Wednesday, 9 March 2022

الموقف الشرعي من وفاة أهل البدع والضلال

إنَّ المُسلِمَ الحقَّ كما يَحزَنُ لموتِ العُلماءِ والدُّعاةِ إلى اللهِ تعالى المتَّبِعين لسُنَّةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، يَفرَحُ بهَلاكِ أهلِ البِدعِ والضَّلالِ والدُّعاةِ إلى الباطِلِ، خاصَّةً إذا كانوا رُؤوسًا ورُموزًا ومُنظِّرين؛ يَفرَحُ لأنَّ بهَلاكِهم تُكسَرُ أقلامُهم، وتُحسَرُ أفكارُهم التي يُلبِّسون بها على النَّاسِ.

ولم يَكُن السَّلفُ الصَّالِحُ يَقتصِرونَ على التَّحذيرِ مِن أمثالِ هؤلاءِ وهم أحياءٌ فقط، فإذا ماتوا تَرَّحموا عليهم وبَكَوْا على فِراقِهم، بل كانوا يُبيِّنون حالَهم بعدَ مَوتِهم، ويُظهرونَ الفَرحَ بهَلاكِهم، ويُبشِّرُ بعضُهم بعضًا بذلك.

ففي الصَّحيحَينِ من حَديثِ أبي قَتادَةَ الأنصاريِّ رضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال عن موتِ أمثالِ هؤلاءِ: ((يَستريحُ منه العبادُ والبِلادُ والشَّجرُ والدَّوابُّ))؛ فكيف لا يَفرَحُ المسلمُ بموتِ مَن آذَى العِبادَ وأفْسَدَ في البلاد؟!

ولَمَّا جاء خَبرُ موتِ المِرِّيسيِّ الضالِّ وبِشرُ بنُ الحارثِ في السوقِ، قال: (لولا أنَّه كان موضِعَ شُهرةٍ لكانَ موضِعَ شُكرٍ وسُجودٍ، والحمدُ للهِ الذي أماتَه).[تاريخ بغداد: 7/66] [لسان الميزان: 2/308].

وقيل للإمامِ أحمدَ بنِ حَنبلٍ: الرَّجُلُ يَفرَحُ بما يَنزِلُ بأصحابِ ابنِ أبي دُؤاد؛ عليه في ذلك إثمٌ؟ قال: (ومَن لا يَفرَحُ بهذا)؟! [السنة للخلال: 5/121]

وقال سَلَمةُ بنُ شَبيبٍ: كنتُ عند عبد الرَّزَّاقِ- يعني الصَّنعانيَّ-، فجاءَنا موتُ عبد المجيدِ، فقال: (الحمدُ للهِ الذي أراحَ أُمَّةَ محمَّدٍ مِن عَبدِ المجيدِ). [سير أعلام النبلاء: 9/435]، وعبدُ المجيدِ هذا هو ابنُ عبد العَزيزِ بنِ أبي رَوَّاد، وكان رأسًا في الإرجاءِ.

ولَمّا جاءَ نعيُ وَهبٍ القُرشيِّ- وكان ضالًّا مُضِلًّا- لعبدِ الرَّحمنِ بنِ مَهديٍّ، قال: (الحمدُ للهِ الذي أراحَ المُسلِمينَ منه). [لسان الميزان لابن حجر: 8/402].

وقال الحافظُ ابنُ كثيرٍ في [البداية والنهاية 12/338] عن أحدِ رُؤوسِ أهلِ البِدعِ: (أراحَ اللهُ المُسلِمينَ منه في هذِه السَّنةِ في ذِي الحِجَّةِ منها، ودُفِن بدارِه، ثم نُقِل إلى مَقابرِ قُرَيشٍ؛ فللهِ الحمدُ والمِنَّةِ. وحين ماتَ فرِحَ أهلُ السَّنَّة بموتِه فرحًا شديدًا، وأظْهَروا الشُّكرَ لله؛ فلا تَجِدُ أحدًا منهم إلَّا يَحمَدُ الله)!
وقال أيضًّا: (عُبيد الله بنُ عبدالله بن الحُسين، أبو القاسم الخفَّاف المعروف بابن النَّقيب، كان من أئمة السُّنَّة وحين بلغه موتُ ابن المُعْلِّم جلس للتهنئة، وقال ما أبالي أيَّ وقتٍ متُّ بعد أن شاهدتُ موتَ ابنِ المعلِّم)[البداية والنهاية 15/604]، وكان ابن المعلِّم فقيه الشيعة.

هكذا كان موقِفُ السَّلفِ الصَّالِحِ رحِمهم اللهُ عندَما يَسمَعون بموتِ رأسٍ مِن رُؤوسِ أهلِ البِدعِ والضَّلالِ.

وقد يَحتجُّ بَعضُ النَّاس على ضدِّ هذا الموقف بما نقلَه الحافظُ ابنُ القيِّم في [مدارج السالكين: 2/345] عن موقِف شيخِه شيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميَّةَ من خُصومِه، حيث قال: (وجئتُ يومًا مُبشِّرًا له بموتِ أكبرِ أعدائِه وأشدِّهم عَداوةً وأذًى له، فنَهرَني وتَنكَّر لي واسترجَع،...).

ولكن مَن تأمَّلَ ذلك وجَدَ أنَّه لا تَعارُضَ بين الأَمرينِ؛ فمِن سَماحةِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميَّةَ أنَّه لا يَنتقِمُ لنَفْسِه؛ ولذلك عندما أتاه تلميذُه يُبشِّرُه بموتِ أحدِ خُصومِه وأشدِّهم عَداوةً وأذًى له= نَهَره وأَنكَر عليه؛ فالتلميذُ إنَّما أبْدَى لشَيخِه فَرحَه بموتِ خَصمٍ من خُصومِه، لا فَرحَه بموتِه؛ لكونِه أحدَ رُؤوسِ البِدعِ والضَّلالِ.


وفي مُقابِلِ هذا الفَرحِ- مع الأسفِ- يحزنُ آخَرون ويبكون أَسَفًا وحُزنًا إذا مات أحَدُ هؤلاء، ويدعُون اللهَ أنْ يُخلِفَ على المُسلِمينَ مِثلَه!- لا أجابَ اللهُ دُعاءَهم-؛ فأمثالُ هؤلاء يُخشَى على دِينِهم إذا كانوا يَعْلَمون ضَلالَهم؛ لأنَّه ما مِن مُسلمٍ يَخشَى اللهَ ويَغارُ على هذا الدِّينِ إلَّا ويَفرَحُ بهلاكِ مَن يَعلَمُ أنَّ ببَقائِه هَدْمَ الإسلامِ، ومَن بمَوتِه يَنكسِرُ مِعوَلٌ مِن مَعاولِ هذا الهدْمِ.

نسألُ اللهَ عزَّ وجلَّ أنْ يُفرِحَنا بهلاكِ كلِّ داعيةٍ إلى ضلال، وأنْ يُرِيَنا الحقَّ حقًّا ويَرزُقَنا اتِّباعَه، وأنْ يُرِيَنا الباطِلَ باطلًا ويَرزُقَنا اجتِنابَه، وأنْ يُثبِّتَنا على دِينِه وعلى التَّمسُّكِ بكِتابِه وسُنَّةِ نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّمَ.

Sunday, 6 March 2022

فتاوى إسلامية.. هل الميت يستفيد من قراءة القرآن عليه؟

قراءة القرآن وهبة ثوابه للميت، أو قراءة القرآن على الميت عند القبر أو في الجنازة، وذهاب ثوابه للميت، أسئلة كثيرة يطرحها السائلون حول الأمر، خاصة بعد الشبهات التي ينشرها البعض حول الأمر.

وقال الدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية، في فتوى مفصلة، حول حكم قراءة القرآن على الميت وثوابه، نشرتها دار الإفتاء المصرية على صفحتها الرسمية: "جاء الأمر الشرعي بقراءة القرآن الكريم على جهة الإطلاق، ومن المقرر أن الأمر المطلق يقتضي عموم الأمكنة والأزمنة والأشخاص والأحوال؛ فلا يجوز تقييد هذا الإطلاق إلا بدليل، وإلا كان ذلك ابتداعًا في الدين بتضييق ما وسَّعه الله ورسوله".

وأضاف: على ذلك فقراءة القرآن الكريم عند القبر على الموتى قبل الدفن وفي أثنائه وبعده مشروعةٌ ابتداءً بعموم النصوص الدالة على مشروعية قراءة القرآن الكريم، بالإضافة إلى أنه قد وردت أحاديث عن النبي وآثـارٌ كثيرةٌ عن السلف الصالح في خصوص ذلك.
أحاديث صحيحة صريحة تجيز قراءة القرآن على الميت

أورد مفتي الجمهورية في فتواه 6 أحاديث تدل على جواز ذلك، وجاءت كالتالي:

1- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إذا مات أحدُكم فلا تحبسوه، وأَسْرِعوا به إلى قبره، وليُقْرَأْ عند رأسه بفاتحة الكتاب، وعند رجليه بخاتمة سـورة البقرة في قبره» أخرجه الطبراني والبيهقي في "شعب الإيمان"، وإسناده حسنٌ كما قال الحافظ في "الفتح"، وفي رواية: «بفاتحة البقرة»، بدلًا من: «فاتحة الكتاب».

2- جاءت السنة بقراءة سورة (يس) على الموتى، في حديث معقل بن يسار رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «اقْرَءُوا (يس) عَلَى مَوْتَاكُمْ» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم.

3- كما جاء الشرع الشريف بقراءة سورة الفاتحة على المتوفى؛ وذلك لأن فيها مِن الخصوصية في نفع الميت وطلب الرحمة والمغفرة له ما ليس في غيرها؛ كما في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أُمُّ القرآنِ عِوَضٌ عن غيرها، وليس غيرُها عِوَضًا عنها» رواه الدارقطني وصححه الحاكم، وبَوَّب لذلك الإمام البخاري في صحيحه بقوله (باب قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى الْجَنَازَةِ)، وهذا أعَمُّ مِن أن يكون في صلاة الجنازة أو خارجها.

4- واستدل العلماء على قراءة القرآن عند القبر أيضًا بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ» ثُمَّ قَالَ: «بَلَى؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ» قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ، ثُمَّ قَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» متفقٌ عليه.

قال الإمام الخطَّابي فيما أورده عنه الحافظ العيني في "عمدة القاري": [فيه دليل على استحباب تلاوة الكتاب العزيز على القبور؛ لأنه إذا كان يُرْجَى عن الميت التخفيفُ بتسبيح الشجر، فتلاوة القرآن العظيم أكبرُ رجاءً وبركة].

وقال الإمام القرطبي في "التذكرة": [وقد استدل بعض علمائنا على قراءة القرآن على القبر بحديث العسيب الرطب الذي شقَّه النبي صلى الله عليه وآله وسلم باثنين.. قالوا: ويُستفاد من هذا غرس الأشجار وقراءة القرآن على القبور، وإذا خُفِّفَ عنهم بالأشجار فكيف بقراءة الرجل المؤمن القرآن".. قال: "ولهذا استحب العلماء زيارة القبور؛ لأن القراءةَ تُحْفَةُ الميت مِن زائره].

وقال الإمام النووي في "شرح مسلم": [واستحب العلماء قراءة القرآن عند القبر لهذا الحديث؛ لأنه إذا كان يُرجى التخفيفُ بتسبيح الجريد فتلاوة القرآن أولى، والله أعلم].

5- وقد صلَّى النبي صلاة الجنازة على القبر غير مرة كما جاء في "الصحيحين" وغيرهما، والصلاة مشتملةٌ على قراءة الفاتحة والصلاة على النبي والذكر والدعاء، وما جاز كله جاز بعضه.

كما أخذ العلماء وصول ثواب القراءة إلى الميت مِن جواز الحج عنه ووصول ثوابه إليه؛ لأن الحج يشتمل على الصلاة، والصلاة تقرأ فيها الفاتحة وغيرها، وما وصل كله وصل بعضه، وهذا المعنى الأخير وإن نازع فيه بعضهم إلَّا أن أحدًا مِن العلماء لم يختلف في أن القارئ إذا دعا الله تعالى أن يهب للميت مثل ثواب قراءته فإن ذلك يصل إليه بإذن الله؛ لأن الكريم إذا سُئِل أعطَى وإذا دُعِيَ أجاب.

6- وعلى ذلك جرى عمل المسلمين جيلًا بعد جيلٍ وخلفًا عن سلفٍ مِن غير نكير، وهذا هو المعتمد عند أصحاب المذاهب المتبوعة، حتى نقل شيخ الحنابلة الإمام موفق الدين بن قدامة الإجماعَ على ذلك في كتابه "المغني" فقال: [ولنا: ما ذكرناه، وأنه إجماع المسلمين؛ فإنهم في كل عصر ومصر يجتمعون ويقرأون القرآن ويهدون ثوابه إلى موتاهم من غير نكير، ولأن الحديث صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الميت يُعَذَّبُ ببكاء أهله عليه»، والله أكرم من أن يوصل عقوبة المعصية إليه ويحجب عنه المثوبة].

وكذلك نقل الحافظ شمس الدين بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي الإجماع على ذلك –كما سبق-، ونقله أيضًا الشيخ العثماني في كتابه "رحمة الأمة في اختلاف الأئمة"، ونص عبارته في ذلك: [وأجمعوا على أن الاستغفار والدعاء والصدقة والحج والعتق تنفع الميت ويصل إليه ثوابه، وقراءة القرآن عند القبر مستحبة].
ومن الآثار في ذلك عن السلف الصالح قراءة القران على الميت

ما أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنَّف" عن الإمام الشعبي رحمه الله قال: "كانَتِ الأنصارُ يقرأون عند الميِّتِ بسورة البقرة"، وأخرجه الخلَّال في "القراءة على القبور" بلفظ: "كانت الأنصارُ إذا مات لهم مَيِّتٌ اختلفوا إلى قبره يقرأون عنده القرآن".

وأخرج الخلَّال عن إبراهيم النخعي رحمه الله قال: "لا بَأْسَ بقراءةِ القرآنِ في المقابِر".

وأخرج أيضًا عن الحسن بن الصَّبَّاح الزعفراني قال: سأَلْتُ الشافعيَّ عن القراءة عند القبور، فقال: "لا بَأْسَ بِهَا".

وأخرج أيضًا عن عليِّ بن موسى الحداد قال: كنت مع أحمد بن حنبل ومحمد بن قدامة الجوهري في جنازة، فلما دُفِن الميِّتُ جلس رجلٌ ضريرٌ يقرأ عند القبر، فقال له أحمد: يا هذا! إن القراءةَ عند القبر بدعةٌ، فلما خرجنا مِن المقابر قال محمد بن قدامة لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله! ما تقول في مُبَشِّرٍ الحَلَبِيّ؟ قال: ثقة، قال –يعني أحمد–: كتبتَ عنه شيئًا؟ قال: نعم؛ أخبرني مُبَشِّرٌ عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه: أنه أوصى إذا دُفِن أن يُقْرَأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها، وقال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يوصي بذلك. فقال له أحمد: فارجع وقل للرجل يقرأ.

وأضاف المفتي في نهاية فتواه أنه بِناءً على ذلك "فقراءة القرآن على الموتى وهبة أجرها إليهم هي مِن الأمور المشروعة التي وردت بها الأدلة الصحيحة مِن الكتاب الكريم والسنة النبوية الشريفة وأطبق على فعلها السلف الصالح وجرى عليها عمل المسلمين عبر القرون مِن غير نكير؛ سواء كان ذلك حال الاحتضار، أو بعده، أو عند صلاة الجنازة، أو بعدها، أو حال الدفن، أو بعده، ومَن ادَّعى أنه بدعةٌ فهو إلى البدعة أقرب، ولا يجوز إنكارها بعد معرفة مشروعيتها".