن لا يلزم أن تكون هذه الأشياء مماثلة للإنسان , فهناك شيء من الشبه! لكنه ليس على سبيل المماثلة».

فيرى أنّ صورة الله تعالى مشابهة لصورة الإنسان المؤلفة من الوجه والعين واليد والرجل , لكن هذا التشابه ليس تماثلًا أي في كلّ شيء , فكما أنّ للإنسان صورة مركبة من الوجه والعين ..الخ , فكذلك لله تعالى صورة ناتجة عن ثبوت الوجه والعين واليد..الخ , إلا أنّ صورة الإنسان لا تشابه صورة الرحمن من جميع الوجوه بل من بعض الوجوه , وهذا هو التشبيه بعينه يا عباد الله , ولم يأتِ أحد في تاريخ الإسلام وأثبت التماثل بين الخالق والمخلوق من جميع الوجوه , حتى يتوهم أولئك الوهابية أنهم بنفي التماثل وإثبات التشبيه يخرجون عن دائرة المشبيهة والمجسمة.

6- ويثبتون «العين» لله تعالى كعضو باصر مع تجنبهم لفظ «العضو» بعد إثبات معناه , بحجة أنّ السلف لم يتكلموا في لفظ العضو نفيًا وإثباتًا , فيقول ابن عثيمين في مجموع فتاويه (4/58) :
«مذهب أهل السنة والجماعة أن لله عينين، اثنتين، ينظر بهما حقيقة على الوجه اللائق به , وهما من الصفات الذاتية الثابتة بالكتاب، والسنة.. . فهما عينان حقيقيتان لا تشبهان أعين المخلوقين...» .

فتأمّل قوله : «حقيقيتان» و «ينظر بهما حقيقة»!! , فهو يُثبت معنى عضو العين مع عدم إثباته لفظه , وأمّا قوله : «على الوجه اللائق به» فيقصد بذلك الكيفية التي يفوض معناها بعد إثباتها .

وقال عبد الله الجبرين في التعليقات الزكية (ص177) :
«وقد جاءت السنة بإثبات عينين لله تعالى يبصر بهما, كما في الحديث الصحيح أنه  قال: [إن ربكم ليس بأعور]!!» .

فيثبتون لله تعالى العينين كأدوات وأعضاء للإبصار.

7- ويثبتون «اليدين» الحقيقيتين لله تعالى كأدوات للفعل , مع تحاشيهم لفظ الأداة , قال ابن عثيمين (4/274) :
«إن يدي الله من صفاته الذاتية الثابتة له حقيقة , على الوجه اللائق به , يبسطهما كيف يشاء , ويقبض بهما ما شاء».
قوله : «على الوجه اللائق به» يقصد به الكيفية .
ونطالبهم أيضًا بتعريف اليدين الحقيقيتين!


8- ويثبتون «الوجه» على حقيقته, فيقول ابن القيم في مختصر الصواعق (ص 386) :
« المثال الخامس : وجه الرب جل -جلاله- حيث ورد في الكتاب والسنة فليس بمجاز بل على حقيقته ».

ولا أدري لم أنكر ابن تيمية هذا الذي يقوله أتباعه! , حيث قال في الجواب الصحيح (4/412) :
«ولا يُعرف عالم مشهور من علماء المسلمين ولا طائفة مشهورة من طوائفهم , يطلقون العبارة التي حكوها عن المسلمين , حيث قالوا عنهم : إنهم يقولون إن لله عينين يبصر بهما!! , ويدين يبسطهما , وساقاً , ووجهاً يوليه إلى كل مكان , وجنباً ، ولكن هؤلاء ركبوا من ألفاظ القرآن بسوء تصرفهم وفهمهم تركيباً زعموا أن المسلمين يطلقونه , وليس في القرآن ما يدل ظاهره! على ما ذكروه».

بل هناك طائفة مرذولة عند المسلمين هم المشبهة والمجسمة يقولون بما أنكره ابن تيمية , وابن تيمية نفسه وأتباعه يقولون به , لكنّ نزعة التنزيه غلبت عليه في ردّه على النصارى أهل التشبيه , حتى أنكر ما يثبته بنفسه!!


----------------
1 - ففي قسم الدراسة من بيان تلبيس الجهمية ط مجمع الملك فهد , ذكر عبد العزيز الراجحي في خاتمة الدراسة ما نصه :
(أن الصورة هي هيئة الشيء وشكلُه! , وأن كل موجود قائم بنفسه تصح رؤيته ومشاهدته , تكون له صورة وشكل يتميز به عن غيره , والله سبحانه أعظم موجود...
..أن القول الصواب في مرجع الضمير في قوله  : [خلق الله آدم على صورته] هو ما شهدت له الأدلة , وذهب إليه السلف من أن الضمير يعود إلى الله!).

9- ويثبتون لله تعالى «الظل» الحقيقي , الذي هو «ستر شيءٍ لشيء» [ابن فارس3/461] , ففي مجموع فتاوى ابن باز (28/402):
«س : في حديث السبعة الذين يظلهم الله  في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، فهل يوصف الله تعالى بأن له ظلا؟
ج : نعم كما جاء في الحديث ، وفي بعض الروايات « في ظل عرشه » لكن في الصحيحين [في ظله] ، فهو له ظل يليق به سبحانه لا نعلم كيفيته مثل سائر الصفات ، الباب واحد عند أهل السنة والجماعة والله ولي التوفيق» (1).

10- وكذلك يثبتون «حقيقة النزول» الذي هو : «هُبوط شيء ووقُوعه» [ابن فارس5/417] ويفوضون كيفية ذلك النزول , فيقول ابن عثيمين في مجموع فتاواه (5/189) :
«كذلك النزول إلى سماء الدنيا حينما يبقى ثلث الليل الآخر نؤمن به على أنه نزول حقيقي ، لكنه يليق بالله  لا يشبه نزول المخلوقين» .

ويقول محمد خليل هراس في تعليقه على توحيد ابن خزيمة (ص126) :
«يعني أن نزوله إلى السماء الدنيا يقتضي وجوده فوقها فإنه : انتقال من علو إلى سفل!». (2)

فربنا تبارك وتعالى يصبح في «السفل» بعد كونه في «العلو»!! , وهذا منافٍ للعلو الحسي الذي يقولون به , لأنه «انتقال من العلو» , والانتقال هو تحويل شيءٍ من مكان إلى مكان [ابن فارس 5/463] , فيكون ربنا تعالى عند نزوله متحولًا عن علوّه!! , والتحوّل إلى مكان آخر يستلزم خلوّ المكان الأول منه وإلا لم يكن تحولًا , ولذلك تجد أحد أشياخ المجسمة وهو ابن منده يَصْدق مع نفسه ويعتبر إثبات النزول مع نفي خلو العرش تأويلًا وتحريفًا , وقد صنّف كتابًا في ذلك أسماه : «الرد على من زعم أن الله فى كل مكان وعلى من زعم أن الله ليس له مكان وعلى من تأول النزول على غير النزول» , فهذا النزول لا يخلو الأمر من أن يكون انتقالًا إلى السفل مع بقائه في علوّه , وهذا ليس نزولًا في الحقيقة بل هو في لغة العرب تمدّد وتمطٍّ وانبساط , فليس هناك انتقال ولا تحول من مكان أوّل إلى مكان آخر , أو يكون النزول مع انتقاله عن علوّه وتحوّله عنه إلى السفل , فينتفي أخصّ وصف لله تعالى عند الوهابية وهو العلوّ الحسّي , فإنّ حرف «مِنْ» يفيد ابتداء الغاية المكانية , وحرف «إلى» يفيد انتهاء الغاية المكانية , فابتداء الانتقال هو العلوّ وانتهاؤه هو السّفل , وبما أنّ النزول عند الوهابية هو لذات الله تعالى , فهذا يعني تحوّل ذاته سبحانه عن علوّه ليصبح في السفل!! , وهذا واضح لا يحتاج إلى ذكاء! , أمّا الكون في العلوّ والسفل معًا فهذا ليس بنزول , لأنه يخلو من عنصر الانتقال , إلا إن أرادوا نزول بعض الذات الإلهية –تعالى الله عن ذلك- وبقاءه سبحانه في علوّه , وعندها تكون بعض المخلوقات كالعرش والسماء السابعة أعلى من ذلك البعض!!

ولا أدري هل يبقى معبودهم في جهة عدمية وخارج العالم عندما ينزل بذاته أم أنه ينتقل إلى جهة وجودية ويصبح داخل العالم؟ ولا تستبعد قيام أحدهم بالتذاكي والقول بأنه داخل العالم وخارجه وفي جهة عدمية ووجودية في آن واحد!!

أضف إلى ذلك أنّ هذا الانتقال من العلوّ هو انتقال الذات الإلهية إلى السماء الدنيا , وما أدراك ما السماء الدنيا؟! فقد صحّح مشايخ الوهابية أنّ السماوات السبع إلى الكرسي كحلقة في فلاة , وأنّ الكرسي إلى العرش كحلقة في فلاة , ومنه يُعلم صِغَرُ السماء الدنيا إلى العرش –الذي هو مستقر الرحمن عند المجسمة- , فهل يَعقل الوهابية معنى انتقال الله تعالى إلى هذه السماء الصغيرة؟ وهل يعرفون لوازم كون الله تعالى بذاته في هذه السماء الدنيا؟! ألا يعلمون أنّ هذا يستلزم كون الله تعالى أصغر من الكرسي والعرش؟ وكونه محصورًا محويًا في مكان صغير كالحلقة في فلاة؟! إلا إن قالوا أنّ النزول هو لبعض ذات الله –تعالى عن إفكهم- , وهذا يخالف نصّ الحديث القائل :«ينزل ربنا» ولم يقل «بعض ربّنا» , ولا يفيدهم نفي الحلول بعد إثبات النزول على حقيقته , لأن النزول الحسي حلول , قال ابن فارس (2/20) : «وحَلَّ: نزل , وهو من هذا الباب لأن المسافر يشُدّ ويَعقِد، فإذا نزلَ حَلّ؛ يقال حَلَلْتُ بالقوم».

وكيف يستقيم اعتقادهم بالنزول الحقيقي إلى السماء الدنيا وهم يقولون أن السماوات السبع والأرضين السبع في كف الرحمن كخردلة في يد أحدهم , فإذا كانت هذه نسبة جميع السماوات والأرضين إلى كف الرحمن , فكيف بنسبة أصغر هذه السماوات إلى الذات الإلهية؟!

ثم إنّ ثلث الليل الأخير لا يزول عن الأرض , لأن الكرة الأرضية في دوران مستمر , وإذا كانت ذات الله تنتقل من العلوّ إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير , فهذا يستلزم بقاءه في نازلًا منتقلًا إلى السفل وهو السماء الدنيا!!

ومثل هذه الإلزامات الواضحة التي لا تخفى على الأطفال , نقولها من باب التنزّل ليس إلا , لأنّ المجسمة اضطرونا إلى القول بها لنوضح لهم فساد مذهبهم , ولو سكتوا لسكتنا , لكنّهم اتخذوا منهجًا حسيًا في فهم صفات الله تعالى , فكان من الواجب محاكمتهم وفق منهجهم وأصولهم , لكنّهم وبعد أن اتخذوا هذا المنهج الفاسد يحاولون التهرب من لوازمه الواضحة الجليّة , ولا يستطيعون الجواب عمّا يرد على تصريحهم بالمعنى الحسي , فيقول ابن عثيمين في مجموع فتاواه (8/400) :
«يقولون: كيف تقولون: إن الله ينزل؟ إذا نزل؛ أين العلو؟ وإذا نزل؛ أين الاستواء على العرش؟ إذا نزل؛ فالنزول حركة وانتقال. إذا نزل؛ فالنزول حادث، والحوادث لا تقوم إلا بحادث.
فنقول: هذا جدال بالباطل، وليس بمانع من القول بحقيقة النزول, هل أنتم أعلم بما يستحقه الله  من أصحاب الرسول  ؟ فأصحاب الرسول  ما قالوا هذه الاحتمالات أبدا؛ قالوا: سمعنا وآمنا وقبلنا وصدقنا. وأنتم أيها الخالفون المخالفون تأتون الآن وتجادلون بالباطل وتقولون: كيف؟ وكيف؟ نحن نقول: ينزل، ولا نتكلم عن استوائه على العرش؛ هل يخلو منه العرش أو لا يخلو؟ أما العلو؛ فنقول: ينزل، ولكنه عال  على خلقه؛ لأنه ليس معنى النزول أن السماء تقله، وأن السماوات الأخرى تظله؛ إذ إنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته. فنقول: هو ينزل حقيقة مع علوه حقيقة، وليس كمثله شيء» .

وهذا هروب وحيدةٌ واضحة عن الجواب , لأنّ الذي يسألكم هذه الأسئلة فبناء على تصريحكم بانتقال الله تعالى من العلوّ إلى السفل , وهذا لم يقل به أحد من الصحابة الكرام ولا تابعيهم , فهل أنتم أعلم بما يستحقه الله  من أصحاب الرسول  ؟ فأصحاب الرسول  ما قالوا هذه المعاني أبدًا؛ قالوا: سمعنا وآمنا وقبلنا وصدقنا , وأنتم أيها الخالفون المخالفون تأتون الآن وتجادلون بالباطل وتقولون بأنّ نزول الله تعالى انتقال من علوّ إلى سفل!! , تعالى الله عن قولكم علوًا كبيرًا , وتصرحون كذلك بأنّ هذا النزول يعقبه صعود!! , فقال ابن القيم:
«ذكر عبد الله بن أحمد في كتاب السنة من رواية حجاج عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير قال: ينزل الرب  شطر الليل إلى السماء , فيقول: من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له , حتى إذا كان الفجر صعد الرب ». (اجتماع الجيوش 163 و170)
وأمّا قوله : «نحن نقول: ينزل، ولا نتكلم عن استوائه على العرش؛ هل يخلو منه العرش أو لا يخلو» , فمجرّد تلبيس مكشوف , فقد قال ابن عثيمين نفسه بعد هذه الجملة بأسطر يسيرة (8/401) :
«وإذا كان علماء أهل السنة! لهم في هذا ثلاثة أقوال: قول بأنه يخلو، وقول بأنه لا يخلو، وقول بالتوقف.
وشيخ الإسلام رحمه الله في «الرسالة العرشية» يقول: إنه لا يخلو منه العرش (3)؛ لأنّ أدلة استوائه على العرش محكمة، والحديث هذا محكم، والله  لا تقاس صفاته بصفات الخلق؛ فيجب علينا أن نبقي نصوص الاستواء على إحكامها، ونص النزول على إحكامه، ونقول: هو مستو على عرشه، نازل إلى السماء الدنيا، والله أعلم بكيفية ذلك، وعقولنا أقصر وأدنى وأحقر من أن تحيط بالله . القول الثاني: التوقف؛ يقولون: لا نقول: يخلو، ولا: لا يخلو. والثالث: أنه يخلو منه العرش» .

فهو نفسه قد نقل عن علماء أهل السنة –بزعمه- ثلاثة أقوال في هذه المسألة؟ فكيف له أن ينكر خوضهم في هذه المسألة؟! وينكر على خصومه إلزامه بهذه الأقوال على طريقته وقواعده؟!! مع أنّ الذين أوردوا عليهم هذه الإلزامات لم يوردوها ابتداء وإنما تنزلًا وإلزامًا لهم وفق مذهبهم وقواعدهم , وفي الحقيقة أنّ القائلين منهم بأنّه ينزل ويخلو منه العرش واضحون صريحون مع أنفسهم , لأنّ النزول هو انتقال من مكان إلى مكان , أما القائلون بالتوقف فقد اختاروا التجاهل الذي هو نوع جهل , ومثل هذا التجاهل لا يقبل منهم بعد تصريحهم بالعلوّ الحسيّ والنزول الحقيقي من علوّ إلى سفل , فكان الواجب عليهم التوقف من أول الأمر بدلًا من مناقضة الفطرة والعقل , وأمّا تناقض القائلين بأنّه ينزل ولا يخلو منه العرش فهو أوضح من أنْ يبيّن , لأنهم يصرّحون بالعلوّ الحسي وبالنزول الحسيّ في نفس الوقت , وقد ذكرتُ أنّ كون انتقاله –سبحانه- إلى السماء الدنيا انتقالًا حسيًا مع بقاءه في العلو الحسي ليس نزولًا بل هو تمدد وتدلٍ , واختلاف هؤلاء أنّه ينزل ويخلو منه العرش أم لا فرعٌ عن إثباتهم امتلاء العرش بذات الله -تعالى الله عن ذلك- وشغله للعرش, وإلا فما معنى «يخلو ولا يخلو»؟!

ثم طرح ابن عثيمين إلزامًا على لسان خصومه , لكنّه تهرب منه أيضًا وحاد عن الإجابة عليه كما حاد عن الإجابة على الإلزامات السابقة , فقال (8/401-402) :
«وأورد المتأخرون الذين عرفوا أن الأرض كروية وأن الشمس تدور على الأرض إشكالا؛ قالوا: كيف ينزل في ثلث الليل؟ وثلث الليل إذا انتقل عن المملكة العربية السعودية؛ ذهب إلى أوربا وما قاربها؟ أفيكون نازلا دائما؟
فنقول: آمن أولا بأن الله ينزل في هذا الوقت المعين ، وإذا آمنت؛ ليس عليك شيء وراء ذلك، لا تقل كيف؟ وكيف؟ بل قل: إذا كان ثلث الليل في السعودية؛ فالله نازل، وإذا كان في أمريكا ثلث الليل؛ يكون نزول الله أيضا، وإذا طلع الفجر؛ انتهى وقت النزول في كل مكان بحسبه» .

وهذا -كما هو واضح- التفاف على الإشكال بكلام خطابي إنشائي , فتأمل قوله : «آمن أولا بأن الله ينزل في هذا الوقت المعين ، وإذا آمنت؛ ليس عليك شيء وراء ذلك!!» , فيطلب منك أن تؤمن بالحديث على فهمه هو ثم يُلزمك بتجاهل مخالفة فهمه للفطرة والمعقول والحقائق العلمية! , فليس عليك من حصول التناقض في نفسك بعد تسليمك لفهمه للحديث! , وهذا لا يختلف عن طريقة النصارى الذين يُلزمون أتباعهم بالإيمان بعقائدهم التي ينقض بعضها بعضًا وتناقض عقول البشرية , حيث يقولون لمن أراد الاستماع لهم : [اخلع نعلك] ويقصدون بذلك العقل!! , مع أنّ العقل يأبى قبول كون الإله واحدًا في ثلاثة وثلاثة في واحد في نفس الوقت! , لكنّهم يقولون لأتباعهم آمنوا بهذا وليس عليكم شيء وراء ذلك , فقط عليكم أن تسلّموا لأقوالنا وفهمنا!! .

ثم إنّ تكراره : «لا تقل كيف وكيف؟» ليس في محله , لأن الذين يُلزمونه بتلك الإلزامات لم يسألوه عن الكيفية , بل سألوه عن الحقيقة التي أثبتها بنفسه , فظنّ أنّه بهذا الكلام الخطابي قد أجاب , مع أنه حاد وهرب عن الجواب!.

وقد وُجّه هذا الإلزام إلى الألباني فحاد عن الجواب كما فعل صديقه ابن عثيمين , ثم أساء الأدب مع الله تعالى وتكلّم بكلام قبيح في حقّ الله  , جاء في موسوعته في العقيدة (7/673) :
«سؤال: شيخ، لو سمحت شرح حديث النزول مع الإشارة إلى أن ثلث الليل الأخير يتغير من منطقة إلى منطقة.
الشيخ: هذا سؤال أخي قائم على المادة وما يشكل على المادة لا يشكل على خالق المادة، والآن هذا السؤال أنا أقول دائماً أبداً: هل يمكن لعالم مهما أوتي علماً وفطنة إنه يكون أربعة خمسة الآن بيتكلموا معي أو مع ذاك العالم الذي أنا خيلت لكم إياه آنفاً، بيفهم من هون، وبيفهم من هون، وبيعطي جواب لهذا وبيعطي جواب، ممكن هذا؟ سؤالك يشبه هذا؛ لأنه سؤالك عن الخالق، خالق المادة فلا يقاس الخالق على المخلوق، ولا تجري على الخالق أحكام المخلوق حتى أنت تقول: هذا إشكال، صحيح أنه ثلث الليل كل لحظة في ثلث ليل، مو بس يعني نستطيع أن نقسم الكرة الأرضية أربعة أقسام مثلاً، مثل ما بيقولوا بالنسبة لطلوع الشمس وغروبها: كل لحظة في طلوع، كل لحظة في غروب صح؟
الملقي: نعم.
الشيخ: طيب، لكن علام الغيوب، هاللي هو نظم هذا الكون، وأخبرنا أنه ينزل في كل ليلة , هو بيعرف يُدِّبر حاله!! يا جماعة هه.
مداخلة: ههه.
الشيخ: فليش شايلين هَمّ إنتو، سبحان الله».

وبغض النظر عمّا في الجواب من سؤء أدبٍ مع الله تعالى , فهو جواب ظاهر البطلان , لأنّ مَن أثبت النزول على معناه الوضعي وحقيقته اللغوية , فقد أثبت لله تعالى نزولًا مادّيًا , إذ لفظ النزول في لغة العرب موضوع بإزاء النزول المادّي , وهو الانتقال والهبوط من أعلى إلى أسفل , فعندما استعمل العربُ لفظ النزول على حقيقته استعملوه لما يتعاملون معه من المادّة والجسمانيات , والوهابية يحملون النزول على حقيقته اللغوية ومعناه الوضعي الموضوع بإزاء المادّيات , ويعتقدون في هذا النزول الحقيقي أنّه هبوط إلى جسم مادّي وهو السماء الدنيا , وقد سبق قبل صفحات اختلافهم في خلوّ العرش –وهو جسم ماديّ- حال النزول إلى السماء الدنيا –وهي جسم مادّي- , فليس له أن يتهرب مما يلزمه على النزول بالمعنى الحقيقي الذي يقولونه, وبمثل هذا الهروب والحَيدة يمكن لخصم الألباني -الذي يُثبت وجود الله تعالى في كلّ مكان حقيقة- أن يتهرّب ويحيد عمّا يلزمه , فجاء في نفس الموسوعة السابقة (2/62) :

« يقولون الله موجود في كل مكان، الله أكبر من كل شيء، وكان ولا شيء معه، شلون حشرتوه بهالكون؟ حتى بيقول قائلهم:
وما اللهُ في التمثالِ
إلا كثلجةٍ بها الماءُ

تقدِر تفرق بين الثلج والماء؟! هيك الله عند هؤلاء، هذا كفر!، إن الله في القرآن الكريم غني عن العالمين، هنا حصروه في هذا الكون مثل دودة القزّ، دودة الحرير بتلف على نفسها، تحفر نفسها تنخنق وتموت، إن الله غني عن العالمين، هذول مؤمنين من جهة، كفّار من جهة».

فيمكن للقائل بأن الله في كلّ مكان حقيقة –تعالى وتقدّس عن ذلك- أنْ يتهرّب ويقول للألباني:
[هذا إلزام قائم على المادة وما يشكل على المادة لا يشكل على خالق المادة , فلا يقاس الخالق على المخلوق، ولا تجري على الخالق أحكام المخلوق , هل يمكن لعالم مهما أوتي علماً وفطنة إنه يكون أربعة خمسة الآن بيتكلموا معي أو مع ذاك العالم الذي أنا خيلت لكم إياه آنفاً....الخ] .

وليس للألباني أنْ يرفض هذا الجواب , لأنّه يُثبت لله نزولًا حقيقيًا إلى السماء الدنيا , وهو انتقال من أعلى إلى أسفل , نزول إلى جسم مادّي وهو السماء الدنيا, بل بإمكان هذا القائل أنْ يردّ على الألباني بنفس كلامه فيقول له :
[الله أكبر من كل شيء، وكان ولا شيء معه، شلون حشرتوه بجزء صغير من هالكونكالسماء الدنيا؟ هنا حصرتموه في هذا جزء صغير من هذا الكون وهو السماء الدّنيا مثل دودة القزّ، دودة الحرير بتلف على نفسها، تحفر نفسها تنخنق وتموت].

وبأي شيء يجيب الألباني يمكن لهذا القائل أن يلزمه بمثله! بل حجّته تكون أقوى من حجّة الألباني , لأنّ الألباني يُثبت النزول إلى السماء الدنيا , وهي جزء صغير جدًا من الكون , أمّا هذا القائل فيقول بوجود الله تعالى في جميع الكون على سعته وعظمته , تعالى الله عن كلا القولين علوًا كبيرًا , ولا تغفل عن معنى «الله أكبر» عند الألباني في قوله : «الله أكبر من كل شيء، وكان ولا شيء معه، شلون حشرتوه بهالكون» , حيث يرى أنّ الكبر هنا هو كبر حجميّ حسيّ فجعله دليلًا على استحالة حلول الله في الكون, أي لأن الله تعالى أكبر من الكون فمن المحال أن يوجد فيه, وقد سبق بيان اعتقاد الوهابية أنّ الله تعالى كبير من حيث الحسّ والحجم (4).

ولا أريد التطويل في الكلام عن فهمهم للنزول وبيان مفاسده , فهي واضحة ظاهرة للعيان , لكنْ لا بد من التنبيه إلى جملة من كلام ابن عثيمين والإشارة إلى فسادها , فقد قال في مجموع فتاواه (8/398) :
«نزوله تعالى حقيقي؛ لأنه كما مر علينا من قبل: أن كل شيء كان الضمير يعود إلى الله؛ فهو ينسب إليه حقيقة» .
وهذه قاعدة لا يلتزم بها هو نفسه , لأنّ الله تعالى أضاف النسيان إلى نفسه فقال سبحانه : ((نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ)) [التوبة: ٦٧], والوهابية لا يثبتون النسيان لله تعالى , وقد أضاف الله تعالى الروح لنفسه والوهابية لا يثبتون الروح كصفة , لكنّ الرجل لمّا أراد نصرة المسألة التي تحت يديه , لم يبال بمناقضة نفسه بنفسه , فالمهم أن يضع قاعدة لتثبيت قوله في المسألة محل البحث , حتى وإن اضطر لاحقًا إلا تقييدها أو الاستثناء منها أو نسخ بعض أفرادها أو عدم اعتبارها في بعض المواطن!.

لكنني سوف أعطيه مثالين قريبين من حديث النزول , كانت الإضافة فيهما إلى الله تعالى , لكنّ المقصود بها غير ذلك:

المثال الأول : قال تعالى : ((وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ)) [البقرة: ١٤٣].
قال الإمام الطبري في تفسيرها (3/158) :
«إن الله جل ثناؤه هو العالم بالأشياء كلها قَبل كونها، وليس قوله: ((وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ)) يخبر عن أنه لم يعلم ذلك إلا بعد وجُوده. فإن قال: فما معنى ذلك؟
قيل له : أما معناه عندنا، فإنه: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ليعلم رَسولي وحزبي وأوليائي!! مَنْ يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، فقال جل ثناؤه:« إِلَّا لِنَعْلَمَ» ، ومعناه: ليعلمَ رَسولي وأوليائي , إذْ كان رسول الله  وأولياؤهُ من حزبه، وكان من شَأن العرب إضافة ما فعلته أتباعُ الرئيس إلى الرئيس، ومَا فعل بهم إليه، نحو قولهم: «فتح عُمر بن الخطاب سَوادَ العراق، وجَبى خَرَاجها»، وإنما فعل ذلك أصحابه، عن سببٍ كان منه في ذلك, وكالذي رُوي في نظيره عن النبي  أنه قال: يقول الله جل ثناؤه: مَرضْتُ فلم يَعدني عَبدي، واستقرضته فلم يقرضني، وشتمني ولم يَنبغِ له أن يُشتمني».
فقد أضاف الله تعالى العلم لنفسه فقال :« إِلَّا لِنَعْلَمَ» », لكنّ الطبري لم ينسبه إلى الله تعالى حقيقة بل قال : «إلا ليعلم رَسولي وحزبي وأوليائي», ومثله يقال في حديث النزول .

المثال الثاني : قال تعالى : ((فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ)) [القيامة: ١٨], فقد أضاف الله تعالى القراءة لنفسه , مع أنّ الذي يقرأ هو جبريل  , ومثله يقال في حديث النزول .

ولم يستطع أحد الوهابية حتى الآن الإجابة بصراحة عن كون معبودهم حال النزول هل هو في جهة عدمية أم وجودية , وهل هو خارج العالم أم داخله؟!

-----------------------
- ردّ ابن عثيمين عقيدة الظل هذه واعتبرها باطلة , ففي مجموع فتاواه (8/497) :
(وقوله : " لا ظل إلا ظله " ؛ يعني : إلا الظل الذي يخلقه ، وليس كما توهم بعض الناس أنه ظل ذات الرب  ؛ فإن هذا باطل ؛ لأنه يستلزم أن تكون الشمس حينئذ فوق الله ).
واعتبر من أثبته لله تعالى أبلد من حمار! , فقال في شرح رياض الصالحين (3/347) :
( وليس المراد ظل نفسه جل وعلا , لأن الله نور السماوات والأرض , ولا يمكن أن يكون الله ظلًا من الشمس , فتكون الشمس فوقه وهو بينه وبين الخلق , ومن فهم هذا الفهم فهو بليد أبلد من الحمار!).
فأي الفريقين على مذهب السلف المزعوم؟!!
2- أئمة السلف ينزهون الله تعالى عن النزول بالمعنى الذي يعتقده الوهابية ؛
فيقول الإمام الطبري في "التبصير في معالم الدين" في الرد على المعتزلة (ط1 دار العاصمة , ص145) : (فإن زعم أن الفرق بينه وبينه أنّ المَلَك خلق لله جائز عليه الزوال والانتقال , وليس ذلك على الله جائزًا , قيل له : وما برهانك على أن معنى المجيء والهبوط والنزول هو النقلة والزوال، ولا سيما على قول من يزعم منكم أن الله -تقدست أسماؤه- لا يخلو منه مكانٌ؟!) , فهو ينزه نزول الله تعالى عن النقلة والزوال .
- وكذلك فعل في تفسير آية الاستواء , حيث قال في تفسيره : (1/457) : (فيقال له : زعمت أن تأويل قوله { استوى } أقبلَ ، أفكان مُدْبِرًا عن السماء فأقبل إليها ؟ فإن زعم أنّ ذلك ليس بإقبال فعل ، ولكنه إقبال تدبير ، قيل له : فكذلك فقُلْ : علا عليها علوّ مُلْك وسُلْطان، لا علوّ انتقال وزَوال) .
- وقال الإمام ابن حبان في صحيحه –وهو من السلف الصالح- (الإحسان بترتيب ابن حبان 2/136 ) : (كذلك ينـزل - يعني الله - بلا آلةٍ ولا تحركٍ ولا انتقالٍ من مكانٍ إلى مكان) .
3- وبمثل هذا صرّح الألباني , فجاء في موسوعته في العقيدة (7/672) :
( إشارة منه إلى تحقيق أن نزوله تعالى ليس كنزول المخلوق، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا دون أن يخلو منه العرش ويصير العرش فوقه، وهذا مستحيل بالنسبة لنزول المخلوق الذي يستلزم تفريغ مكان وشغل آخر، وهذا الذي أشار إليه إسحاق هو المأثور عن سلف الأمة وأ ئمتها أنه تعالى لا يزال فوق العرش, ولا يخلو العرش منه, مع دنوه ونزوله إلى السماء, قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو الصواب).
4- قال الألباني في موسوعته السالفة 6/431 : (فإذاً لا فرق بين من يقول الله في الأرض أو الله في السماء؛ لأن الله أكبر من كل ذلك) .
وهذا قياس حجمي بين الله تعالى وبين الأرض والسماء.

11- ويثبتون لله تعالى : «النزول إلى الأرض!!»:
ومما أشار إلى إثباته ابن تيمية (1) , واستدل به ابن القيم خبر عن ابن عباس -رضي الله عنهما- , قال ابن القيم:
«قول إمامهم –المفسرين- ترجمان القرآن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-..وذكر البخاري عنه في صحيحه أن سائلاً سأله فقال : إني أجد أشياء تختلف علي , أسمع الله يقول: ((أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا)) [النازعات: 27 ]-إلى قوله – ((وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا)) [النازعات: 30], فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض , ثم قال في آية أخرى: ((قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ)) [فصلت: 9 ] ,- إلى أن قال-: ((ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ)) [فصلت: 11] , فذكر هنا خلق الأرض قبل السماء , فقال ابن عباس : أما قوله : ((أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا)) فإنه خلق الأرض قبل السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات , ثم نزل إلى الأرض فدحاها , وهذه الزيادة وهي قوله : [ثم نزل إلى الأرض] ليست عند البخاري وهي صحيحة ».( اجتماع الجيوش 158)

12- ويثبتون لله تعالى الاستواء على العرش لا بمعنى علوّ الملك والسلطان لكن بمعنى العلوّ الحسي!, بل قد غلا كثير منهم ففسره «بالاستقرار», بل وزادوا غلوًا على غلوّهم ففسروه «بالجلوس»!!
جاء في كتاب «قدوم كتائب الجهاد» لعبد العزيز الراجحي وبتقديم صالح الفوزان –عضو هيئة كبار العلماء بالسعودية- (ص101- ط1 الصميعي) بعدما نقل كلامًا في تفسير الاستواء بالجلوس –والعياذ بالله- :
«وهذا كلامٌ صحيح لا غبار عليه , نعم وهل يكونٌ الاستواء إلا بجلوس!!, وهذا من معاني الاستواء , فإنّ الاستواء في اللغة له عدة معان , ويُعرفُ كلُّ معنى بحسب اللفظ , ومن سياق الآية عرفنا أن المقصود بقوله تعالى: ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)) [طه: 5] , أي على العرش علا وجلس , لكن على ما يليق بجلاله جل وعلا , لا نكيفُ ذلك ولا نؤوله ولا نعطله ولا نمثله , وهذا معنى قول الإمام مالك رحمة الله : الاستواءُ معلوم , أي نعرفه من لُغتنا وهو : العلو والارتفاع والجلوس والاستقرار» (2).

ومن المضحك قوله : «لا نكيّف ذلك» لأن الجلوس كيفية وهيئة , وتفسير الاستواء بالجلوس تكييف له , ولا ينفعه بعد ذلك أن يقول : «لكن على ما يليق بجلاله جل وعلا» لأنّه أثبت أمرًا لا يليق بجلال الله تعالى.

مع أنّ الاستقرار منبئ عند العرب عن سبق اضطراب واعوجاج , والجلوس يكون عن نوم واضطجاع , قال ابن فارس (1/473) : «يقال جلس الرجل جلوسًا ، وذلك يكون عن نوم واضطجاع» , وهذا لا يليق بالله تعالى.
والعرش عند العرب هو سرير الملك , قال ابن فارس (4/264) : «قال الخليل: العرش: سرير الملك» , ولا يكون السرير عرشًا إلا إذا كان واسعًا بالنسبة لمن يستقر عليه , فإذا قاربه في القدْر سُمّي كرسيًا ولا يصحّ أن يسمّى عرشًا , ولم يُعرف في لغة العرب تسمية موضع الجلوس والاستقرار بالعرش إلا لما كان أعظم في المقدار ممن يجلس عليه , فمن أثبت الاستقرار والجلوس على العرش فقد جعل العرش أكبر من معبوده , فإن أنكر ذلك فقد أنكر كونه استقرارًا على عرش!

وقد رجع محقق كتاب السنّة إلى فطرته التنزيهية عندما علّق على خبر الجلوس قائلًا :
«أما القول بأن الإستواء لا يكون إلا بجلوس , فليس هذا من مذهب السلف , بل مذهب السلف بخلافه , ومن هنا نقول إن هذه العبارة أقرب إلى التجسيم وتشبيه الخالق بالمخلوق». (هامش السنة 1/106)
فهاهنا غلبت عليه فطرة تنزيه الله تعالى عن الجلوس والتشبيه والتجسيم , إلا أنّ نزعة التشبيه التي رضعها طغت على فطرته في موضع آخر عندما قال عن الجلوس : «نعم السلف لا ينكرون ذلك لأن الله ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)) الشورى: 11 »!!

ولا أدري كيف يصح لمن يثبت الاستقرار والجلوس على العرش أن يقول إن الله تعالى في مكان عدمي غير وجودي!! ما هذا إلا قمة التناقض الذي يطيش فيه القوم , متوهمين أنهم متبعون للسلف الصالح والسلف منهم أبرياء.

فنقول لهم : إنّ الباري تبارك وتعالى لو أراد خلق الآلاف من العروش بحيث يكون كلّ منها أعظم من العرش الحالي بآلاف المرات بحيث يكون هذا العرش بالنسبة لأحدها كالخردلة في يد الإنسان , لفعل ذلك ولم يعجز عنه ((إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)) [يس: 82], فكيف يُعقل أن يكون الخالق -جلّ وعز- مستقرًا جالسًا على مثل هذا العرش الصغير؟! فإن استقرار الشيء العظيم على الشيء الحقير لا يسمى استواء , بل لا بد من المقاربة في المقدار بين الأمرين , فاستقرار الجبل الكبير على الذرة الصغيرة ليس استواء في لغة العرب.

أضف إلى ذلك أنّ الكِبَر والعظمة الحسيّة أمرٌ نسبي , فما هو عظيم بالنسبة للعصفور فهو صغير بالنسبة للإنسان , وما هو عظيم بالنسبة للإنسان فهو صغير بالنسبة لحملة العرش , وما هو عظيم بالنسبة لحملة العرش فهو صغير بالنسبة لخالق العرش , أفيكون خالق العرش مستقرًا على شيء صغير من خلقه؟! ومهما تصوّرت العرش كبيرًا عظيمًا فإن الله تعالى أعظم وأكبر!! .(3)

وقد ذكر الله تعالى الاستواء في سبعة مواضع في كتابه العزيز , ولو كان الجلوس أو الاستقرار من معانيه لذكره الله سبحانه ولو في موضع واحد! فتحريف «الاستواء» إلى «الاستقرار» كتحريف اليهود قوله تعالى : «حطة» إلى قولهم : «حنطة».

13- ويثبتون لله تعالى «الطواف في الأرض!», فقد أخرج عبد الله بن أحمد بسنده عن لقيط بن عامر حديثاً طويلاً في البعث والموقف، وفيه أن رسول الله  قام في الناس خطيباً فقال: «...ثم تبعث الصيحة فلَعَمْر إلهك ما تدعُ على ظهرها من شيء إلا مات والملائكة الذين مع ربك  فأصبح ربك يطوف في الأرض وخلت عليه البلاد فأرسل ربك  السماء.. قلت يا رسول الله فما يعمل بنا ربنا -جل وعز- إذا لقيناه ؟ قال تعرضون عليه بادية له صفحاتكم لا تخفى عليه منكم خافية فيأخذ ربك  بيده غرفة من الماء فينضح قِبَلكم بها فلعمر إلهك ما يخطىء وجه أحدكم منها قطرة..». (السنة 2/485(11120) , وسنده ضعيف جدًا)

وقد فرح وابن القيم بهذا الحديث, فقال محتجًّا به معظّمًا شأنه وكأنّه من أصول الدين الكبرى:
«هذا حديث كبير جليل تنادي جلالته وفخامته وعظمته على أنه قد خرج من مشكاة النبوة , لا يعرف إلا من حديث عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدني رواه عنه إبراهيم بن حمزة الزبيري , وهما من كبار علماء المدينة ثقتان محتج بهما في الصحيح , احتج بهما إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري, ورواه أئمة أهل السنة في كتبهم وتلقوه بالقبول وقابلوه بالتسليم والانقياد , ولم يطعن أحد منهم فيه ولا في أحد من رواته, فممن رواه الإمام ابن الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل في مسند أبيه وفي كتاب السنة... ومنهم الحافظ الجليل أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل في كتاب السنة له، ومنهم الحافظ أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان العسال في كتاب المعرفة، ومنهم الحافظ أبو محمد عبدالله بن محمد بن حيان أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب السنة، ومنهم الحافظ أبو عبدالله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مندة حافظ أصبهان، ..وجماعة من الحفاظ سواهم يطول ذكرهم.
وقال ابن مندة روى هذا الحديث محمد بن إسحاق الصنعاني وعبدالله بن أحمد بن حنبل وغيرهما وقد رواه بالعراق مجمعِ العلماء وأهل الدين جماعةٌ من الأئمة منهم أبو زرعة الرازي وأبو حاتم وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل ولم ينكره أحد ولم يتكلم في إسناده , بل رووه على سبيل القبول والتسليم , ولا ينكر هذا الحديث إلا جاحد أو جاهل أو مخالف للكتاب والسنة , هذا كلام أبي عبد الله بن منده.
..وقوله: [فيظل يضحك] هو من صفات أفعاله سبحانه وتعالى التي لا يشبهه فيها شيء من مخلوقاته كصفات ذاته، وقد وردت هذه الصفة في أحاديث كثيرة لا سبيل إلى ردها كما لا سبيل إلى تشبيهها وتحريفها.
وكذلك: [فأصبح ربك يطوف في الأرض] هو من صفات فعله كقوله: ((وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا)) [الفجر: 22 ], ((هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ)) [الأنعام: 158] , و: [ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا] ,..والكلام في الجميع صراط واحد مستقيم , إثبات بلا تمثيل بلا تحريف ولا تعطيل.
وقوله: [فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلكم] فيه إثبات صفة اليد له سبحانه بقوله , وإثبات الفعل الذي هو النضح».( زاد المعاد 3/677-682)

ولا بد من التحذير من أسلوبه , فقد جمع لهذا الحديث أوصافاً لا يسع العامي معها إلا أن يظن أنه أصل من أصول الدين. وعند التحقيق يتبين أن لا شي من هذه الأوصاف يصدق على هذا الحديث , فمن عدَّهم من كبار علماء المدينة لا يعدون في علمائها بل ولا من حفاظها، ومَن عدهم أئمةَ أهل السنة لا تجد فيهم مالك بن أنس ولا الشافعي ولا البخاري، بل تجد فيهم المولعين بجمع الأخبار التي تصنف تحت عنوان السنة، وتحت هذا العنوان ما تحته من أمثال هذا الخبر, فإذا كان من ذكره هم الذين قابلوه بالتسليم والانقياد ,فلا يتابعون على الانقياد والتسليم لخبر جُلُّ رجاله مجهولون.

ودونك ما يعده ابن القيم خارجاً من مشكاة النبوة فيثبت به قوله: [فيظل يضحك] ويعده من صفات أفعاله سبحانه وتعالى وكذلك: [فأصبح ربك يطوف في الأرض] هو من صفات فعله.

ثم إذا كان الخالق يطوف في الأرض وتخلو عليه البلاد , فكيف نجمع بين ذلك وبين رأي ابن تيمية الذي أراد أن يتخلص من كثير من إلزامات الرازي , معتمداً على نظريته في الحيز التي يفرق فيها بين الحيز الوجودي والحيز العدمي, والأول مختص بالمخلوق وهو ما في داخل العالم من الأحياز , والثاني مختص بالخالق وهو خارج العالم؟
فإذا كان يطوف في الأرض فهو في هذه الأحياز الوجودية , فيلزم الإلزامات التي ذكرها الرازي , ويلزم كونه شاغلاً لقدر من أحياز العالم الوجودية دون الكل , ويلزم الكون في جهة غير جهة الفوق بل الكون في الجهات الست معاً , لأنه سيكون بعض البلاد التي يطوف بها عن يمينه وبعضها عن شماله.


فإن قيل: إن طوافه في الأرض ليس كطواف الأجسام فلا يلزم منه ذلك لأنها لوازم الجسم.
قيل: إذا كان الطواف في الأرض لا يلزم منه شغلُ قدر من الفراغ ولا الكون في الجهات الست, فكيف لزم من قوله تعالى: ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)) [طه: 5] , إثباتُ جهة الفوق والإشارة الحسية إليه , وهي من لوازم الجسم أيضاً؟ ثم هذه اللغة التي تدل على أن الطواف في الأرض لا يلزم منه شغلُ قدر من الفراغ ولا الكون في الجهات، بأيّ دلالة أو أسلوب تدل على ذلك , ولا تدل على أن الاستواء لا يلزم منه لوازمه التي ذكرتم ؟(4)


-------------------
- قال في مجموع الفتاوى 16/107: (وكذلك ما ورد من نزوله يوم القيامة في ظلل من الغمام ومن نزوله إلى الأرض لما خلقها ومن نزوله لتكليم موسى وغير ذلك كله من باب واحد كقوله تعالى (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام) وقوله (وجاء ربك والملك صفا صفا) والنفاة المعطلة ينفون المجيء والاتيان بالكلية).
2- كتب الأخ ياسين العلوين جملة من تناقضات الوهابية في إثبات الصفات العينية , وسأذكر في الهوامش بعضها , منها أنّ ابن تيمية وابن القيم وكثير من مشايخ الوهابية فسّروا الاستواء بالجلوس –والعياذ بالله- كعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في فتح المجيد ص485 , ومحمد بن إبراهيم آل الشيخ في مجموع فتاواه ص136 , وعبد الرحمن بن ناصر السعدي في الأجوبة السعدية ص147 , وابن عثيمين في مجموع الفتاوى 1/135 .
لكنّ الله تعالى أنطق بعضهم بالحق والصدق حيث أنكروا ذلك التفسير واعترفوا ببطلانه , فمن ذلك ما جاء في شرح لمعة الاعتقاد للفوزان ص305 : (فضيلة الشيخ وفقكم الله , ما رأي فضيلتكم في من يقول : إن استوى بمعنى جلس , هل يعدّ من التأويل ؟
الجواب : هذا باطل , لأنه لم يرد تفسيره بالجلوس , ونحن لا نثبت شيئًا من عند أنفسنا).
فليس أهل السنة وحدهم من يقولون ببطلان تفسير الاستواء بالجلوس , فها هو أحد مشايخهم أنطقه الله بالصواب ليكون حجة عليهم.
بل اعتبر ابن جبرين أنّ نسبة تفسير الاستواء بالجلوس إليهم كذب عليهم!! , ففي (الجواب الفائق في الرد على مبدل الحقائق) ما نصّه :
(خامسًا : نسبة الجلوس إلى أهل السنة كذب عليهم
..ولا أذكر في كتب السلف التفسير بالجلوس , فنسبته إلى أهل السنة وأئمة الدعوة كذب عليهم).
وتجد الألباني في موسوعته في العقيدة 6/343 : (فالظاهر أنه لاحظ ما في متنه من النكارة، وهي نسبة الجلوس إلى الله تعالى، وبين الجنة والنار!! وهو مما لم يرد في شيء من الأحاديث الصحيحة. فمتنه حري بالوضع) .
وكذلك نَجِدُ ابن تيمية وابن القيم يفسران الاستواء بالاستقرار والجلوس كما سبق نقله , وتبعهم مشايخ الوهابية في ذلك , كابن عثيمين في شرح الواسطية 1/375 , وابن جبرين في التعليقات الزكية 1/211 , والفوزان في شرح لمعة الاعتقاد ص91, والسعدي في الأجوبة السعدية ص147 .
لكنّ الدكتور بكر أبو زيد لمّا رأى شناعة هذه العقيدة وما فيها من تكييف وتشبيه , حاول إنكار ثبوتها عن مشايخهم , فقال في معجم المناهي اللفظية ص91 :
(استقر على العرش : نَسَب بعض الأفاكين إلى شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى- أنه يثبت استقرار الله على العرش! , وهذه النسبة افتراء عليه –رحمه الله تعالى- , ومعتقده معلوم مشهور..) , فتأمل يا رعاك الله كيف حاول أن ينّزه ابن تيمية من ذلك التشبيه , لكن الشمس لن تغطى بغربال!.
وها هو الألباني يصرّح بأنّ الاستقرار صفة بشرية ولا تليق بالله تعالى , ففي موسوعته في العقيدة 6/344 :
(لا يجوز أن يُوصف الله بأنه مستقر؛ لأن الاستقرار أولاً: صفة بشرية، ثانياً: لم يوصف بها ربنا  حتى نقول: استقرار يليق بجلاله وكماله كما نقول في الاستواء، فنحن لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه ثم مقروناً مع التنزيل {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}-الشورى:11).
فهذا اعتراف من أحد مشايخ الوهابية أنفسهم بأن الاستقرار تشبيه , فلا تغفل عن تخليطاتهم أيها النبيه .
3- ذكرتُ مثل هذا الكلام لأنبه القوم على فساد أقوالهم بإلزامهم وفق أصول مذهبهم , حيث يحملون العظمة والكبر على المعنى الحسي!! تعالى الله عن ذلك , قال الإمام الزجاج –وهو من السلف الصالح- في "تفسير الأسماء الحسنى" ص48 في تفسير اسم الله "الكبير" : (ولا يجوز أن يذهب به مذهب زيادة الأجزاء على ما بينّا).
4- نقلته بنصه من التجسيم في الفكر الإسلامي.

14- ويثبتون لله تعالى «المعية الحقيقة» للخلق , قال ابن عثيمين في فتاواه (8/342) :
«المبحث الثاني : هل المعية حقيقية أو هي كناية عن علم الله  وسمعه وبصره وقدرته وسلطانه وغير ذلك من معاني ربوبيته؟
أكثر عبارات السلف رحمهم الله يقولون : إنها كناية عن العلم وعن السمع والبصر والقدرة وما أشبه ذلك ، فيجعلون معنى قوله : ((وَهُوَ مَعَكُمْ)) [الحديد: 4] , أي : وهو عالم بكم سميع لأقوالكم ، بصير بأعمالكم ، قادر عليكم حاكم بينكم . . . . وهكذا ، فيفسرونها بلازمها , واختار شيخ الإسلام رحمه الله في هذا الكتاب وغيره أنها على حقيقتها ، وأنّ كونه معنا حق على حقيقته ، لكن ليست معيته كمعية الإنسان للإنسان التي يمكن أن يكون الإنسان مع الإنسان في مكانه ؛ لأن معية الله  ثابتة له وهو في علوه ؛ فهو معنا ، وهو عال على عرشه فوق كل شيء ، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون معنا في الأمكنة التي نحن فيها , وعلى هذا ، فإنه يحتاج إلى الجمع بينها وبين العلو , والمؤلف عقد لها فصلا خاصا سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى ، وأنه لا منافاة بين العلو والمعية ؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء في جميع صفاته ، فهو عليّ في دنوه ، قريب في علوه.
وضرب شيخ الإسلام رحمه الله لذلك مثلا بالقمر ، قال : إنه يقال : ما زلنا نسير والقمر معنا ، وهو موضوع في السماء، وهو من أصغر المخلوقات ، فكيف لا يكون الخالق  مع الخلق ، الذي الخلق بالنسبة إليه ليسوا بشيء ، وهو فوق سماواته؟!
وما قاله رحمه الله فيه دفع حجّة بعض أهل التعطيل حيث احتجوا على أهل السنة ، فقالوا : أنتم تمنعون التأويل ، وأنتم تؤولون في المعية ، تقولون : المعية بمعنى العلم والسمع والبصر والقدرة والسلطان وما أشبه ذلك , فنقول : إن المعية حق على حقيقتها ، لكنها ليست في المفهوم الذي فهمه الجهمية ونحوهم ، بأنه مع الناس في كل مكان، وتفسير بعض السلف لها بالعلم ونحوه ، تفسير باللازم» .

وهذا الكلام يتضمن مجموعة من المغالطات , فإن السلف مُجمعون على تفسير المعية بالعلم , وتصريحه بأنهم يقولون بأنّ المعية كناية عن العلم يدلّ على مخالفة ابن تيمية للسلف في ذلك , إذ الكناية مقابلة للحقيقة .

أمّا فراره من إلزامه بتأويل المعية فهو مكشوف , لأنّه أثبت المعيّة بمعنى العلم والسمع والبصر وهذا هو التأويل , فقد قال ابن فارس في المعنى الحقيقي للمعية (5/273) : «الميم والعين , كلمةٌ تدلّ على اختلاط وجلبة وما شابه ذلك», فالمعية الحقيقة هي المطلقة الشاملة للذات والصفات , ولا يجوز صرفها عن هذا المعنى إلا بقرينة فتكون حينئذ معية غير حقيقية , والذي أوجب صرف المعية الإلهية عن حقيقتها –وهي المخالطة- هو قرينة العقل والنقل , فتفسير المعية بالعلم والسمع والبصر صرفٌ لها عن حقيقتها ومعناها الوضعي اللغوي , لأنّ المعية لا يفهم منها العلم والسمع والبصر دون الذات في اللغة إلا بقرينة, والقول بأنّها معية علمية سمعية بصرية وأنها حقيقية محضُ تخليط , لأنّ اللفظ يبقى عنده على حقيقته في حالة عدم وجود قرائن تدل على خلاف المعنى الوضعي ، وفي حالة وجود قرائن تدل على خلاف المعنى الوضعي!! , وهذا لم يقل به أحدٌ من أهل اللغة لا في القديم ولا في الحديث , والتمثيل على المعية الحقيقة بمثال القمر متهافت , لأنّ قولنا بأن القمر معنا ليس على حقيقته وظاهره للقرينة العقلية والحالية , ولو صحّ فهمه للمعية بأنها على حقيقتها مع تفسيرها بالعلم والسمع والبصر , لصحّ القول بأنّ العلوّ هو العظمة والقهر وهو مع ذلك هو علوٌ على حقيقته , ويمكن التمثيل على لذلك بقولهم : «علا الملك في الأرض», فإن قالوا : إن هذا تأويل وصرفٌ للفظ عن ظاهره , قلنا : كذلك تفسير المعية بالعلم والسمع والبصر تأويل وصرفٌ للفظ عن ظاهره , فإما أنْ يسيروا على قاعدتهم ويحملوا المعية على حقيقتها ويعتقدوا اختلاط الله تعالى بالخلق وحلوله في الأرض , وإمّا أن يقعوا في التأويل الذين يسمونه تعطيلًا , ولا مفر لهم من ذلك إلا بالتناقض وتفسير المعية بالعلم والإصرار على أنها على حقيقتها!! وهذا ناتج عن محاولة التوفيق بين المعية الحقيقة والعلوّ الحسي .

15-وفي كتاب «صفات الله » لعلوي السقاف ورد إثباتهم لله تعالى كصفات ما يلي : «الاستحياء» و«الخداع والمخادعة» و«السآمة» و«الخُلّة» و«الدنوّ» و«الساق» و«السخط» و«السرعة» و«العجب» و«العين» و«الغيرة» و«الفرح» و«الهبوط [إلى السماء الدنيا]».

فنسألهم أن يبيّنوا معاني هذه الصفات , فكما قالوا أنّ الاستواء هو الاستقراروالجلوس , فما هي معاني «الاستحياء» و«الخداع والمخادعة» و«السآمة» ..الخ الذي يعتقدونها صفات لله تعالى؟ وبأي معنى سيترجمونها إلى اللغات الأخرى؟

16- ويثبتون الغضب والرضا والضحك على حقيقتها , فيقول علي صلح في «التنبيهات» (ص31) :
«يغضب غضباً حقيقياً! يليق به سبحانه ولا يشابه غضب المخلوقين ولا يعلم كيفيته إلا هو سبحانه وتعالى وهكذا الرضى والضحك..».

نطالبهم أيضًا ببيان معاني هذه التي يسمونها صفات كالغضب والفرح.

17- ويثبتون لله تعالى «العلوّ الحسي», ويحتجون لذلك بأنّ الله تعالى إما أن يكون داخل العالم أو خارجه , والقول بأنه داخل العالم يفضي إلى حلول الخالق بالمخلوق , فوجب أن يكون خارج العالم!! .

وبغض النظر عن إدخالهم الله تعالى في قياس شمول مع المخلوقات , إلا أنّ هروبهم من حلول الخالق في المخلوق يفضي بهم إلى القول بحلول المخلوق في الخالق! , لأنهم يثبتون لله تعالى العلو الحسي الهندسي الذي نعرف حقيقته وكيفيته ونشاهد مثله في الأجرام والأفلاك العلوية.. إلا أنّ الفارق بينه وبين علوّ النجوم البعيدة والأفلاك السماوية هو فارق المسافة , فالغيوم عالية والقمر أعلى والنجوم أعلى والعرش أعلى , وهذا العلوّ الهندسي مكيّف معروف لدينا , وبُعد المسافة لم يجعل الأبعد منها مجهول الكيفية , بل ما زلنا ندرك كيفية علوّ كلّ منها مع تفاوت مسافاتها التي تمثل كلّ منها درجة في العلوي الحسي , فهذا العلوّ الفلكي الهندسي هو علوّ المسافة التي تتقلص بالصعود إلى أعلى حتى تنتهي وتزول بالوصول إلى اللوح الذي على العرش! فلا مسافة عندها ولا علوّ لله حيث ينتهي ويتلاشى , وتزيد كلما اتجهنا إلى الأسفل , وهذا العلوّ ثابت عندهم بالنسبة لجميع البشرية على سطح الأرض بمختلف بقاعها , فلو أشار كلّ منهم إلى الجهة التي تلي رأسه لكان مشيرًا إلى ذات الله تعالى , وهذا يستلزم إحاطة الذات الإلهية للعالم إحاطة حسيّة هندسية , لأن الإشارة الحسيّة الهندسية والعلوّ الحسّي الهندسي ينتجان بالضرورة إحاطة حسيّة هندسية «مكانية» كإحاطة القفص بالعصفور!! , فتكون ذات الله تعالى أو بعضها على الأقل -الذي هو عندهم كف الرحمن- منحنية على العالم متكورة عليه من كلّ الأطراف , فهذه الذات تحمل العالم في باطنها وتشتمل عليه اشتمال الكرة على الهواء أو قشرة البيض على الصفار , وكلمة «خارج» التي يسعون إليها تُخرجهم من ورطة حلول الخالق في المخلوق , وتقذف بهم في ورطة حلول المخلوق في الخالق , فالخالق هو »الخارج» كاليد والكف المنقبضة على الخردلة , والعالم كالخردلة «داخل» هذه الكف المنقبضة والمنطوية عليه!!! إذن فمصطلح «داخل» مؤداه إلى حلول الخالق في المخلوق , ومصطلح «خارج» -المتعين عند الوهابية- مؤداه إلى العكس وهو حلول المخلوق في الخالق!! .
ولنقارن الآن بين علوّ السماء على الأرض , وعلوّ الله تعالى الذي يقول به الوهابية , لنجد أنّ الفارق بين الأمرين هو فارق بعد المسافة فقط! :

علو السماء:


1- علوّ السماء هو العلوّ الحسيّ الهندسي المعروف لكلّ أحد وهو ما علا الرأس .
2- هذا العلو والارتفاع من أجزائه عنصر المسافة , فرأس الجبل أقرب إلى السماء الدنيا من أسفله , والسماء الدنيا أقرب إلى السماء الثانية من رأس الجبل , والسماء السادسة أقرب إلى السماء السابعة من الخامسة.. وهكذا , فمن أثبت هذا العلوّ الحسي وأنكر المسافة فهو إما معاند أو متناقض .
3- المسافات المتفاوتة بين الأجرام لم تجعل الأبعد منها مجهول الكيفية بحيث يكون علوّه بلا كيفـ، , بل ظلت كلّ هذه المستويات مكيفة معروفة موصوفة دون أن يكون لتفاوت المسافات أي دور، فبيننا وبين الشمس من المسافة أزيد مما بيننا وبين القمر , وبيننا وبين النجوم أزيد مما بيننا وبين الشمس , وبيننا وبين السماء الثانية أزيد مما بيننا وبين النجوم , وهكذا وكل هذه المسافات المتفاوتة تمثل درجات في العلو , ومع هذا بقي علوّ كلّ جرم منها معروفًا موصوفًا لا يقال عنه بلا كيف!!
4- هذه المسافة في العلو تزيد وتنقص بيننا وبين السماء .
5- كلما ارتفعت إلى الأعلى ازددت قربًا من السماء وتقلص هذا العلوّ الحسيّ .
6- هذا العلوّ ينتهي ويزول بالوصول إلى السماء فلا تكون عندها عالية عليك .
7- أعظم ما يكون هذا العلوّ بالوصول إلى مركز الأرض .
8- هذا العلوّ حاصل للكرة الأرضية في كل بقاعها وأقطارها , ففي أي بقعة كنتَ على هذه الكرة الأرضية فبإمكانك أن تشير إلى علوّ السماء , فعلوّ السماء على الأرض ثابت لها حيث كانت .
9- السماء أبدًا عالية على الأرض من كلّ الجهات , فلا تكون قط إلا عالية عليها .
10- الكرة الأرضية تحت السماء وأسفل منها حسيًا .
11- سُفلُ الكرة الأرضية بالنسبة للسماء ثابت للأرض في كل بقاعها , فهي تحت السماء حيث كانت .
12- ينتج من علوّ السماء على الأرض علوًا حسيًا في كل بقاعها إحاطةُ السماء للأرض إحاطة حسيّة مكانية , إذ ما من مكان على الأرض إلا والسماء فوقه فوقية حسيّة .
13- ينتج من سفل الأرض عن السماء سفلًا حسيًا في كلّ بقاعها احتواءُ السماء للأرض واشتمالها عليها , إذ ما من مكان على الأرض إلا وهو تحت السماء تحتية حسيّة .
14- ينتج من العلوّ الحسي المعلوم الكيفية والسّفل الحسي معلوم الكيفية إحاطة حسيّة مكانية معلومة الكيفية .


علوّ الله تعالى :


1- علوّ الله تعالى هو العلوّ الحسيّ الهندسي المعروف لكلّ أحد وهو ما علا الرأس .
2- هذا العلو والارتفاع من أجزائه عنصر المسافة , فالوهابية يرون أنّ رأس الجبل أقرب إلى الله من أسفله (1) , وأن السماء السابعة أقرب إلى عرش الله تعالى من السادسة!! والسادسة أقرب إليه من الخامسة , ثم كذلك إلى الأرض , فمن أثبت العلو الحسيّ لله تعالى وأنكر المسافة فهو إما معاند أو متناقض .
3- المسافات المتفاوتة بين الأجرام لم تجعل الأبعد منها مجهول الكيفية أبدا بحيث يكون علوه بلا كيف ، بل ظلت كل هذه المستويات مكيفة معروفة موصوفة دون أن يكون لتفاوت المسافات أي دور، فبيننا وبين الشمس من المسافة أزيد مما بيننا وبين القمر وبيننا وبين النجوم أزيد مما بيننا وبين الشمس وبيننا وبين العرش أزيد مما بيننا وبين النجوم وهكذا وكل هذه المسافات المتفاوتة تمثل درجات في العلو ومع هذا بقي علو كل جرم منها معروفا موصوفا لا يقال عنه بلا كيف !!
4- هذه المسافة في العلو تزيد وتنقص بيننا وبين الله تعالى .
5- كلما ارتفعت إلى الأعلى ازددت قربًا من الله تعالى وتقلص هذا العلوّ الحسيّ .
6- هذا العلوّ ينتهي ويزول بالوصول إلى الكتاب الذي على العرش .
7- أعظم ما يكون هذا العلوّ بالوصول إلى مركز الأرض .
8- هذا العلوّ حاصل للأرض في كل بقاعها وأقطارها , ففي أي بقعة كنتَ على الأرض فبإمكانك أن تشير إلى علوّ الله تعالى , فعلوّ الله تعالى على الأرض ثابت لها حيث كانت .
9- الله تعالى أبدًا عالٍ على الأرض من كلّ الجهات , فلا يكون قطّ إلا عاليًا عليها .
10- الكرة الأرضية تحت الله تعالى وأسفل منه حسيًا .
11- سُفلُ الكرة الأرضية بالنسبة لله تعالى ثابت للأرض في كل بقاعها , فهي تحته حيث كانت .
12- ينتج من علوّ الله تعالى على الأرض علوًا حسيًا في كل بقاعها إحاطته للأرض إحاطة حسيّة مكانية , إذ ما من مكان على الأرض إلا وهو فوقه فوقية حسيّة .
13- ينتج من سفل الأرض عن الله تعالى سفلًا حسيًا في كلّ بقاعها احتواءُ الذات الإلهية للأرض واشتماله عليها , إذ ما من مكان على الأرض إلا وهو تحت الله سبحانه تحتية حسيّة .
14- ينتج من العلوّ الحسي المعلوم الكيفية والسّفل الحسي معلوم الكيفية إحاطة حسيّة مكانية معلومة الكيفية .

فلا فرق بين إحاطة السماء بالأرض وبين إحاطة الله تعالى بالمخلوقات بالمفهوم الوهابي , ومن أنكر كون هذه الإحاطة الحسية الهندسية تستلزم احتواء السماء على الأرض واشتمالها عليه أو احتواء الذات الإلهية على المخلوقات التي تحته فهو معاند مكابر, وخصوصًا أنهم جعلوا الله تعالى متحيّزًا محدودًا مستقرًا على عرش محدود , فكون هذه الإحاطة «المكانية» تجعل السماء مكانًا للأرض وتجعل ذات الله مكانًا للخلائق أوضح من الشمس في رابعة النهار , فالمنصف الطالب للحق يعلم أن لا فرق بين احتواء السماء للأرض وبين احتواء الذات الإلهية للخلائق .


قد يستغرب الكثير من نسبة هذا الكلام إلى الوهابية , ويرى أنّه مجرد إلزام لا يلتزمون به وأنهم ينفرون من القول بإحاطة الله بالعالم إحاطة حسية مكانية , فأقول : إنّ الإلزام القريب الواضح معتبر عند العلماء حتى وإن لم يلتزم به صاحبه , لكنّ الوهابية يصرّحون بأنّ الله تعالى محيط بالخلق إحاطة مكانية! , ففي مجموع الفتاوى لابن عثيمين يقول (8/147) :
« ((هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ)) [الحديد: 3 ] : هذه أربعة أسماء كلها متقابلة في الزمان والمكان ، تفيد إحاطة الله سبحانه وتعالى بكل شيء أولا وآخرًا , وكذلك في المكان , ففيه الإحاطة الزمانية والإحاطة المكانية!!» .
وقال الهراس في شرح الواسطية (ص89) :
«فالأول والآخر: بيان لإحاطته الزمانية , والظاهر والباطن: بيان من كل وجه.... .
فالآية كلها في شأن إحاطة الرب سبحانه بجميع خلقه من كل وجه!!، وأن العوالم كلها في قبضة يده كخردلة في يد العبد».
وقال صالح الفوزان في شرح الواسطية (ص136) :
«ففي اسمه ((الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ)) إحاطته الزمانية , وفي اسمه ((الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ)) إحاطته المكانية».

وقد ألزم الإمام الرازي المجسمة بقوله : «أن الأرض إذا كانت كرة فالجهة التي هي فوق بالنسبة إلى سكان أهل المشرق هي تحت بالنسبة إلى سكان أهل المغرب وعلى العكس فلو اختص الباري بشيء من الجهات لكان تعالى في جهة التحت بالنسبة إلى بعض الناس وذلك باطل بالاتفاق بيننا وبين الخصم فثبت أنه يمتنع كونه مختصا بالجهة».
فما كان من ابن تيمية إلا أن التزم بهذا الإلزام وأقرّ بكون الله تعالى تحت بعض الخلائق!!! , وسمى هذه التحتية بالبطون!! , فقال في بيان التلبيس (1/606) :
« وذلك يظهر بالوجه الثاني وهو أن يقال : هذا الذي ذكرته وارد في جميع الأمور العالية من العرش والكرسي والسموات السبع وما فيهن من الجنة والملائكة والكواكب والشمس والقمر ومن الرياح وغير ذلك , فإنّ هذه الأجسام مستديرة تكون هذه الأمور دائما تحت قوم كما تكون فوق آخرين وتكون موصوفة بالتحت بالنسبة إلى بعض الناس وهي التحتية التقديرية الإضافية , وإن كانت موصوفة بالعلو الحقيقي الثابت , كما أنها أيضا عالية بالعلو الإضافي الوجودي دون الإضافي التقديري , وإذا كان الأمر كذلك ولم يكن في ذلك من الإحالة إلا ما هو مثلما في هذا ودونه , لم يكن في ذلك محذورا , فإن المقصود أن الله فوق السموات وهذا ثابت على كل تقدير.
وهذا يظهر بالوجه الثالث وهو أن يقال : هذا الذي ذكرتَه –أي الرازي- من هذا الوجه لا يدفع , فإنه كما أنه معلوم بالحساب والعقل فإنه ثابت بالكتاب والسنة!! , قال الله تعالى : ((هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ)) , وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة  عن النبي  أنه كان يقول : [أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأعننا من الفقر] , فأخبر أنه الظاهر الذي ليس فوقه شيء وأنه الباطن الذي ليس دونه شيء , فهذا خبر بأنه ليس فوقه شيء في ظهوره وعلوه على الأشياء , وإنه ليس دونه شيء فلا يكون أعظم بطونا منه حيث بطن من الجهة الأخرى من العباد!! , جمع فيها لفظ البطون ولفظ الدون -وليس هو لفظ الدون!- بقوله : [وأنت الباطن فليس دونك شيء] , فعلم أن بطونه أوجب أن لا يكون شيء دونه , فلا شيء دونه باعتبار بطونه والبطون يكون باعتبار الجهة التي ليست ظاهرة» .

وهذا تصريحٌ قبيح جدًا , فانظر كيف صرّح بأنّ التحتية التي ألزمهم بها الرازي ليست مختصة بالله تعالى , بل لجميع الأمور العالية من العرش والكرسي والسموات السبع , والتحتية لهذه الأمور هي تحتية إضافية مع كونها عالية علوًا حقيقيًا , وكذلك الأمر بالنسبة لله تعالى فهو تحت بعض الخلائق تحتية تقديرية مع كونه عاليًا علوًا حقيقيًا!! , وذكر أنّ هذا لا يُدفع وأنّه معلوم بالحساب والعقل والكتاب والسنّة , بل وحمل ألفاظ الحديث على المعاني الحسيّة , إلا أنّه آثر استخدام البطون والدونية في حق الله تعالى على التحتية والسّفل! .(2)


--------------------------
1- قال الدارمي في نقضه على المريسي (ص290- ط أضواء السلف) : ( فقال : "ألا ترى أنه من صعد الجبل لا يقال له أنه أقرب إلى الله" , فيقال لهذا المعارض المدعي ما لا علم له : من أنبأك أن رأس الجبل ليس بأقرب إلى الله تعالى من أسفله؟! لأنه من آمن بأن الله فوق عرشه فوق سماواته علم يقينا أن رأس الجبل أقرب إلى الله من أسفله وأن السماء السابعة أقرب إلى عرش الله تعالى من السادسة والسادسة أقرب إليه من الخامسة ثم كذلك إلى الأرض كذلك روى إسحاق بن إبراهيم الحنظلي عن ابن المبارك أنه قال : رأس المنارة أقرب إلى الله من أسفله , وصدق ابن المبارك , لأن كل ما كان إلى السماء أقرب كان إلى الله أقرب , وقرب الله إلى جميع خلقه أقصاهم وأدناهم واحد لا يبعد عنه شيء من خلقه , وبعض الخلق أقرب من بعض على نحو ما فسرنا من أمر السموات والأرض , وكذلك قرب الملائكة من الله , فحملة العرش أقرب إليه من جميع الملائكة الذين في السموات والعرش أقرب إليه من السماء السابعة...الخ).
2 - السلف الصالح منزهون عن كل هذه التخليطات ..
- قال الإمام الطحاوي في عقيدته "بيان أهل السنة والجماعة" (ص88 , المطبوعة مع شرح الغزنوي) : (تعالى الله –- عن الحدود والغايات , والأركان والأعضاء والأدوات , لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات) .
- وقال الإمام ابن حبان في مقدمة كتابه "الثقات" منزهًا الله تعالى عن الجهات والأزمنة: (الحمد لله الذي ليس له حدٌّ محدودٌ فيُحتوى ، ولا له أجلٌ معدودٌ فيَفنى ، ولا يحيط به جوامع الـمكان ، ولا يشتمل عليه تواتر الزمان) .
- وقال الإمام الزجاج في "تفسير الأسماء الحسنى" ص48 في تفسير اسم الله "العليّ" : (فالله تعالى عالٍ على خلقه , وهو عليٌ عليهم بقدرته , ولا يجب أن يُذهب بالعلوّ ارتفاع مكان , إذ قد بينّا أن ذلك لا يجوز في صفاته تقدست) .
- وهذا ما ذهب إليه الإمام الطبري في تفسيره لاسم الله "العلي" من آية الكرسي , حيث قال : (وأما تأويل قوله:"وهو العلي" فإنه يعني: والله العلي. و"العلي" الفعيل من قولك:"علا يعلو علوا"، إذا ارتفع،"فهو عال وعلي" ، "والعلي" ذو العلو والارتفاع على خلقه بقدرته ) .
وهذا صريح في إثباته علوّ القدرة ونفيه العلو الحسي , وسبق أن نقلتُ عن الإمام الطبري تنزيه الله تعالى عن العلوّ الحسي وإثباته علوّ الملك والسلطان , حيث قال : (علا عليها علوّ مُلْك وسُلْطان، لا علوّ انتقال وزَوال) .

18- ويثبتون لله تعالى «الهرولة» على حقيقتها , [قال ابن فارس : الهَرْوَلة : بين المَشْي والعَدْو. 6/48] , يقول ابن عثيمين في مجموع فتاويه (1/184) :
«وقد قال سبحانه عن نفسه : [من أتاني يمشي أتيته هرولة] , فلا تستوحش يا أخي من شيء أثبته الله تعالى لنفسه بعد أن علمت ما سبق ، واعلم أنك إذا نفيت أن الله تعالى يأتي هرولة فسيكون مضمون هذا النفي صحة أن يقال : إن الله لا يأتي هرولة!!» . (1)
مع أن الهرولة كيفيةٌ للمجيء والإتيان , قال ابن قدامة في الروضة (1/72) : «والكيفية ما يصلح جواباً للسؤال بكيف».
فإذا سُئلتَ : كيف جئت؟ صحّ أن تقول : جئتُ هرولة! .
ونحن نسأل الوهابية ونقول لهم : بيّنوا لنا معنى الهرولة , فكما قلتم أنّ الاستواء هو الاستقرار والجلوس , وكما نقول أنّ السمع إدراك المسموعات , والبصر إدراك المبصَرات , فما هو معنى الهرولة؟


19- ويثبتون «العجب» على حقيقته [قال ابن فارس في معجمه : العين والجيم والباء أصلانِ صحيحان، يدلُّ أحدهما على كِبْر واستكبارٍ للشَّيء، والآخر خِلْقة من خِلَق الحيوان] , فيقول محمد أمان الجامي في «الصفات الإلهية» (ص295):
«العجب معلوم المعنى، مجهول الكيفية، والإيمان به واجب» .

وقال سيد سعيد السيد في العقيدة الصافية (ص386):
«العَجب صفة من صفات الله تعالى.. وهو عَجَب حقيقي! يليق بالله تعالى» .

فنسألهم أيضًا : ما معنى العجب الحقيقي الذي تثبتونه لله تعالى؟

وهكذا يسيرون في سائر الإضافات التي يُسمّونَها بالصفات , فيرون أن الخالق والمخلوق يشتركان في المعنى الحقيقي لها , والاختلاف هو في الكيفية العارضة لكل صفة , كما لو أخبرك شخص عن حيوان لم تَرَه في حياتك , وقال لك بأن له عينين دون أن يخبرك بكيفيتهما من كونهما صغيرتين أو كبيرتين أو جاحظتين أو غائرتين , أو سوداوين أو زرقاوين أو بنيّتين أو صافيتين أو مشوبتين ...الخ الكيفيات , ونفى أن تكون كيفيتهما مماثلة لكيفية أعين الحيوانات التي تعرفها , فإنك عندئذ تُثبت لهذا الحيوان عضوًا يبصر به وينظر وتُفوّض كيفية ذلك العضو , وهكذا عقيدة الوهابية في الله تعالى حيث يقومون بإثبات عينٍ حقيقية لله تعالى ينظر بها ويبصر مع تحاشيهم لفظ العضو , ويُثبتون لها كيفية مع تفويض تلك الكيفية بعينها , فيقول صالح الفوزان في المنتقى من فتاويه (1/25) :
«السلف لم يكن مذهبهم التفويض ، وإنما مذهبهم الإيمان بهذه النصوص كما جاءت ، وإثبات معانيها التي تدلُّ عليها على حقيقتها! و وضعها اللغوي!!، مع نفي التَّشبيه عنها» .

ويقول عبد الرزاق عفيفي في فتاويه (ص 104) :
« مذهب السلف هو التفويض في كيفية الصفات لا في المعنى».

ويقول ابن عثيمين في مجموع فتاويه (10/771) :
«ولهذا قال مالك رحمه الله حين سئل عن كيفية الاستواء : [ الكيف مجهول ، والسؤال عنه بدعة] ، وليس معنى هذا أن لا نعتقد أن لها كيفية ، بل لها كيفية ، ولكنها ليست معلومة لنا ؛ لأن ما ليس له كيفية ليس بموجود ، فالاستواء ، والنزول ، واليد ، والوجه ، والعين لها كيفية ، لكننا لا نعلمها!!» .

فهم يُثبتون لله تعالى المعنى الحقيقي للعين واليد والوجه والاستواء والنزول والرّجْل , ويعتقدون أنّ الكيفية لازم ذاتي لتلك المعاني الحقيقية , فيلزم من إثباتها على حقيقتها إثبات الكيفية لها , وليس لهم دليل على إثبات الكيفية لصفات الباري تعالى إلا قياس الخالق على المخلوق الذي لا بد له من كيفية , فلما نظروا إلى المخلوقات فوجدوها لابسة لباس الكيفيات , طَرَدوا ما شاهدوه في الحسيّات على خالق البريّات , فأدرجوا الخالق سبحانه في قياس شمول عام عدلوا الله فيه بالجسمانيات المتكيّفات , وأدخلوا الباري  تحت قضية كلية يستوي فيها مع سائر الموجودات المُحدَثات , وليت شعري ما الذي جعلهم يثبتون الكيفية عند ذكرهم الصفات الخبرية التي ُيسمونها بالعينية! كالعين والوجه واليد , دون صفات المعاني كالعلم والقدرة والإرادة؟!
أليس لأن الكيفية تستلزم المقدار والشكل؟
فهم لا يعتقدون بثبوت المقدار والشكل لصفات المعاني , بخلاف الصفات العينية التي لا يعقلون وجودها إلا متكيفة بكيفية , ويعتبرون نفي الكيفية نفيًا لهذه الصفات الأعيان , واقرأ ما صرّح به ابن تيمية من التزام المقدار بإثباته الكيفية في صفات الباري -جل وعزّ- , حيث قال في بيان التلبيس (1/315) :
«وأما قوله : [الكيفية تقتضي الكمية والشكل] فإنه إن أراد أنها تستلزم ذلك فمعلوم أن الذين أثبتوا الكيفية إنما أرادوا الصفات التي تخصه كما تقدم، وإذا كان هذا مستلزماً للكمية فهو الذي يذكره المنازعون أنه ما من موصوف بصفة إلا وله قدْر يخصه ، وأكثر أهل الحديث والسنة من أصحاب الإمام أحمد رحمه الله وغيرهم لا ينفون ثبوت الكيفية في نفس الأمر بل يقولون لا نعلم الكيفية» .

فهو يصرّح بإثبات الكيفية , ويرى أن الكيفية إن كانت مستلزمة للكمية فما من موصوف إلا وله قدر يخصه!! ومقصوده بالمقدار هو المعنى الحسي -وهو الحجم- لا المعنوي , ويفسّر القدّر بالكميّة , فيقول في بيان التلبيس (2/377) :
«وتقدير موجود قائم بنفسه ليس له صفة ولا قدر هو الذي يراد بالكيفية و الكمية , كتقدير موجود ليس قائما بنفسه ولا بغيره وهو الذي يراد بالعرض والجوهر».

وقال في بيان التلبيس (1/125) :
«وكذلك يقتضي أن يثبت له المباينة بالصفة التي تسمى المباينة بالحقيقة أو بالكيفية أو المباينة بالقدر التي تسمى المباينة بالجهة أو الكمية فإن تكون مباينته بهذين أعظم مما يعلم مباينة المخلوق المخلوق».

بل جعل هذا المقدار لله تعالى أبلغ من صفاته تعالى الذاتية , فقال في بيان التلبيس (1/593) :
« أما قوله -أي الرازي- :[ لا يجب في سائر الذوات حصولها في ذلك الحيز فكذلك هذا].
فيقال له: بل يجب في سائر الذوات المتحيزة أن يكون لكل منها تحيز يخصه وهو قدْره ونهايته التي تحيط به...
وكذلك قوله في الثاني: [لو وجب حصوله في تلك لجهة لكانت مخالفة لغيرها فيكون موجوداً فيكون مع الله قديم آخر]. يقال: إثبات صفة قديمة ليس ممتنعا على الله كما اتفق عليه الصفاتية , أو لا نسلم أنه ممتنع, والقدْر والحيز الداخل في مسمى المتحيز الذي هو من لوازمه أبلغ من صفاته الذاتية. فإن كل موجود متحيز بدون الحيز الذي هو جوانبه المحيطة به يمنع أن يكون هو إياه. والقديم الذي يمتنع وجوده مع الله ما يكون شيئاً منفصلاً عنه...».

فهؤلاء التيمية يُثبتون التشابه بين صفات الباري  وصفات المخلوقات في حقائقها , ويُثبتون لصفات الله تعالى الكيفية المستلزمة للحجمية والمقدار والذي هو من لوازم الأجسام , مع تفويضهم عين الكيفية التي يُثبتونها لله تعالى , لذلك فلا تغتر بما ساقَ به ابنُ تيمية أتباعَه حيث أصّل لهم أنّ [الإضافة تنفي التمثيل] , إذ مقصوده أن الإضافة تنفي التشابه من كلّ الوجوه بين الصفة والصفة , أمّا التشابه في المعنى الحقيقي الذي به الاشتراك فلا ينفيه , بل ينفي معرفة ما يلحقه من كيفيّات تميّزه عن الأفراد التي تشاركه في المعنى الحقيقي , فلذلك لا تتم عنده المشاركة بين صفة العبد وصفة الرب –سبحانه وتعالى- لاختلاف كيفية كلٍّ منهما , وإن كانتا متشابهتين متواطأتين في المعنى الحقيقي , قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (3/11) :
«ولا بد من هذا فى جميع أسماء الله وصفاته يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق , وما دل عليه بالإضافة والاختصاص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق فى شيء من خصائصه سبحانه وتعالى» .

فهو يصرّح بوجود قَدر متواطئ بين صفات الله  وصفات المخلوقات , إلا أنّ ما يلحق هذا القدر المتواطئ من كيفيات تخصه عند الإضافة يمنع من مشاركة الله الخالق للمخلوق في شيء من خصائصه .(2)


-------------------------------------
1 - يثبت الوهابية الهرولة لله تعالى على حقيقتها , بينما نجد أنّ بعضهم ينكر ذلك , فيقول ابن جبرين في الدرس 62 من شرح الطحاوية :
فلا يقال أن الهرولة صفة من صفات الله في هذا الحديث).
وقال الفوزان في شرح السنة للبربهاري المرفوع على موقعه على الإنترنت :
وليس المراد بالهرولة على ظاهرها هنا , وفي هذا ردّ على بعض المتسرعين الذين يثبتون لله الهرولة!).
فانظر كيف يُثبت بعضهم لله أمرًا ويعتبر من لا يثبته معطلًا , ثم يأتي البعض الآخر ويردّ على المثبت , وكلا الفريقين يزعم اتباع السلف الصالح!!

2- اعتمدتُ في هذا الباب على : التجسيم في الفكر الإسلامي , والاعتقاد للبيهقي , وأساس التقديس , والفصل لابن حزم , وروضة الناظر لابن قدامة , والتبصير للطبري , وتفسير الأسماء الحسنى للزجاج , وصحيح ابن حبان , والثقات له , والعقيدة الطحاوية , مجرد مقالات الأشعري , وتفسير الطبري , ومشاركات الشيخ الأزهري مشرف الأزهريين , وبصائر ذوي التمييز , والكليّات , ومفردات الراغب , ومقاييس اللغة , وتهذيب اللغة , ولسان العرب , ومعجم الصحاح , والقاموس المحيط , ومعاهد التنصيص , وعيون الأخبار , وطبقات الشعراء لابن المعتز , وديوان النابغة الجعدي , والتشبيهات لابن أبي عون , والتشبيهات من أشعار أهل الأندلس , وديوان ابن الدهان وأبي ذؤيب الهذلي وعنترة بن شداد والفارعة القشيرية وطرفة بن العبد والحطيئة والحارث المري وامرؤ القيس وتأبط شرًا وحاتم الطائي وسعد البكري , وأسرار البلاغة , والصحيحين , وفتاوى ابن عثيمين , وفتاوى ابن باز , وفتاوى ابن تيمية , وبيان تلبيس الجهمية , وشرح عقيدة أهل السنة للعثيمين , ومنهاج السنة النبوية , والصواعق المرسلة , وتوحيد ابن خزيمة بتعليق الهراس , وشرح لمعة الاعتقاد للجبرين , ودرء التعارض , والرسالة التدمرية , وعلو الله للدويش , وإثبات علو الله للقصاص , والقول المفيد , والرد على منكر الحد من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية , وشرح الواسطية للهراس , وجناية التأويل الفاسد , وصفات الله  لعلوي السقاف , والتنبيهات لعلي صلح , والصفات الإلهية للجامي , والتعليقات الزكية للجبرين , ومختصر الصواعق , والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح , وموسوعة الألباني في العقيدة , و قدوم كتائب الجهاد للراجحي , وكتاب السنة المنسوب لعبد الله بن الإمام أحمد , ونقض الدارمي على المريسي , وشرح الواسطية للفوزان , والعقيدة الصافية لسيد سعيد , والمنتقى من فتاوى الفوزان , وفتاوى العفيفي , وغيرها .

الرابط الأصليhttp://www.aslein.net/showthread.php?t=16941