تبادل أهل الحديث والأشاعرة الذم والاتهامات والتشنيعات، تعبيرا عن النزاع العقيدي الحاد القائم بينهما - خلال القرنين: 5 - 6 الهجريين - وقد قدح كل منهما في الآخر بألفاظ شنيعة لايجوز لمسلم أن يصف بها أخاه المسلم.
فالأشاعرة وصفوا أهل الحديث بأوصاف ذميمة كثيرة، منها أولاً، إنهم وصفوهم بالتشبيه والتجسيم، بمعنى إنهم جسّموا الله تعالى وشبّهوه بمخلوقاته [1]. وفي فتنة ابن القشيري اتهم علماء الأشاعرة - في رسالتهم لنظام الملك - الحنابلة بالتشبيه والتجسيم دون تمييز، وجعلوهم كلهم في سلة واحدة [2].
وعندما جاء الوزير نظام الملك إلى بغداد، قال إنه يريد استدعاء الحنابلة ليسألهم عن مذهبهم، لأنه قيل له إنهم مجسّمة، فلما سمع به أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي (ت 513 هـ) أعد له جوابا للرد على أسئلة الوزير [3]. وقوله هذا دليل على أنه - أي الوزير- وجد من قال له ذلك عن الحنابلة، وهو يُريد التأكد منه بنفسه، وواضح إن الذين قالوا له ذلك عن الحنابلة هم الأشاعرة في رسالتهم إليه في فتنة ابن القشيري سنة 469 هـ.
وعندما أظهر ابن تومرت (ت 524 هـ) دعوته بالمغرب الإسلامي، اتهم المغاربة المخالفين له بالتشبيه والتجسيم، ودعاهم إلى الأشعرية كبديل عن مذهب السلف، فلما انتصر خلفاؤه على المرابطين، فرضوا الأشعرية على المغاربة وأبعدوهم عن مذهب السلف في الصفات [4].
وذكر القاضي أبو بكر بن العربي الأشعري (ت 543 هـ)، إن الحنابلة انتهى بهم الأمر إلى أن قالوا: ((إن أراد أحد يعلم الله، فلينظر إلى نفسه، فإنه الله بعينه، إلا أن الله منزه عن الآفات، قديم لا أول له، دائم لا يفنى))، وقالوا ذلك ((لقوله صلى الله عليه وسلم: إن الله خلق آدم على صورته))، وفي رواية أخرى ((على صورة الرحمن))، وهي رواية صحيحة، فلله الوجه بعينه، لا ننفيه ولا نتأوله إلى محالات)) [5].
وقوله هذا غريب جدا، فإنني لم أعثر على قول ثابت لعالم حنبلي من علماء الحنابلة المعتبرين، قال إن من أراد أن يعلم الله فلينظر إلى نفسه، لكن المعروف عنهم أنهم أثبتوا حديث الصورة، ولم يُؤولوه وفوّضوا كيفيته لله تعالى، مع اعتقادهم إن الله تعالى ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته. والغريب أيضا إنه قال أن الحنابلة قالت بذلك، مما يعني إنه اتهم الحنابلة كلهم دون تحديد لشخص معين، أو لطائفة منهم.
وأما بالنسبة لحديث الصورة، فيجب علينا أن لا ننظر إليه نظرة جزئية، وإنما علينا أن ننظر إليه نظرة شاملة في إطار كل النصوص الشرعية الأخرى المتعلقة بصفات الله تعالى، فهو سبحانه ((ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)) - سورة الشورى/11 - و ((لم يكن له كفواً أحد)) سورة الإخلاص/4 - و ((وسع كرسيه السموات و الأرض)) - سورة البقرة/68 - .
فالله تعالى لا يمكن أن يُشبه الإنسان، مما يعني أن لحديث الصورة معنى آخر غير الذي ذكره ابن العربي عن الحنابلة، ولا يعلم حقيقته إلا الله تعالى، وهو ليس تأويلا للحديث، وإنما هو تفسير وفهم له في إطار النصوص الشرعية المحكمة، لا كما يفهمه المؤولون للصفات على طريقة المتكلمين.
وثانياً إن الأشاعرة أطلقوا على الحنابلة وأهل الحديث، اسم الحشوية، بمعنى إنه لا فهم لهم ولا معرفة، ويحشون الكلام حشوا كالعوام [6]. فمن ذلك إن كبار علماء الأشاعرة ببغداد وصفوا الحنابلة - في رسالتهم لنظام الملك- بأنهم: ((جماعة من الحشوية الأوباش الرعاع المتوسمين بالحنبلية)) [7].
وعندما نبش المتكلم نجم الدين الخبوشاني الصوفي (ت 587 ه) قبر المقريء ابن الكيزاني (ت 562 ه)، بمدينة مصر، علل فعله هذا بقوله: هذا حشوي لا يكون بجانب الشافعي، ثم أخرج رفاته ودفنها في موضع آخر، ولم يبال بمعارضة الحنابلة الشديدة له، ولا راعى حرمة الميت [8].
وثالثا إن الأشاعرة اتهموا القاضي أبا يعلى الفراء (ت 458 هـ) بالتشبيه والتجسيم، واحتجوا عليه عندما صنف كتابه التأويلات، لما ذكر فيه من أحاديث موهمة للتشبيه، قال عنه المؤرخ ابن الأثير (ت 630 هـ): إنه أتى فيه - أي الكتاب - بكل عجيبة، وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض [9].
وذكر القاضي ابن العربي (ت 543 هـ) إنه لما كان ببغداد سنة 490 هـ، أخبره من يثق فيه من مشيخته، إن القاضي أبا يعلى الفراء رئيس الحنابلة، كان يقول في مسألة الصفات: إذا ذُكر الله تعالى، وما ورد من هذه الظواهر في صفاته، ألزموني ما شئتم فأني ألتزمه إلا اللحية والعورة)) [10].
ويُروى أنه لما شاع خبر القاضي أبي يعلى بما أتهم به من التشبيه والتجسيم في الصفات، قال عنه أبو محمد التميمي الحنبلي: ((لا رحمه الله، فقد خرى على الحنابلة خرية لا تنغسل إلى يوم القيامة))، وفي رواية: ((لا يغسلها الماء))، وفي أخرى إنه قال: ((لا رحمه الله، فقد بال في الحنابلة البولة الكبيرة التي لا تُغسل إلى يوم القيامة)) [11].
وقد تصدى القاضي أبو الحسين بن أبي يعلى (ت 526 هـ) للرد على الذين اتهموا والده بالتجسيم والتشبيه، وذكر إن والده سار على منهج السلف الصالح في أخبار الصفات، وهو التصديق بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله، مع التسليم وترك البحث والتنقير في ذلك، من دون تعطيل ولا تشبيه ولا تفسير ولا تأويل، وإن تلك الصفات تُمر كما جاءت، من غير زيادة ولا نقصان، مع الإقرار بالعجز عن إدراك حقيقتها، لأن ذلك الإثبات هو إثبات وجود لا إثبات تحديد، وحقيقتها لا يعلمها إلا الله تعالى؛ والكلام في الصفات هو فرع عن الكلام في الذات)) [12].
وذكر إن والده المُتهم بالتجسيم، هو نفسه رد على المجسمة في كتاب خصصه للرد عليهم، وفي مصنفات أخرى، وقال إنه لايجوز أن يُسمى الله جسماً، فمن ((اعتقد إن الله سبحانه جسم من الأجسام، وأعطاه حقيقة الجسم من التأليف والانتقال فهو كافر، لأنه غير عارف بالله عز وجل، لأن الله تعالى يستحيل وصفه بهذه الصفات)) [13].
ومما قاله أبو يعلى في كتابه إبطال التأويلات، ما نقله عنه الحافظ الذهبي من إنه قال فيه: ((لا يجوز رد هذه الأخبار - أي الأحاديث - ولا التشاغل بتأويلها، والواجب حملها على ظاهرها، وإنها صفات الله تعالى لا تُشبه سائر صفات الموصوفين بها من الخلق)) [14].
ويرى الشيخ تقي الدين بن تيمية إن الذين تكلموا في القاضي أبي يعلى الفراء شنّعوا عليه بأشياء هو منها بريء، وما ذكره أبو بكر بن العربي عنه، هو كذب عليه، رواه عن مجهول لم يُسمه، لكن مع ذلك فإن في كلام القاضي أبي يعلى، ما هو مردود نقلا و عقلا، وفيه من التناقض من جنس ما يُوجد في كلام الأشعري والباقلاني وأمثالهما، ممن يُوافق النفاة على نفيهم، ويُشارك أهل الإثبات على وجه مما قالوه.
كما إنه أورد في كتابه إبطال التأويلات أحاديث موضوعة، كحديث رؤية الله عياناً ليلة المعراج، وحديث إقعاد الرسول -عليه الصلاة و السلام- يوم القيامة على العرش [15].
تلك الأحاديث الموضوعة والصريحة في التشبيه والتجسيم، هي التي كانت سببا في اتهام أبي يعلى بالتشبيه والتجسيم، وإن كان هو في الحقيقة لا يعتقد التشبيه ولا التجسيم، لأن آثاره شاهدة على ذلك [16]؛ لكن الخلل دخله من روايته للأحاديث الضعيفة والموضوعة، الصريحة في التشبيه والتجسيم، فحملها على ظاهرها من دون تأويل ولا تشبيه، وقد رواها لأنه كان قليل الخبرة بعلم الحديث، وبضاعته فيه مُزجاة، لا يُميز بين صحيح الأحاديث من سقيمها، فروى أحاديث غير صحيحة متعلقة بالصفات، جعلت العلماء يُنكرون عليه ذلك، ويتهمونه بالتشبيه كان الأشاعرة في مقدمتهم.
وواضح أيضا إن خطأه لم يكن بسبب المنهج الذي يتبناه، فمنهجه صحيح يقوم على أسس منهج السلف في الصفات، وقد ذكره ابنه أبو الحسين في دفاعه عنه، وإنما كان بسبب عدم الالتزام به في الأحاديث النبوية، فتسرّبت إليه أحاديث ضعيفة وموضوعة، جعلت خطأه هذا خطأ في تطبيق المنهج وعدم الالتزام به، لا في المنهج ذاته.
ورابعاً إن علماء الأشاعرة - في رسالتهم لنظام الملك - اتهموا الحنابلة بسب الإمام الشافعي ولعنه، وألحقوا به أئمة أصحابه [17]. وهذا في اعتقادي اتهام غير صحيح للشواهد الآتية، أولها إن الحنابلة يتولون الشافعي، ويعدونه من أصحاب إمامهم أحمد بن حنبل، وقد ترجموا له في طبقاتهم وأثنوا عليه كثيرا [18].
وثانيها إن الحافظ أبا بكر بن أبي داود السجستاني الحنبلي (ت قرن: 3 هـ) مدح الشافعي وأحمد بن حنبل، في قصيدة له، وصفهما بأنهما إماما هدى على طريق الحق و النصيحة [19].
وثالثها أن المؤرخ أبا علي بن البناء الحنبلي البغدادي (ت 471 هـ) صنف كتابين في فضل الشافعي، هما: فضائل الشافعي، وكتاب ثناء أحمد على الشافعي و ثناء الشافعي على أحمد [20].
وأما قولهم إنهم سبوا أئمة أصحاب الشافعي، فليس المقصود بهم أصحاب الشافعي الأوائل، وإنما المقصود أعيان الشافعية الأشاعرة الذين انتسبوا إلى الشافعي، وهذا ممكن الحدوث، بحكم الخصومة الشديدة القائمة بينهم وبين الأشاعرة، في ظل الأزمة العقيدية الحادة التي عصفت بالسنيين كلهم.
وخامساً إن أبا بكر بن العربي (ت 543 هـ) قال في الحنابلة وأهل الحديث كلاماً غليظاً، ووصفهم بأوصاف شنيعة، فجعلهم ممن كاد للإسلام، ولا فهم لهم، وليس لهم قلوب يعقلون بها، ولا آذان يسمعون بها، فهم كالأنعام بل هم أضل. وعدّهم من الغافلين الجاهلين في موقفهم من الصفات، وشبههم باليهود، وقال أنه لا يُقال عنهم: بنوا قصراً و هدّموا مصراً، بل يُقال: هدموا الكعبة، واستوطنوا البيعة [21]- أي كنيسة اليهود.
وسادساً إن كبار علماء الأشاعرة ببغداد ذموا - في رسالتهم لنظام الملك - خُصومهم الحنابلة ذماً شنيعاً، ووصفوهم له بأنهم رعاع أوباش، مجسمة مبتدعة، شرذمة أغبياء من أراذل الحشوية، رفضوا الحق لما جاءهم على يد ابن القشيري [22].
وسابعاً إن بعض الأشاعرة كان يتعمد رواية الأكاذيب المفضوحة على الحنابلة، طعناً فيهم وتشنيعا عليهم، وتحقيقا لمكاسب مذهبية، فمن ذلك ما رواه ابن الجوزي عن أبي الوفاء ابن عقيل، من أن الواعظ أبا بكر البكري (ت 476 ه) لما جاء إلى بغداد حكى عن الحنابلة ما لا يصح أن يُذكر، فقال إنهم يقولون: إن لله ذكراً، فرماه الله تعالى بالخبث في ذلك العضو فمات [23]. وقوله هذا - إن صح - هو افتراء مفضوح، وزندقة مكشوفة، لا يقوله إنسان عاقل، فضلاً عن مسلم.
ومنها أيضا ما ذكرناه سابقا من إن القاضي ابن العربي قال إنه لما كان ببغداد أخبره بعض شيوخه بأن أبا يعلى الفراء كان يقول: إذا ذُكر الله، وما ورد من هذه الظواهر في صفاته، فألزموني ما شئتم، فإني ألتزمه، إلا اللحية و العورة [24].
وروايته هذه غير صحيحة للمعطيات الآتية، أولها إن قوله هذا لم أعثر عليه في المصادر الحنبلية من إنه - أي أبو يعلى - قال ذلك، وإنما رواه ابن العربي عن مجهول هو من خُصوم القاضي أبي يعلى، وخبر هذا حاله لا يُقبل في أمر خطير كهذا.
وثانيها إن ذلك القول القبيح من المستبعد جدا أن يقوله القاضي أبو يعلى، وهو عالم فقيه زاهد، متبحر في مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ولأنه أيضا كان على منهاج السلف في الصفات لا يُثبت صفة إلا إذا وردت في الشرع، ولا شك إن ذلك القول المذموم لا يوجد في الشرع ما يُؤيده، وإنما هو منسوب للمجسم الضال داود الجويباري، الذي كان يقول: ((اعفوني عن الفرج واللحية، واسألوني عما وراء ذلك)) [25].
وثالثها إن الحنابلة قالوا إن بعض الأشاعرة كان يتعمد الكذب عليهم، نكاية فيهم انتصارا لمذهبه، فقالوا إن أعيان الأشاعرة عندما أرسلوا كتابهم إلى نظام الملك، كذبوا عليهم فيه، وذكروا له عنهم أشياء زوراً و بهتاناً [26]. وذكر المتكلم أبو الوفاء بن عقيل إن الأشاعرة في نزاعهم مع أصحاب الحديث كانوا يكذبون عليهم [27].
وثامناً إن الأشاعرة كثيرا ما يُشنّعون على الحنابلة وأهل الحديث، بإثباتهم لصفات وردت في القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة، فيقولون إن هؤلاء يُثبتون صفة النزول، والاستواء على العرش، والضحك، وتكليم الله لموسى، فينسبون إليهم كلام الله الذي وصف به نفسه، وهم - أي الحنابلة وأهل الحديث - لا يصلحون لذلك ولا يبلغونه [28]. حتى إن بعضهم قال عن الحنابلة - في إثباتهم لتلك الصفات - إنه ((ما بين شيوخ الحنابلة و بين اليهود إلا خصلة واحدة))، فردّ عليه الحافظ أبو نصر السجزي (ت 444 ه) بقوله: ((ولعمري إن بين الطائفتين خصلة واحدة، لكنها بخلاف ما تصوّره الساقط، وتلك الخصلة إن الحنابلة على الإسلام والسنة، و اليهود على الكفر و الضلالة)) [29].
وواضح إن تشنيع الأشاعرة على أهل الحديث بذلك الطريق الملتوي، هو في حقيقته رد للشرع، وقدح فيه، وتحايل على المسلمين، بإلقاء التهمة على أصحاب الحديث، بدلا من الإعلان صراحة رفضهم لتلك الصفات التي وردت في الكتاب و السنة الصحيحة، وهو في النهاية رفض للقرآن و السنة، فالمفروض إنه كان عليهم أن يُعلنوا موقفهم صراحة من تلك الصفات ليعرف الناس حقيقة موقفهم منها.
وأخيراً - أي تاسعاً - هناك أوصاف أخرى أطلقها بعض الأشاعرة على الحنابلة وأهل الحدث، هي من صميم مبحثنا هذا، منها إن القاضي أبا المعالي عزيزي بن عبد الملك الشافعي الأشعري (ت 494 ه)، كان قاضياً على حي باب الأزج ببغداد، الذي غالبية سكانه حنابلة، فكان بينه و بينهم خصام ومهاترات، فيُروى إنه في أحد الأيام سمع رجلا يُنادي على حمار له ضاع منه، فقال القاضي: ((يدخل باب الأزج، و يأخذ بيد من شاء)). وقال يوما لأحد أصحابه عن الحنابلة: ((لو حلف إنسان إنه لا يرى إنسانا، فرأى أهل باب الأزج لم يحنث، فقال له صاحبه: من عاشر قوما أربعين يوما فهو منهم))، لذا فإنه - أي القاضي - عندما مات فرح الحنابلة بموته كثيرا [30].
ففي قوله الأول ألحقهم بالحمير صراحة، و في الثاني نفى عنهم صفة الأدمية، وألحقهم بالحيوانات ضمنياً، ثم ألحقه صاحبه هو أيضا بهم، بحكم إنه معاشر لهم.
ومنها أيضا إن النجم الخبوشاني (ت 587 ه)، لما نبش قبر ابن الكيزاني الذي كان بجانب ضريح الشافعي، وصفه بالزندقة، وقال: ((لا يكون صدّيق و زنديق في موضع واحد)) [31]. اتهمه بذلك لمجرد إنه كان على مذهب أهل الحديث، ولم يكن مثله أشعريأ، ولم يشفع له عنده مذهبه الشافعي في الفروع.
واتهم بعضهم الحافظ عبد الله بن عطاء الإبراهيمي الهروي الحنبلي (ت 476 هـ) بالكذب ووضع الأحاديث، وقالوا إنه كان يجتمع بالحنابلة وأهل الحديث، ويروي لهم أحاديث مكذوبة تتعلق بالصفات هي من وضعه، لكن الذين يعرفون أحواله من ثقات المحدثين عدّلوه، فوثّقه المؤتمن الساجي، وقال عنه خميس الجوزي: ((ما علمتُ فيه ذلك، وكان يعرفه)) [32].
وأما الحنابلة وأهل الحديث، فهم أيضا ذموا الأشاعرة بمختلف ألفاظ الذم والتشنيع والقدح، في إطار النزاع العقيدي القائم بينهم، فمن ذلك أولاً: أنهم اتهموهم بالتمويه على الناس، وإخفاء عنهم مقالتهم في صفات الله وكلامه، فذكر أبو نصر السجزي (ت 444 هـ)، إن الأشاعرة يستخدمون التمويه والمصانعة، ولا يُظهرون حقيقة مذهبهم للناس، الذي ينتهي إلى دعوتهم إلى مخالفة السنة، وترك الحديث؛ ثم قال إنه إذا خاطبهم من له هيبة وحشمة من أهل الأثر، قالوا له: ((الاعتقاد ما تقولونه، وإنما نتعلّم الكلام لمناظرة الخصوم))، ثم قال أيضا: ((والذي يقولونه كذب، وإنما يتسترون بهذا، لئلا يُشنع عليهم أصحاب الحديث)) [33].
ثم ذكر السجزي إنه كان بمكة رجل كثير الاشتغال بالحديث، ويُعلن إنه ليس أشعريا، لكنه يمدحهم، ويقول: رأيت منهم فاضلا، التراب من تحت رجله أفضل من أناس. وإذا قدم منهم رجل إلى البلد قصده ليقضي له حاجته، لكن إذا دخل عليه رجل من أصحاب الحديث، جانبه وحذّر منه، وإذا ذُكر عنده شيخ من شيوخ وقع فيه، وقال: ((أحمد نبيل، لكنه بُلي بمن يكذب عليه))، ثم عقّب السجزي على كلامه بقوله: وهذا مكر منه، لا يحيق إلا بأهله، وقول جاهل رقيق الدين وقليل الحياء [34].
وقال أيضا إن بعض الأشاعرة يتظاهر إنه ليس أشعريا، ويرد عليهم و يُظهر مخالفته لهم، فيُتابع في ذلك ظنا إنه مخالف لهم -أي للأشاعرة -، وكثيراً ما انطلى مثل هذا السلوك على أهل السنة على حد قول السجزي [35]؛ ويعني بهم الحنابلة و أهل الحديث.
وقال أبو الوفاء بن عقيل البغدادي الحنبلي (ت 513 هـ) إن الأشاعرة يردون على أصحاب الحديث بالكذب و التمويه [36]. وقال عنهم الموفق بن قدامة المقدسي (ت 620 هـ) إنهم يُخفون مقالتهم في القرآن الكريم، من إنه ليس كلام الله حقيقة، وإنما هو عبارة عنه، فإنهم لا يتجاسرون على إظهارها و ((لا التصريح بها إلا في الخلوات، ولو إنهم ولاة الأمر وأرباب الدولة، وإذا حكيت عنهم مقالتهم التي يعتقدونها، كرهوا ذلك وأنكروه وكابروه، ولا يتظاهرون إلا بتعظيم القرآن، وتبجيل المصاحف، والقيام لها عند رؤيتها، وفي الخلوات يقولون: ما فيها إلا الورق والمداد، وأي شيء فيها؟!)) [37].
وثانياً إن أهل الحديث شبّهوا الأشاعرة بالزنادقة فيما اختصوا به في مسألة الصفات وكلام الله تعالى، فشبّههم الحافظ أبو نصر السجزي بالزنادقة في إنهم يُخفون مذهبهم عن قوم، ويُظهرونه لآخرين، مما مكّنهم من جذب كثير من العوام إلى مذهبهم، لأنهم يُظهرون للعامي الموافقة بداية، ويُكذّبون بما يُنسب إليهم حتى يصطادوه، ثم يجروه قليلا قليلا، حتى ينسلخ من السنة [38].
وقال السجزي إن القاضي أبا بكر الباقلاني الأشعري، كان أكثر الأشاعرة استخداما لتلك الطريقة، فقد وشّح كتبه بمدح أهل الحديث، واستدل على أقاويله بالأحاديث في الظاهر، وأكثر الثناء على أحمد بن حنبل، وقال إنه - أي أ حمد - كان يعرف الكلام، ولا فرق بينه وبين الأشعري في ذلك، وقوله - أي الباقلاني - هذا هو عند السجزي من قلة الدين و الحياء [39].
وأقول: نعم كان الإمام أحمد بن حنبل على علم بمقالات المتكلمين المعاصرين له، وهو رغم ذمه لعلم الكلام وأهله، فقد ردّ على مقالاتهم في مصنفاته، كما في كتابه الرد على الزنادقة والجهمية، لكنه لم يكن يقول بمقالة الأشعري في مسألة الإيمان، والسببية، والأفعال الاختيارية، وكلام الله تعالى، وهو من أوائل الذين ردوا على الكلابية، التي هي سلف الأشعرية [40].
وشبّه الفقيه الموفق بن قدامة المقدسي (ت 620 هـ) الأشاعرة بالزنادقة - في موقفهم من كلام الله - بقوله: ((ولا نعرف في أهل البدع طائفة يكتمون مقالتهم، ولا يتجاسرون على إظهارها، إلا الزنادقة و الأشعرية، رغم إنهم هم ولاة الأمر وأرباب الدولة، ومع ذلك لا يُظهرون مقالتهم لعامة الناس)) [41].
وثالثاً إن بعض علماء الحديث اتهموا الأشاعرة بالكذب على أصحاب الحديث، فذكر أبو نصر السجزي، إن الأشاعرة يتعمدون الكذب على أهل الحديث، تسترا وتمويها، ويُنسبون كل من يخالفهم إلى سب العلماء، ليُنفّروا قلوب الناس منه، وتكلموا فيه ونسبوا إليه أقاويل لا يعتقدها، كذبا وبهتانا عليه، لأنهم يعتقدون إن الكذب والبهتان لا قبح لهما في العقل، وإنما الشرع هو الذي حكم بقبحهما، والمخالفون لهم ضالون لا حرمة لهم [42]. بمعنى إنه لا حرمة لهم نقلا ولا عقلا.
وقال المتكلم أبو الوفاء بن عقيل إن الأشاعرة يزدرون على أصحاب الحديث بالكذب والتمويه [43]. وذكر القاضي أبو الحسين بن أبي يعلى (ت 526 هـ) إن علماء الأشاعرة الذين أرسلوا الخطاب إلى الوزير نظام الملك، - في فتنة ابن القشيري - كذبوا فيه على الحنابلة، وذكروا له فيه أشياء عن معتقدهم زورا وبهتانا [44].
ورابعاً إن بعض علماء الحديث والمنتسبين إليهم، حذّروا من مقالة الأشاعرة، وشهّروا بهم و ببعض أفكارهم التي رأوها شنيعة، منهم أبو الوفاء بن عقيل، فإنه بعدما أشار إلى إن الأشاعرة - في موقفهم من كلام الله - قد خالفوا الكتاب والسنة، والإجماع واللغة، قال عنهم محذرا: ((واجتنبوا مقالتهم، واحذروا بدعتهم و ضلالتهم، تسلموا من بِدعهم، و اخبروا المسلمين مقالتهم و اعتقادهم الفاسد)) [45].
ومنهم أيضا الفقيه أبو محمد بن حزم الظاهري (ت 456 هـ)، فقد شهّر بالأشاعرة أيما تشهير، فذكر إنهم يقولون إن محمدا -عليه الصلاة و السلام - ليس رسولا بعد وفاته، بدعوى إن الروح عرض، والعرض يفنى أبداً ولا يبقى وقتين بعد الوفاة، ومقالتهم هذه مخالفة للشرع والإجماع. وذكر أيضا إنهم ينكرون السببية و طبائع الأشياء، ويقولون لا يصح إسلام أحد حتى يكون بعد بلوغه شاكاً في الله ونبوة رسوله، ولا يصح إيمان إلا بكفر، ولا تصديق إلا بجحود، ثم توسع في شرح مقالتهم والرد عليهم [46].
وخامساً هناك أوصاف أخرى مذمومة، وصف بها بعض أهل الحديث الأشاعرة، كوصفهم بأنهم مبتدعة، وأهل بدع، وقد وصفهم بذلك أبو الحسين بن أبي يعلى، وأبو عثمان الصابوني الشافعي، والموفق بن قدامة المقدسي [47]. ووصف الحافظ عبد الله الأنصاري الهروي الصوفي الحنبلي (ت قرن: 5 هـ) الأشاعرة بأنهم مخانيث المعتزلة. وقال عنهم يحيى بن عمار: الأشعرية الجهمية الإناث، والمعتزلة الجهمية الذكور [48].
ومرُاد هؤلاء مما قالوه، هو الطعن في الأشعرية، مما يُفيد بأنها ليست مذهبا مستقلا صافياً، وإنما هي بدعة و خليط من عدة مذاهب في مقدمتها الاعتزال.
وختاماً لهذا المبحث، يتبين أولاً إن كل طرف - من الطرفين المتنازعين - يتهم الآخر ويذمه ويشنع عليه، وينفي عن نفسه التهم الموجهة إليه جملة و تفصيلا، ويدعي إنه هو الذي على صواب، وإن خصمه على ضلال.
وثانياً إن ما استعمله الطرفان من ذم واتهامات وتشنيعات، هو دليل قاطع على ما وصلت إليه الأزمة العقيدية، من حدة وقسوة وضراوة، حتى قسّمت المجتمع السني إلى طائفتين متناحرتين، كل طائفة تتربص بالأخرى الدوائر، وتكن لها الحقد والكراهية والبغضاء، فتحوّلت الأزمة إلى محنة عامة اكتوى بها السنيون كلهم.
وثالثاً إن ما ذكرناه من مظاهر الذم والاتهامات والتشنيعات، التي تبادلها فيما بينهم أهل الحديث والأشاعرة، هي دليل دامغ على إن الأزمة العقيدية -التي عصفت بالسنيين- كانت منذ بدايتها في اتساع وتصعيد وتكريس وتعميق، ولم تجد الحل الشرعي الصحيح الذي يضع لها حدا نهائيا، و يُرضي الطرفين المتنازعين.
[1] انظر: ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 208. و فتوى و جوابها ص: 33. والذهبي: تذكرة الحفاظ، ج 3 صث: 1167، 1188، 1189.
[2] ابن عساكر: تبيين كذب المفتري، ص: 311 وما بعدها.
[3] انظر: ابن الجوزي: المنتظم، ج 9 ص: 58.
[4] الناصري:: الإستقصاء، ج 1 ص: 196، 197.
[5] العواصم من القواصم، الجزائر، الشركة الوطنية للنشر و التوزيع، 1981، ج 2 ص: 283.
[6] هو مصطلح يثقصد به الحشو في الكلام، و قله الفهم و المعرفة، أطلقه المعتزلة على كل من خالفهم، ثم أطلقه الأشاعرة أيضا على من خالفهم. ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 4 ص: 23 - 24. وبيان تلبيس الجهمية، ج 1 ص: 242، 245.
[7] ابن عساكر: تبيين، ص: 310.
[8] الذهبي: السيّر، ج 20 ص: 454.
[9] الكامل في التاريخ، ج 8 ص: 378.
[10] العواصم من القواصم، ج 2 ص: 283.
[11] انظر: ابن الأثير: الكامل، ج 8 ص: 378. وابن عساكر: تاريخ دمشق، ج 52 ص: 356.والصفدي: الوافي، ج 3 ص: 864.
[12] طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 208.
[13] نفس المصدر، ج 2 ص: 212.
[14] الذهبي: ط 1، الرياض، مكتبة أضواء السلف، 1995، للعلي الغفار، ص: 251.
[15] ابن تيمية: درء التعارض، ج 5 ص: 237، 238.
[16] أنظر مثلا، ما كتبه عنه ابنه في طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 208.
[17] ابن عساكر: تبين كذب، ص: 315 و ما بعدها.
[18] نظر طبقات الحنابلة، ج 1 ص: 315، وما بعدها.
[19] أبو بكر بن أبي داود: قصيدة ابن أبي داود، ص: 59.
[20] ابن رجب: الذيل على طبقات الحنابلة، ج 1 ص: 46.
[21] العواصم من القواصم، ج 2 ص: 282، 288، 303.
[22] ابن عساكر: تبيين، ص: 310 وما بعدها.
[23] المنتظم، ج 9 ص: 4.
[24] العواصم، ج 2 ص: 283.
[25] الشهرستاني: الملل والنحل، حققه علي مهنا، بيروت، دار المعرفة، 1998، ج 1 ص: 1057. وأبو المظفر الاسفراييني: التبصير في الدين، ط 1، بيروت، دار عالم الكتب، 1983، ص: 120.
[26] ابن أبي يعلى الفراء: طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 239.
[27] ابن عقيل: الرد على الأشاعرة، ص: 91.
[28] الموفق المقدسي: نشره جورج مقدسي، النظر في كتب أهل الكلام، لندن، مطبعة لوزاك، ص: 58.وابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 4 ص: 186.
[29] السجزي: رسالة السجزي، ص: 45.
[30] ابن كثير: البداية، ج 12 ص: 160.
[31] السبكي: طبقات الشافعية، ج 7 ص: 15.
[32] ابن رجب: الذيل، ج 1 ص: 58. وابن حجر: لسان الميزان، ج 3 ص: 316.
[33] السجزي: المصدر السابق، ج 57. و ابن تيمة: درء التعارض، ج 2 ص: 91.
[34] السجزي: نفس المصدر، ص: 60.
[35] نفسه، ص: 60.
[36] ابن عقيل: الرد على الأشاعرة، ص: 91.
[37] الموفق بن قدامة: مناظرة في القرآن، ط 1، الكويت، مكتبة ابن تيمية، 1990، ص: 58.
[38] السجزي: رسالة السجزي، ص: 51.
[39] نفسه، ص: 51.
[40] راجع التمهيد.
[41] ابن قدامة: مناظرة في القرآن، ص: 58.
[42] السجزي: رسالة السجزي، ص: 51، 57.
[43] ابن عقيل: الرد على الأشاعرة، ص: 91.
[44] ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 239.
[45] ابن عقيل: المصدر السابق، ص: 86.
[46] ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، القاهرة، مكتبة الخانجي، د ت، ج 1 ص: 34، 75.
[47] ابن قدامة المقدسي: مناظرة في القرآن، ص: 35. وابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 239.وابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية، ص: 106.
[48] ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 6 ص: 359، ج 14، 349.
المصدر: الأزمة العقيدية بين الأشاعرة وأهل الحديث - خلال القرنين: 5 - 6 الهجريين - مظاهرها، آثارها، أسبابها، والحلول المقترحة لها / خالد علال ص 31 - 42