Tuesday, 1 November 2022

ملامح التجديد عند الإمام يحيى بن حمزة - كتاب الانتصار نموذجاً

 عن أبحاث علمية فكرية

ورقة بحثية قدمها الأستاذ العلامة عبدالسلام عباس الوجيه لندوة "تطور العلوم الفقهية" التي أقيمت في مسقط 2012م.

---------------------------------------
تمهيد

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين محمد بن عبد الله الصادق الأمين وآل بيته الطاهرين وأصحابه المنتجبين وبعد:

فإن المدرسة الزيدية من أغنى المدارس وأثراها، تمتلك من المجموعات الأصولية والفقهية ما لا يكاد يوجد له نظير بسبب حرية النظر والاجتهاد في المسائل الفقهية وأدلتها التي أتاحها المذهب الزيدي لأتباعه، وهو ما مكن أئمة الفقه الزيدي من النبوغ وجعل المذهب متميزا عن سائر مذاهب الأمصار فقهاً وتأصيلاً وتحرراً وتسامحاً، وإن كان أقلها حظاً من الاهتمام والدراسة لأسباب شتى.

ولقد كان من أئمته المتميزين ونوابغه المشهورين وعلماءه الموسوعيين الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة الحسيني [ت749هـ] الذي كان "موسوعة علمية ندر أن يكون له نظير لا بين الزيدية فحسب بل بين فرق المسلمين" كما قال الدكتور أحمد محمود صبحي.

وقد اشتهر بمؤلفاته في مختلف الفنون سيما في أصول الدين وأصول الفقه واللغة العربية، كما اشتهر بموسوعة الانتصار في الفقه الذي تفرد في منهجه وأسلوبه وفي هذه المحاولة المتواضعة للتعرف على ملامح التجديد عند الإمام يحيى بن حمزة يحسن بنا أن نعرج في البداية على المذهب الزيدي جملة، نشأته وتطوره ومراحله التي مر بها في عجالة لا بد منها للوصول إلى موضوع ورقة العمل هذه.
الزيدية.. التعريف والنسبة:

تطلق كلمة الزيدية على أئمة أهل البيت النبوي الشريف ومن تابعهم أو وافقهم في الاعتقاد بعدل الله المطلق وتوحيد الله في ذاته وصفاته دون تجسيم أو تشبيه أو تعطيل، وصدق الوعد والوعيد وإضافة أفعال العباد إليهم وأنهم المحدثون لها حسنها وقبيحها، وإثبات النبوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووجوب الخروج على الظلمة بالشروط المبينة في كتبهم، واستحقاق الإمامة بالفضل والطلب لا بالوراثة أو القوة، وأفضلية الإمام علي بن أبي طالب وأولويته بالإمامة، والقول بإمامة الإمام زيد بن علي.

ونسبة الزيدية إلى الإمام زيد عليه السلام ليست نسبة فقهية بحتة على النحو المعروف في المذاهب الأخرى ولا تقلده الزيدية كتقليد الشافعية للشافعي مثلاً بل يقلدون غيره من الأئمة الذين ساروا على نهجه في الجهاد والاجتهاد كما سنرى لأن المذهب يحرم التقليد على كل متمكن من أخذ الحكم من كتاب الله وسنة نبيه فنسبة الزيدية إلى الإمام زيد نسبة اعتزاء وانتماء ولأن هذه النسبة لم يطلقها الإمام زيد على نفسه ولا على أتباعه ولا أطلقها أتباعه على أنفسهم بل أطلقها عليهم حكام بني أمية وبني العباس، وأطلقت على أي ثائر منهم بعد الإمام زيد من أهل البيت، فالتسمية سياسية في الأصل كما أن الزيدية لا يعتقدون أن الإمام زيد أولى من غيره بالتقليد في الأحكام  الاجتهادية فقد نبغ منهم في الاجتهاد الفقهي عدد من أئمة أهل البيت ويمكن تقسيمهم إلى طبقات:

أولاً: المؤسسون:

1- الإمام الأعظم زيد بن علي بن الحسين [المستشهد سنة 122هـ] وهو من مشاهير فقهاء التابعين له مشاركة فاعلة في ترسيخ دعائم الفقه الإسلامي ودراسة نصوص القرآن والسنة وتميز فقهه بأنه:

‌أ- نشأ في أجواء حرة بعيداً عن تأثير الدول وإملاءات الحكام ولم يكن أمامه شيء يراعيه إلا وضوح البرهان وقوة الدليل.

‌ب- جعل للعقل حضوراً في تقييم الأدلة وإعمالها فلا هو حشره فيما لا يعنيه وحمله ما لا يطيق ولا هو عطله من التأمل والحركة في المساحة التي يمكن أن يتحرك فيها.

‌ج- كان يجمع في اجتهاده بين فقه الأدلة وفقه الواقع ويعطي المسائل التي اجتهد فيها أبعاداً مختلفة.

‌د- اعتمد بالدرجة الأولى على نصوص القرآن في حركته واجتهاده، وكان من أهم  كتبه: المجموع الحديثي والفقهي المعروف بالمسند و كتاب مناسك الحج.

2- الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي [ت246هـ]، أحد أعلام الزيدية المؤسسين، له مذهب فقهي مشهور، وألف كتباً كثيرة في الفقه منها: الفرائض والسنن، والمناسك، وصلاة اليوم والليلة، ومسائل جهشيار، ومسائل النيروسي، ومسائل الكلاري.

3- الإمام أحمد بن عيسى بن زيد [ت247هـ]، المعروف بفقيه آل محمد، له فقه كثير ورواية واسعة، تضمنها كتاب العلوم الذي جمعه محمد بن منصور المرادي في كتاب العلوم الذي عُرف بـ(أمالي أحمد بن عيسى).

4- الإمام الحسن بن يحيى بن زيد [ت260هـ]، قالوا: وكان من الشهرة بالكوفة في الزيدية، كأبي حنيفة عند فقهائها، وكان عامة الزيدية في الكوفة على مذهبه.

5- الإمام عبدالله بن موسى بن عبدالله [ت247هـ].

6- الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين ابن القاسم [ت298هـ]، مؤسس الزيدية في اليمن، وله كتاب الأحكام، والمنتخب والفنون في الفقه، وكذلك ولداه محمد وأحمد.

7- الإمام الناصر الحسن بن علي الأطروش [ت304هـ]، من كبار أئمة الزيدية في الجيل والديلم، له نحو مائة كتاب لم يصلنا منها إلا القليل.

هؤلاء هم أصحاب النصوص والمؤسسون، لأنهم قاموا بدراسة نصوص القرآن وما صح من السنة، واستنبطوا من ذلك ما أمكنهم من الأحكام والمسائل الفقهية، ثم جاءت بعدهم طبقة من الفقهاء اعتنوا بدراسة وشرح وتعليق وتخريج كلام الأئمة وأقوالهم من باب الاتفاق في تحرير الدليل وفهمه، وفي ظل الحرية الفكرية وحرية الاجتهاد كانت للزيدية ثلاث تيارات أو مدراس فقهية.

(أ‌) القاسمية وهم أتباع ومقلدو الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي، كان معظمهم في الحجاز والجيل والديلم.

(ب‌) الهادوية وهم أتباع الإمام الهادي يحيى بن الحسين ومقلدوه، ولم يكن بينه وبين جده كثير خلاف، ومعظم انتشارهم كان في الجزيرة وخراسان والعراق وهو السائد في اليمن.

(ت‌) الناصرية وهم أتباع الإمام الناصر الأطروش ومقلدوه، وكان معظمهم في العراق وفارس.
ورغم تعدد اجتهادات أئمة الزيدية وكثرتها فقد كان لهم قواعد عامة تجمعهم وأصول مشتركة منها على سبيل المثال:

- الاعتماد على فقه وفكر آل البيت النبوي باعتبارهم قرناء الكتاب.

- مراعاة قضايا العقل في تحرير الأحكام لاسيما ما كان له علاقة بالتحسين والتقبيح والمصالح والمفاسد.

- اعتبار ما صح عن الإمام علي عليه السلام وأولاده موضع احتجاج.

- ترجيح ظواهر النصوص القرآنية على الكثير من الأحاديث الظنية.

- اعتبار إجماع أهل البيت حجة يجب الأخذ بها والاعتماد عليها.

- اعتبار عرض الأحاديث على القرآن خير وسيلة لمعرفة صحتها.

- فتح باب الاجتهاد على مصراعيه لكل قادر على ولوجه، وإنكار التقليد من كل مجتهد استكمل شروط الاجتهاد وتمسك بالثوابت.

ولهذا فُتح باب الاجتهاد وتوالى بعدهم المجتهدون على أصول المذهب، وتكونت بذلك مجموعة فقهية لا نظير لها. قال أبو زهرة: ولعله كان أوسع من سائر مذاهب الأمصار لأن المذاهب الأربعة لا يخرج المخرجون فيها عن مذهبهم إلى مرتبة الاختيار من غيره.

ثانياً: طبقة المخرجين:

وهم الذين استخرجوا من كلام الأئمة واحتجاجهم بواسطة القياس والمفهوم أحكاماً لا تتعارض مع الأدلة الشرعية وهم:

1- محمد بن منصور المرادي [ت290هـ]، أبو جعفر الحافظ له أكثر من ثلاثين كتاب في الفقه اختصرها أبو عبدالله العلوي في كتابه الجامع الكافي.

2- أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني [ت353هـ] ، له (شرح الأحكام) وجمع كتب القاسم والهادي في كتاب سماه (النصوص) واستخرج من تلك النصوص المفاهيم والتخريجات وجمعها في كتاب (التخريجات).

3- الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني [ت416هـ]، قام بتجريد نصوص القاسم والهادي وله كتاب التجريد وكتاب شرح التجريد.

4- الإمام الناطق بالحق أبو طالب [ت424هـ]، له كتاب التحرير وشرحه، وله المجزي في أصول الفقه.

5- العلامة علي بن بلال -مولى الإمامين المؤيد بالله والناطق بالحق- شرح كتاب الأحكام واستخرجه من كتاب أبي العباس الحسني.

6- العلامة المحدث أحمد بن محمد الازرقي الهدوي.

ثالثاً: المحصلون:

وهم الذين اهتموا بتحصيل أقوال الأئمة وما استُخرج منها ونقلوها إلى تلامذتهم بطريقة الرواية والمناولة لمؤلفاتهم، ومن رجال هذه الطبقة:

1- القاضي زيد بن محمد الكلاري، الملقب بحافظ أقوال العترة، ومن أتباع الإمام المؤيد بالله.

2- السيد العلامة علي بن العباس بن إبراهيم [ت430هـ]، والملقب براوي إجماعات أهل البيت.

3- شيخ الإسلام القاضي جعفر بن عبد السلام البهلولي [ت573هـ].

4- شيخ الإسلام القاضي الحسن بن محمد الرصاص [ت584هـ].

5- الإمام الأعظم عبد الله بن حمزة [ت614هـ].

6- الإمام الحسين بن بدر الدين [ت662هـ].

رابعاً: المذاكرون:

وهم الذين راجعوا أقوال من تقدمهم وفحصوها سنداً ومتناً، وعرضوها على أصول المذهب وقواعده المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله، فأقروا ما توافق منها واعتبروها (المذهب) وما لم يوافقها في رأيهم لم يعتبروها مذهباً للفرقة الزيدية، وكان في نظرهم رأياً خاصاً بصاحبه غير معاب عليه باعتبار أن كل مجتهد مصيب يحرم عليه التقليد، وهم:

1- القاضي العلامة عبد الله بن زيد العنسي [ت669هـ].

2- القاضي العلامة محمد بن يحيى حنش [ت717هـ].

3- القاضي العلامة محمد  بن سليمان بن أبي الرجال العمري الصعدي [ت730هـ].

4- الإمام الأعظم يحيى بن حمزة [ت749هـ] وهو موضوع ورقتنا هذه.

5- القاضي العلامة يوسف بن أحمد ابن عثمان الثلائي [ت832هـ].

6- الإمام الشهيد أحمد بن يحيى المرتضى [ت840هـ] وغيرهم.

ومعظم رجال هذه الطبقة -والطبقات التالية والسابقة- هم من العلماء المجتهدين الموسوعيين.
وأختم هذه العجالة حول مراحل تطور الفقه الزيدي إلى عصر الإمام يحيى بن حمزة، بالإشارة إلى أن هذه المراحل السابقة رافقها تجديد وتطور في التأصيل لقواعد أصول الفقه ابتداء من المؤسسين وانتهاء بالمذاكرين ولهم في ذلك مؤلفات واجتهادات كثيرة كما كان للمعتزلة الكثير من الكتب التي اعتمد هؤلاء ما وافق أصولهم منها.

وندخل إلى موضوعنا حول ملامح التجديد من خلال:

ترجمة الإمام يحيى بن حمزة:

هو الإمام المؤيد بالله أبو إدريس يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم بن يوسف بن علي بن إبراهيم بن محمد بن أحمد بن إدريس بن جعفر الزكي بن علي التقي بن محمد الجواد بن الإمام علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين السبط بن الإمام علي ابن أبي طالب.

أحد أعلام الفكر الإسلامي في اليمن، ونجوم الآل الكرام، إمام، مجتهد، مجاهد، مفكر، زاهد. مولده بمدينة صنعاء في 27 صفر سنة 669هـ، واشتغل بالمعارف وهو صبي، فأخذ العلوم على أكابر علماء الزيدية، وتبحر في جميع العلوم وفاق أقرانه حتى أصبح من أكابر أئمة الزيدية في الديار اليمنية، اشتهر بالميل إلى الإنصاف، وطهارة اللسان وسلامة الصدر، وعدم الإقدام على التكفير والتفسيق بالتأويل، وكان كثير الذب عن الصحابة وأكابر علماء الطوائف، صحب الإمام المتوكل على الله المتوكل على الله المطهر بن يحيى في حروبه، ودعا إلى نفسه بعد وفاة الإمام المهدي محمد بن المطهر سنة 729هـ، وقيل سنة 730هـ، في فترة عصيبة من تاريخ اليمن، فبلغت دعوته إلى بلاد الظاهر وصعدة والشرف ومعظم المناطق الشمالية في اليمن، وعارضه أئمة آخرون فتفرغ للعلم والتأليف، واستقر في حصن هران قبلي ذمار وتوفي بها وقبر في ذمار، ومن شيوخه الإمام يحيى بن محمد السراجي والفقيه عامر ابن زيد الشماخ وغيرهما واشتهر بمؤلفاته الكثيرة ومن مؤلفاته:

أولاً: في أصول الدين:

1- الإفحام لأفئدة الباطنية الطغام في الرد عليهم في الأسرار الإلهية والمباحث الكلامية.

2- التحقيق في الإكفار والتفسيق.

3- التمهيد في علوم العدل والتوحيد.

4- الجواب اللائق في تنزيه الخالق عن مشابهة الممكنات والكون في الأرجاء والجهات.

5- الشامل لحقائق الأدلة  العقلية وأصول المسائل الدينية (أربعة مجلدات).

6- مشكاة الأنوار الهادمة لقواعد الباطنية الأشرار.

7- النهاية في الوصول إلى علم حقائق علوم الأصول.

8- الوعد والوعيد وما يتعلق بهما وغيرها.

9- المعالم الدينية في العقائد الإلهية.

ثانياً: في أصول الفقه:

1- الحاوي لحقائق الأدلة الفقهية وتقرير القواعد القياسية  (ثلاثة مجلدات).

2- القسطاس قال السيد مجد الدين في أصول الفقه (مجلدان).

3- الكوكب الوقاد في أحكام الاجتهاد (رسالة).

4- المعيار لقرائح النظار في شرح حقائق الأدلة الفقهية والقواعد القياسية فرغ منه سنة 715هـ.
ثالثاً: في الفقه:

1- العدة في المدخل إلى العمدة (مختصر في الفقه في مجلدين).

2- العمدة في مذاهب الأئمة في الفقه فرغ منه سنة 720هـ ويحتوي على ستة مجلدات جمع فيها إيرادات المذاهب بالحجج والشواهد.

3- الفتاوى مجموعة من الفتاوى ضمن مجاميع متفرقة.

4- الاختيارات في الفقه (تُسمى الاختيارات المؤيدية) مجلدان.

5- الانتصار على علماء الأمصار  في تقرير المختار من مذاهب الأئمة وأقاويل علماء الأمة في المباحث الفقهية والمضطردات الشرعية (موسوعة في الفقه المقارن فريدة من نوعها في ثمانية عشر مجلداً مخطوطاً).

رابعاً: في اللغة:

1- الأزهار أو الأنهار الصافية شرح مقدمة الكافية في النحو (مجلدان).

2- الاقتصار في النحو (مجلد).

3- الحاصر في شرح مقدمة طاهر في النحو.

4- المنهاج الجلي في شرح جمل الزجاج في النحو.

5- رسالة في بيان المصدر والحاصل له.

6- الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز فرغ منه سنة 728هـ (ثلاثة مجلدات).
7- الإيجاز لأسرار كتاب الطراز في علوم البيان ومعرفة الإعجاز (مخطوط).

8- الديباج الوضي في الكشف عن أسرار كلام الوصي (شرح نهج البلاغة).

خامساً: في فنون أخرى:

1- الفائق المحقق في علوم المنطق.

2- إكليل التاج وجوهره الوهاج.

3- الأنوار المضيئة في شرح الأربعين السيلقية.

4- الإيضاح لمعاني المفتاح (فرائض).

5- اللباب في محاسن الآداب.

6- مشكاة الأنوار للسالكين مسالك الأبرار.

7- تصفية القلوب من درن الأوزار والذنوب.

8- عقد اللآلي في الرد على أبي حامد الغزالي.

9- الرسالة الوازعة للمعتدين عن سب صحابة سيد المرسلين، وغيرها من المؤلفات.
بعض ما قيل فيه:

سأقتصر هنا على بعض ما قيل فيه من الدارسين المعاصرين فقط:

- د. حسين عبد الله العمري في كتابه مصادر التراث اليمني في المتحف البريطاني يقول: "الإمام المؤيد بالله يحيى ابن حمزة أحد أعاظم أئمة اليمن وأكابر علماء الزيدية.. أما كتبه ومصنفاته فكثيرة يُروى أن كراريس تصانيفه زادت على أيام عمره ولعل أجلها كتاب الانتصار في ثمانية عشر مجلداً.. يعتبر كتاب الانتصار من أعظم كتب الفقه عند الزيدية بل قد وُصف أنه لا نظير له في كتب المتقدمين والمتأخرين".

- د. أحمد محمود صبحي في كتابه الزيدية صفحة 336-337 قال: "علم شامخ من ابرز أعلام الزيدية وأئمتهم، جمع بين العلم والعمل، بين الفكر والزهد إذ هو بين متكلمي الزيدية من نوابغهم". إلى أن قال: "موسوعة علمية ندر أن يكون له نظير لا بين الزيدية فحسب بل بين فرق المسلمين جميعاً،  كتابه (الإنتصار) في الفقه الينبوع الذي اغترف منه ابن المرتضى فأخرج للناس كتابه (البحر الزخار)". إلى أن قال: "قد يُقال ولكنه في معظم ما قال مسبوق في علم الكلام من المعتزلة وفي المواعظ والأخلاق من الحارث المحاسبي والغزالي، وأقول: إن مذهباً معاصراً وأعني الوضعية المنطقية قد ارتأى حل إشكالات الفلسفة بحل مصطلحاتها، ذلك أن اختلاف الآراء وأضرابها إنما هو وليد الدقة في تحديد معاني الألفاظ وكان هذا هو الجديد الذي قدمه المذهب للفكر المعاصر وإن كان ذلك مسبوقاً بسقراط.

وذلك بالضبط هو وجه الأصالة في فكر يحيى بن حمزة يبدأ كل نظرية بتحديد مصطلحاتها ومفاهيم ألفاظها وفقاً لما يقتضيه العرف واللغة والشرع والاصطلاح وإنما جاء بطلان مذاهب الخصوم لأن مفاهيمها مخالفة لهذه المعايير".

ويقول صبحي في مقدمة كتاب (المعالم الدينية للإمام يحيى بن حمزة) تحقيق سيد مختار: "عدة أمور جذبتني إلى الإمام يحيى بن حمزة حين قمت بدراسة أشهر مفكري الزيدية والتي ضمنتها كتابي الزيدية:
الأمر الأول: تواضعه الجم إذ لا يعرض لنفسه إلا بعد عرض الفرق المختلفة في الموضوع ثم يعقب قائلا والأرجح عندنا.

الأمر الثاني: منهجه الفريد في عرض الموضوعات الكلامية فقد أتاحت له مقدرته الفائقة في علوم اللغة وبخاصة البلاغة أن يقيس الآراء الكلامية بمعايير أربعة بالاستخدام الصحيح للفظ: اللغة والدين والعرف والاصطلاح.

الأمر الثالث: يحيى ابن حمزة موسوعة علمية ندر أن يكون له نظير.."، إلى أن يقول: "إن كتابه الانتصار الجامع لمذاهب علماء الأمصار يُعد أول موسوعة فقهية شاملة لجميع المذاهب الإسلامية وكل من ألف بعد ذلك في هذا الموضوع كانوا عيالاً عليه".

- أما الدكتور رضوان السيد فيقول في تقديمه للجزء الأول من كتاب الانتصار:

* بيد أن المفاجأة السارة في الأمر كانت أن الانتصار ليس كتاباً عادياً مصنفاً على أبواب الفقه، بل موسوعة في الاختلاف الفقهي، تتفاوت إجراؤها طولاً وقصراً واستيفاء، ولكنني لا أعرف في الفقه الإسلامي كله كتاباً أوسع في الاختلاف في الأجزاء التسعة الأولى على الأقل.

* إن الإمام يحيى بن حمزة يحيط بسائر المذاهب الفقهية (السنية على الخصوص) بالإضافة طبعاً إلى معرفته التامة باجتهادات علماء أهل البيت.

* وكما سبق أن ذكرت فهو أكثر استيفاء للقواعد والحجج والآراء في الأجزاء الأولى من الكتاب كما أنه معني على الخصوص بتتبع الاختلاف مع الحنفية والشافعية دون إهمال للآخرين وبخاصة ابن حزم.

* هو شديد الحدة – شأنه في كتبه الكلامية – لكن أيضاً حريص على الإنصاف؟

* تترابط لديه مسائل الأصولين (أصول الدين وأصول الفقه) مع القواعد ومسائل الفروع أكبر بكثير مما يبدو لي في المذاهب الأخرى.

* أوضح منهجه في تقديمه الأصولي والتأصيلي بحيث يمكن اعتبار موجزه التقديمي هذا في أصول الفقه رؤية تجديدية في بحوث الألفاظ كما في بحوث الأدلة والقواعد.

* مع أنه متأثر بأبي الحسن البصري والقاضي عبد الجبار في أصول الفقه لكنه صاحب اتجاه اجتهادي في مسائل الألفاظ وقضايا القواعد على وجه الخصوص

* أما في الفروع فهو لا يعتمد الاختلاف مع الهادوية والناصرية لكنه بسبب سعة اطلاعه ومنهجه الخاص في الاجتهاد والاختلاف على حد سواء يصل إلى أراء ونتائج جديدة في كثير من المسائل وفي سائر الأبواب.

* هو أقرب في اجتهاداته إلى الشافعية.

- ونختم بما قاله أحد محققي كتاب الانتصار، الأستاذ عبد الوهاب المؤيد -رحمه الله- في مقدمة الجزء الأول صفحة 67-68:

"وكتاب (الانتصار)، كما أنه أكبر وأوسع كتاب في الفقه الإسلامي التراثي الزيدي، في موضوعه وموضوعاته، وفي كتبه وفصوله ومسائله وأصوله وفروعه، وفي مباحثه وحقائقه ودقائقه وأحكامه.. فهو كذلك أوسع وأكبر كتاب من كتب التراث الإسلامي في اليمن، في منهجه واستدلاله، وفي أوجهه وآرائه وأقواله التي جمع المؤلف في كتابه هذا شتاتها وأدنى بعيدها، ورتب قواعدها، ووثق شاردها وواردها، وأبرز دقيقها ووضح غامضها وفك مبهمها، وحل عقيلها، واستنطق أسرارها وأنطق قيلها، وجمع أولها بآخرها، وقديمها بجديدها، ولم يقتصر في (الانتصار) على إيراد آراء وأقوال المجتهدين من الأئمة والعلماء والفقهاء في اليمن ممن وافق مذهبه وجايل عصره، بل شمل كل المدارس وجل المذاهب الفقهية الإسلامية بأعلامها ومجتهديها وآرائها وأدلتها وطرق استدلالها في كل العصور التي سبقته، بدءاً بخير الأجيال والعصور، وهو جيل الصحابة الأجلاء (رضوان اللّه عليهم) فالتابعين وتابعيهم، ثم من تلاهم من أجيال الأعلام والمجتهدين. فهذا الكتاب يعتبر بحق وكما سنبرز بعضاً من آراء ونعوت العلماء والباحثين فيه.. موسوعة نادرة للمدارس والمذاهب الفقهية الإسلامية.. بل يتميز عن الموسوعة ويتفوق عليها ويتجاوزها من حيث أنه عالَم حي بحوار الأفكار والآراء، وتقارع الحجج والبراهين، وباتفاق واختلاف الآراء والمذاهب، فهو بحث واسع للفقه المقارن الذي يستخدم في منهجه إيراد الآراء، ثم فحصها ومقارنتها في كل مسألة، ثم يعود إلى تقرير (المختار) لديه ممعناً في الاستدلال عليه بأسلوب العالم المتجرد من كل الأهواء، ويختم كل مسألة بإيراد (الانتصار) الذي يناقش آراء وأقوال مخالفيه بحصافة الناقد البصير، وبصيرة الناقد الحصيف وعمق المجتهد المطلع، وإنصاف الورع الذي لا يتغيا غير الحق، ولا يستهدف سوى الحقيقة، وهي طريقة من يعرف أنه ليس بعد الحق إلا الضلال، وليس وراء الحقيقة إلا الخيال.

***

خلاصة منهجه وقواعده من خلال مقدماته لكتابه (الانتصار)

أولاً: الباعث لتأليف الكتاب:

حدده المؤلف بقوله: الباعث على هذا الإملاء غرضان:

فالغرض الأول منهما هو: أن العلم لما كان من أعلى المراتب وأسناها وأشرف المناقب وأرفعها وأحظاها، وأنفس الأعمال وأزكاها، وأشرف ما يخلفه الإنسان بعد الموت، لشرفه وعلو فائدته في الدين.. فأحببت أن يكون لي بعد الموت ما عسى أن يبقى ثوابه ولا ينفد أجره، تصديقاً لقوله تعالى: {إنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ }[يس:12]. وفي الحديث عن صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه: "إذا مات ابن آدم انقطع عنه سائر عمله إلا ثلاثة: علم ينتفع به، أو صدقة تجري، أو ولد صالح يدعو له".

والغرض الثاني: أن اللّه تعالى لما وفقني لإتمام كتاب (العمدة في المباحث الفقهية) وكنت قد اقتصرت فيه على ذكر المذهب ودليله، وذكر من خالف مذهبنا أو وافق من علماء الأمة وفقهاء العامة، وألغيت ذكر أدلة المخالفين، وذكر المختار من الأقاويل في المسألة، وتقرير الحجة عليه، ووعدت في صدر الكتاب أن اللّه تعالى إن نفس لي في المهلة وتراخى الأجل ضممت إليه كتاباً، فلما أنجز اللّه العِدَةَ، وصدق الرجاء بتنفيس المدة، ابتدأت بتأليف هذا الكتاب فأجعله كتباً، ثم أضمن الكتب أبواباً، ثم أحشو الأبواب فصولاً، والفصول مسائل، فأذكر في كل مسألة من خالف فيها، وأورد لكل مجتهد حجته من الأدلة، ولم آلُ جُهداً في تقرير كل مذهب من تلك المذاهب بدليله وإيراد أحسن ما أجده في نصرته وتقرير مقالته، حتى إذا أكملت المذاهب بأدلتها في المسألة، ذكرت المختار من تلك المذاهب وقررته بحجته، وأوردت الانتصار بإبطال ما خالفه، فصار في سياقه مرتباً على مراتب ثلاث:

المرتبة الأولى: أن تكون المسألة قد وقع فيها خوض من أئمة العترة وفقهاء الأمة، وتكرر فيها النظر، وطالت فيها الخصومة، وحصل فيها النزاع بينهم. وهذا هو الأكثر المطرد من جهة أن معظم المسائل قد خاضوا فيه، وأفتى كل واحد منهم على حسب ما يعن له من النظر ويقوى من الدليل الشرعي، وما هذا حاله من المسائل، أذكر لكل واحدٍ منهم دليله وأوضحه، ثم أشفعه بذكر المختار من تلك المذاهب، وأذكر ترجيحه على غيره من تلك المذاهب المذكورة.

المرتبة الثانية: أن لا يكون لأئمة العترة فيها قول وللفقهاء فيها خوض.. وما هذا حاله فهو مغفور قليل ولا يُعثر عليه إلا على جهة الندرة، بالإضافة إلى ما قد خاضوا فيه، فأذكر المسألة وأوضحها ببراهينها الشرعية لكل واحد من المخالفين، ثم أذكر المختار من تلك الأقاويل، وما أراه صالحاً للمذهب منها بمعونة اللّه، فأما ما كان مجمعاً عليه فأذكره، ثم أوضحه بحجته من غير زيادة.

المرتبة الثالثة: ما لا يكون لأئمة العترة ولا لعلماء الأمة فيها قول، وما هذا حاله فإنما يُعثر عليه في الندرة ويوجد على جهة القلة، وهو أدخل في الندور من الذي قبله. وما هذه صفته، فأذكر المسألة وأوضحها بالحجة الشرعية على حد ما أجده وأعثر عليه، فلما نزلته على هذه الهيئة، ورتبته على هذا الترتيب، وصار معتمداً في معرفة المذاهب وحجج التأويل، ووسيلة إلى تمييز الصحيح المختار من الأقاويل.. سميته بكتاب: (الانتصار على علماء الأمصار في تقرير المختار من مذاهب الأئمة وأقاويل علماء الأمة).

ثانياً: خلاصة مقدمات المؤلف:

[المقدمة الأولى في بيان ماهية الحكم وصحة نقل الأسماء]

وقد اختار في المطلب الأول في تقرير ماهية الحكم أن الأحكام ليست أمراً زائداً على ذات الأفعال، وقسمها إلى قسمين: ما يستقل العقل بدركه، وما لا يستقل. وقسم الأول وهو ما يستقل العقل بدركه إلى قسمين: ما يكون معلوماً بالضرورة فلا يفتقر إلى نظر نحو قبح الظلم ووجوب شكر المنعم، وما يكون معلوماً بالنظر والتفكر وقد اختار ما عول عليه الزيدية والمعتزلة بعد بحث وعرض للآراء الأخرى.

وفي المطلب الثاني في صحة نقل الأسماء من اللغة إلى الشرع ذكر المذاهب في ذلك ومنها مذاهب أئمة الزيدية وجماهير المعتزلة أن في الشرع أسماء منقولة عن معانيها اللغوية إلى معان أخر قد وقعت المواضعة الشرعية وصار نقلها تاماً حتى صارت معانيها اللغوية نسياً منسياً لا تُفهم منها بحال، وقسمها إلى أسماء شرعية نحو الصلاة والزكاة وأسماء دينية (مؤمن وفاسق) واختار بعد بحث تفصيلاً مفاده أن هذه الأسماء وإن أفادت معاني شرعية قد دلت عليها بتقرير الشارع عليها لكنها دالة على معانيها اللغوية وغير خارجة عن كونها دالة عليها لأن دلالتها اللغوية هي الأصل وأي مدع إخراجها عنها مدع خلاف الأصل إلى أخر ما ذكره.

[المقدمة الثانية في بيان المستند في تقرير أحكام الشريعة]

قسمها إلى فصول، الأول: جعل العمدة فيه في تقرير الأحكام الفقهية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وما يصدر عنه، والصادر عنه إما خطاب، أو مفهوم خطاب، أو معقول خطاب، أو استصحاب.
ومعنى الخطاب: ما كان مأخوذاً من لسان صاحب الشريعة، إما بنفسه كالكتاب والسنة أو مستنداً إليهما كالإجماع (وهو ليس خطاب لكنه معتمد على الكتاب والسنة في كونه حجة) ثم بدأ على مراتب أربع، ذكر في المرتبة الأولى أدلة الخطاب مُبتدأً بذكر أدلة الكتاب من جهة النص، ومن جهة الظهور، ومن جهة الإجمال، فعرفه من جهة النص بأنه: هو اللفظ الذي لا يحتمل التأويل بحال قريبا كان أو بعيدا كقوله (وإلهكم إله واحد)، وعرف الظاهر بقوله: ما كان محتمل لأمرين أحدهما أسبق من الآخر، ثم ذكر المجمل (وهو الذي لا يُفهم المراد من لفظه ويفتقر في البيان إلى غيره جعله على وجهين: أحدهما لا عُرف فيه من جهة اللغة، والآخر له عرف من جهة اللغة) وأدرج العموم تحت الظاهر، ثم ذكر أقسام السنة قولاً وفعلاً وتقريراً وحدد بدقة معانيها ودلالاتها،

ثم دلالة الإجماع وجعلها على وجهين: إجماع عام كإجماع الأمة على وجوب الصلاة، وإجماع خاص كإجماع الأمة أو العترة على حكم الحادثة، ثم ذكر أن إجماع العترة حق وصواب لظاهر آية التطهير وخبر "إني تارك فيكم"، وتساءل هل يكون قاطعاً في ما تناوله أم لا؟ وأجاب فيه نظر وتردد والأقرب أن دلالته ظنية.

وفي المرتبة الثانية تعرض لبيان دلالة المفهوم من الخطاب وعرف المفهوم (وهو أن يكون الحكم مستفاداً من غير ظاهر اللفظ وصريحه) وقسمه على ثلاثة أضرب (فحوى الخطاب، لحن الخطاب، دليل الخطاب) حيث عرف كلاً منها وحدد دلالتها ومفهومها بدقة.

المرتبة الثالثة جعلها في بيان دلالة المعقول وهو القياس في أنواعه وضروبه وفيه مبحث كبير.
وأخيراً المرتبة الرابعة في دلالة الاستصحاب وقرر فيها عدداً من القواعد.

أما الفصل الثاني من المقدمة الثانية فقد خصصه في بيان التفرقة بين المسائل الأصولية والمسائل الفقهية قال ما ملخصه: اعـلم أن هذا الفصل ينبغي الاهتمام بحاله والاعتناء بإيضاحه، لما يشتمل عليه من الفوائد الغزيرة، والنكت الكثيرة. وجملة الأمر أن المسائل منقسمة بالإضافة إلى ما يتعلق بأمور الديانة إلى عقلية ونقلية.

فأما العقلية: فهي ما كان متعلقاً بالعقائد الإلهية، نحو العلم بالذات وصفاتها وأحوال الحكمة والوعيد وأحوال المعاد وغير ذلك، وما هذا حاله فالحق فيه واحد والتعبد فيها بالعلم القاطع وما عداه خطأ وجهل، وقد قررناه في الكتب الكلامية.

وأما النقلية: فهي ما كان متعلقاً بالسمع لا مجال للعقل فيه. ثم هي منقسمة بالإضافة إلى قطعية وظنية.
فما كان مقطوعاً به منها فهي المسائل الأصولية القطعية.

وما كان غير مقطوع به فهي المسائل الظنية الاجتهادية. والمعيار الصادق والفصل الفارق بين ما يكون مقطوعاً به فيكون من فن الأصول، وبين ما يكون ظنياً فيكون من الفقه. فما كان المعتمد في تقريره وإثباته مسلك قاطع، إما نص الكتاب وإما نص السنة المتواترة أو الإجماع المقطوع المتواتر أو تصرف العقل وحكمه، فهو قاطع وما هذا حاله فهو لاحق بالمسائل الأصولية والحق فيه واحد، وما عداه محكوم عليه بالخطأ؛ لأن العلم ونقيضه لا يكونان صواباً، بل لا بد من أن يكون أحدهما خطأ وجهلاً، وما كان من المسائل مستندُ إثباته وتقريره مسلك ظني نحو ظاهر الكتاب أو نص السنة الآحادية أو ظاهر نصها المتواتر، أو إجماع منقول بالآحاد أو غير ذلك من المسالك المظنونة، فهو لاحق بالمسائل الظنية الاجتهادية، ولهذا فإن القياس وخبر الواحد وأن الأمر للوجوب والنهي للتحريم كلها معدودة من المسائل الأصولية ح لأن المستند في تقريرها هو الإجماع القاطع والنصوص الواردة الشرعية على إثباتها، ولم تستند إلى مسلك ظني، وعلى هذا يكون ما يكون مستنداً إلى الأخبار الآحادية، نحو مسائل الصلاة، وأحوال العبادات والمعاملات من البيع والشراء والإجارات وغير ذلك من المسائل الشرعية، كلها تكون ظنية اجتهادية، ومن ثم قضينا بأن في اللغة لفظة موضوعة للعموم ولوقوع الاشتراك في اللغة بكونها أصولية لما كان مستندها دليلاً قاطعاً وهو الإجماع، فيكون الحق فيها واحداً، وما لا قاطع فيه فهو من فن الاجتهاد والكل فيه مصيب كما سنوضحه بعد هذا ونفرد له كلاماً يخصه.

وإن وقع الإجماع على مسألة من مسائل التحليل والتحريم وإن لم تعدَّ من المسائل الأصولية، نحو جواز الصلاة في الثوب الواحد، فإنه يكون قاطعاً ولا يعد من المسائل الاجتهادية لإسناده إلى الإجماع القاطع. فتنخل من مجموع ما ذكرناه أن الحكم الاجتهادي هو ما كان مستنداً إلى مسلك ظني من المسائل الشرعية، فإذا أراد الناظر الوقوف على حقيقة التفرقة وإدراك ما هيتها فليمتحن المسائل النقلية بنظره، فإن وجد هناك مسلكاً قاطعاً عرف أنه ليس مجتهداً فيها بحال، وأنها ترده عن الاجتهاد مقطوعاتُها، وأن الخطأ في خلافها، سواء كان ذلك المسلك عقلياً أو نقلياً أو غير ذلك من القواطع المفردة أو المركبة. فإذا تقرر فيها مسلك قاطع فإن كانت متعلقة بالأصول فهي من مسائله، وإن كانت من المسائل العملية فهي قاطعة بكل حال، وإن لم يجد فيها مسلكاً قاطعاً فهي من المسائل الاجتهادية التي لاحق فيها معيناً، فأكثر المسائل الخلافية مجتهد فيها ولا يمكن حصرها ولا ضبطها. وما كان منها قاطعاً، فهو محصور يُؤْثر في أمكنة معدودة، والمسائل الأصولية كلها قاطعة لاستنادها إلى مسالك في تقريرها قاطعة، ولهذا فإنك ترى خوض من خاض فيها من الأصوليين خوضَ قاطعٍ، بأن الحق في جانبه وما عداه خطأ، كما كان خوضهم في المسائل الدينية عقليها ونقليها من غير تفرقة بينها في ذلك. ولنقتصر على هذا القدر في التفرقة بين ما ذكرناه ففيه كفاية للفقيه، وما عدا ذلك نحيله على الكتب الأصولية.

[المقدمة الثالثة في تصويب الآراء في المسائل الاجتهادية]

هذه المقدمة كما قال الإمام يحيى بن حمزة لابد للفقيه الخالي من علم الأصول من إحرازها والإحاطة بها لأوجه ثلاثة:-

أما أولاً:- فلأن يعلم فضل الرسول على غيره من الأنبياء وفضل الشريعة على سائر الشرائع وفضل هذه الأمة على غيرها من الأمم السابقة بأن جعلهم حاكمين في كل حادثة بأنظارهم الثاقبة وفاصلين في كل قضية بمواد فكرهم الصائبة.

وأما ثانياً:- فلأن لا يستوحش الناظر لما يرى من كثرة الخلاف في كل مسألة من المسائل الاجتهادية فإذا تحقق أنها كلها صائبة هان عليه الأمر ولم يعظم عليه الخطب فيبقى في حيرة من أمره فإذا عرف أنها كلها على الحق زال عنه الخوف وزاح عنه الطيش والفشل.

وأما ثالثاً:- فلأن لا يستعجل إلى تخطئة من يخالفه في المسالك فيحكم له بخطاء أو بهلاك من غير بصيرة ومع إدراك هذه الخصلة أعني معرفة التصويب لا يستعجل بهلاك من يخالفه. وكيف يقع الهلاك والآراء كلها صائبة وكلها حق وصواب وهذا من فضل الله ورحمته وعظيم منته على الخلق.
ثم قال ما ملخصه:  إن كل مسألة ليس فيها دلالة قاطعة فالأمة فيها فريقان:

الفريق الأول:- قائلون: بأن الواقعة ليس فيها حق معين وأن الآراء كلها حق وصواب وهؤلاء هم المصوبة ولهم مذهبان:-

أحدهما: أن في المسألة أشبه ومعنى الأشبه أن الله لو نص لما نص إلا عليه.
والثاني: إبطال الأشبه.

قال: والمختار من التصويب الذي نرتضيه هو أن الواقعة ليس فيها لله حكماً معين وإنما يكون على نظر المجتهد ورأيه بعد إعمال النظر والفكر، وسؤال الله التوفيق لإصابة الحق، وإحراز شروط الاجتهاد، فما وصل إليه بعد يكون حقاً وصواباً: وبرهن على ذلك بكلام كثير.

الفريق الثاني:- القائلون: أن في الواقعة حكماً لله تعالى وما عداه من الأقوال فهو باطل ثم اختلفوا منهم من قال أن لا دلالة عليه قطعاً ولا ظناً وإنما هو كدفين يعثر عليه، ومنهم من قال عليه دلالة ظنية، ومنهم من غلا وقال: عليه دلالة قاطعة.

والمختار عندنا: إنه لا معنى للأشبه وأن جميع الآراء في تلك الحادثة كلها أشبه إلى قائله، وأنها كلها مقصودة لله وإنما تقوى وتضعف بحسب قوة الإمارة وضعفها...إلخ، وسنورد في نهاية ورقتنا هذه نموذجاً من تطبيقه لهذا الاختيار.

[المقدمة الرابعة في بيان ما يعرف به مذهب المجتهد وبيان الطريق إليه]

حيث ذكر فيها ماهية المذهب وحقيقته (وهو كل اعتقاد صادر عن دلالة أو إمارة أو شبهة أو تقليد فمتى كان الاعتقاد صادر عن ما ذكرناه فهو مذهب لصاحبه أما ما كان عن العلوم الضرورية فليس مذهباً) وقد قسم هذه المقدمة إلى ثلاث مباحث:

المبحث الأول: في بيان الطريق إلى معرفة مذهب المجتهد:- فذكر أنه يُدرك من جهة النطق كان يصرح ك هذا مذهبي، أو أقول به ن وهو اعتقادي، أو أن يدرك من جهة الضرورة بالممارسة والحب والبغض والموالاة والمعاداة، أو أن يدرك من جهة الاستدلال وهذا ينبني على انسداد الاحتمالات إن كان غير مصرح بمذهبه ويكون على ثلاثة أوجه ذكرها وحددها بدقه.

أما المبحث الثاني: فقد جعله في بيان حكم التخريج على مذهب المجتهد.

قال والمختار عندنا تفصيل نشير إليه وهو (أن كل ما كان يقتضيه قياس قول الإمام أو المجتهد في المسائل الفقهية والمضطربات الاجتهادية، فانه يجوز أن يجعل قولاً له وإن لم ينص عليه إذا كانت أصوله دالة عليه، وتقريراته تشير إليه وتفهم من تصرفاته , نعم إنما يكون منسوب إليه على جهة التخريج ولابد من التصريح بذلك إذا عزي إليه لئلا يكون موهماً  للكذب فيقول المخرج: هذا يكون مذهباً له على جهة التخريج ليفرق بين التصريح والتخريج...الخ.

أما المبحث الثالث: فهو في كيفية القولين في المسألة الاجتهادية وحكمهما وقد ذكر أن من الأصوليين من جوز أن يقال للمجتهد في هذه الواقعة قولان ومنهم من منع ذلك على الإطلاق.

كالمختار عندنا تفصيل نشير إليه: إذ لا وجه للنفي أو للإثبات على الإطلاق والحق الذي نعول عليه في القول بأن للمجتهد في المسألة قولين: الأول وهو إذا نظر في المسألة فحدث له فيها قول ثم عاود النظر فقال بقول آخر، لكن جهل التاريخ بينهما، ولم يعرف المتقدم من المتأخر فلا جرم نحكي القولين من غير ترجيح لأحدهما على الآخر.

أما إذا عرف المتقدم على المتأخر يكون العمل على المتأخر واجباً ويكون ناسخاً للمتقدم أو يعرف الصحيح منهما من الفاسد فيكون القول هو الصحيح.


[المقدمة الخامسة في جواز التقليد للعوام في المسائل الخلافية وذكر من هو أحق بذلك]

وقد ذكر فيها ما ملخصه أن أهل التحقيق من أئمتنا وجماهير المعتزلة ومحققي الأشعرية أنه لا يجوز التقليد في المسائل الدينية الأصولية وذهب كثير من الفقهاء إلى جواز حصول هذه المعارف كلها بالتقليد لمن علمها بالنظر والاستدلال وزعموا أن الطريق إلى معرفة الحق إنما يكون بالتقليد.

والمختار: الأول لأن المقلد في هذه الأمور ليس يخلو حاله إما أن يكون مقلداً لجميع الفرق المخالفة أو يكون مقلداً لفريق دون فريق والأول باطل لما يؤدي من اعتقادات متناقضة.

ثم بحث في مطلبين الأول: بيان جواز التقليد من جهة العوام للعلماء في المسائل الخلافية والأحكام العملية وجوز التقليد مدللاً على تجويزه واختياره.

وفي المطلب الثاني بين من هو أحق بالتقليد ومن يكون أولى بالمتابعة ممن حاز الاجتهاد من العلماء ورجح أئمة العترة على غيرهم من فقهاء الأمة مدللاً على ذلك بأدلة كثيرة وردت فيهم وبما جاء في سيرهم وزهدهم وورعهم.

ما لا يعتمد من الأدلة الشرعية:

وقد ختم هذه المقدمات بتنبيه ذكر فيه أمور وقع فيها الخلاف بين العلماء وهل تكون عمدة لتقرير الإحكام الشرعية وقد أورد عشرة مآخذ:

المأخذ الأول:- يتعلق بالقرآن وهو أن كل ما كان منقولاً بطريق الآحاد فإنه لا يعد قرآناً ولا يكون متلواً، مثل ما تواتر نقله. وتساءل: هل يعول عليه في تقرير الأحكام العملية أم لا؟ وأورد نماذج مثل ما ورد عن ابن مسعود  (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) وغيرها.

قال: وما هذا حاله لا خلاف في أنه غير معدود في القرآن وإنما الخلاف في أنه هل يجوز تقرير الأحكام العملية به أم لا؟

المأخذ الثاني: زعم بعض الفقهاء من أصحاب الشافعي أن النافي لا دليل عليه وجعل هذه طريقة في الاستدلال بأن يقول: أنا ناف فلا يلزمني إقامة دليل على ما نفيته وإنما يتوجه الدليل على من كان مثبتاً لشيء من الأحكام وقرر هذا (من نفى نبوة غيره لم يلزمه إقامة دليل على ذلك) وهذا فساد في الاستدلال لا يعول عليه لان القطع بالنفي لا يجوز التعويل عليه لا بدلالة كالقطع في الإثبات.

المأخذ الثالث: سكوت صاحب الشريعة وتقريره من غير أن يكون له شعور بالفعل وتفطن به، ومثاله ما يزعمه بعض أهل الظاهر في إسقاط الغسل من الإيلاج من غير إنزال لما روي عن بعض الصحابة أنه قال: كنا نكسل على عهد رسول الله ولا نغتسل وفي هذا دلالة عللا أنه لا يجب الغسل منه وما هذا حاله من الاستدلال ضعيف ولا يلتفت إليه، لأن هذا أمر يُفعل على جهة الخفية، ولم يشعر به الرسول فيقره أو ينكره.

المأخذ الرابع: استصحاب الإجماع في موضع الخلاف، فما هذا حاله من الاستدلال غير معول عليه ولا عبرة به، نحو استدلال بعض أصحاب الشافعي في المتيمم إذا رأى الماء وهو في الصلاة فإنه زعم أنه يمضي فيها ولا يخرج منها، وقال اجمعنا على صحة إحرامه وانعقادها.

المأخذ الخامس: استعمال العموم مع قيام المخصص، مثل استدلال الشافعي على وجوب المتعة في حق المدخول بها، لقوله تعالى: (وللمطلقاتِ متاعٌ بالمعروف) وهذا مردود مع قيام دلالة المخصص وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "فلها المهر بما استحل من فرجها".

المأخذ السادس: قول الواحد من الصحابة هل يكون حجة أم لا؟ وبعد بحث قال: والمختار عندنا أنه لا يكون حجة معتمدة، لأنه لا دلالة على كونه حجة من جهة أدلة الشرع، وإنما يكون صالحاً للترجيح لا غير، ولأنه لا تعويل عليه إذا وافق القياس فهكذا لا تعويل عليه مع مخالفة القياس.

المأخذ السابع: في شرع من قبلنا من أهل الكتابين (التوراة والإنجيل) هل يكون شرع لنا إذا لم ينسخ عنا أم لا؟ وفيه خلاف بين العلماء، وقد اختار الإمام يحيى بن حمزة ما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه محتجين بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شريعته ناسخة لجميع الشرائع وذلك معلوم من دينه بالضرورة.

المأخذ الثامن: الاستدلال بالقرائن قال: والمختار عندنا أنه لا يعد طريقاً لتقرير الأحكام الشرعية من جهة احتماله لأن عطف الشيء على غيره لا يوجب أن يكون حكمه حكمه، مثل نجاسة الماء المستعمل بالغسل استناداً على قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه".

المأخذ التاسع: زعم بعض الأصوليين أن نسخ بعض أحكام الآية يكون نسخاً لها، فلا يجوز الاحتجاج بها فيما وراء ذلك، وهذا فاسد، مثل استدلال القاسمية على وجوب النفقة للمُتوفى عنها زوجها أخذاً من قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج) فنسخ الحول لا يدل على نسخ المتاع، فإذا كان الحول منسوخاً بالأربعة أشهر فلا وجه لنسخ النفقة بل هي واجبة بنص الآية ومن أسقطها فإنما يسقطها بدليل آخر.. إلخ.

المأخذ العاشر: تأخر البيان عن وقت الخطاب لا يكون دليلاً على عدم الحكم أصلاً، لأن تأخر البيان عن وقت الخطاب جائز كما قررنا في الكتب الأصولية، مثاله: استدلال أصحابنا والحنفية على إسقاط الكفارة في قتل العمد بأن الله ذكر العمد ولم يوجب فيه كفارةً، فلو كانت واجبة لذكرها كما ذكرها في قتل الخطأ، فلما لم يذكرها دل على عدم الوجوب فيها، فما هذا حاله لا يكون معتمداً في نفي وجوبها وإنما يؤخذ عدم وجوبها من دلالة أخرى غير هذه.

انتهى ما أردت عرضه مُلخصاً من مقدمات المؤلف الإمام يحيى ابن حمزة عليه السلام، ويمكن أن أختتم هذا العرض بإيراد النقاط التالية:

ملامح من التجديد في المنهج

1- منهج المؤلف يكاد يكون متميزاً عن غيره من الأئمة في اليمن على كثرتهم شكلاً، وتصنيفاً، وتبويباً، ومحتوى، ورأياً، واختياراً، وطريقة بحث واستنتاج واستدلال، فرغم أن زمن التأليف في الربع الثاني من القرن الثامن وهو وقت مبكر بالنسبة لعلاقته بأصول وأسس منهج البحث الحديث في الفكر الإسلامي، إذ ظل المنهج التقليدي مسيطراً على البحث والتأليف حتى بداية القرن الحالي، ومن سبقه زمناً وتلاه من المؤلفين في مجاله وبلده لم يبلغوا ما بلغ من سبق وتفرد، وسيكون من التطويل في ورقة كهذه استعراض نماذج من منهجه من ناحية التقسيم العام للكتاب ومن ناحية استعراض جوانب التفرد.

2- المبادئ والأصول العامة في الكتاب تكاد تعم كل مؤلفاته، وإنما نسبناها إلى الانتصار لأنه موضوع البحث، ولأن منهجه فيه أوسع وأوضح وأشمل، وفيه الإضافات والجدة والزيادة والتميز ويمكن القول أن الإمام عليه السلام ليست له مبادئ وأصول خاصة به إلا في النادر، إذ يلتقي في جلها مع أعلام مدرسته ومع غيرهم من أعلام الفكر الإسلامي، وهو لا يخرج عن أهم المبادئ والأصول العامة عند الزيدية، مثل:

‌أ- كل مسائل أصول الدين المبدأ فيها واحد، والقضايا والمسائل الأولى العامة الكلية لا مجال فيها للاجتهاد، لأن الحق فيها كل لا يتجزأ وواحد لا يتعدد، وإن وجد شيء محط اجتهاد ففي بعض ما تفرع عنها أو ترتب عليها كإكفار وتفيسق المخالف في الأصول.

‌ب- حرية الاجتهاد في كل مسائل الفقه من الفروع مهما توفرت وسائل الاجتهاد وأسسه وشروطه من العلم الواسع والعقل القادر على البحث والنظر والمنهج الصحيح في معرفة طرق الاجتهاد وأنواع الأدلة.

‌ج- العقل معيار الأدلة ومناط التكليف ومدار الأحكام ووسيلة البحث والنظر والاجتهاد حيث تميز المذهب الزيدي بتطبيق هذا المبدأ فانعدم ظهور التناقض في البحث والنظر والرأي والاعتقاد في كل القضايا وندر أن نجد أكثر من قول ورأي واحد في المسألة، وقد تميز الإمام بأن جعل العقل رائده في الاختيار والتعليل والتفصيل، وكان ممن أجاد الجمع بين عنصري الاستدلال (النص والعقل) التي اشتهرت بهما الزيدية، وذهب في تقرير صحة اختياراته بمناقشات جديدة فريدة تضمنت كل ما يمكن الاستدلال به من الأدلة العقلية والنقلية، في عرض غني بالنكت والقواعد والفوائد، وإيراد النماذج من النظائر والأشباه والأضداد والأنداد، واستقراء واستنباط كل أوجه وعناصر الدلالات فيها من منطوق ومفهوم بأنواعه.

3- من أمثلة الاجتهاد الخاص للإمام في أصول العقيدة التي تعرض لها في الانتصار أنه صنف الكفار إلى صنفين في باب الأذان الفصل الخامس الفرع الأول (الكافر لا يصح أذانه):

الصنف الأول: كفار تصريح (ملاحدة، عبدة أوثان ونجوم، معطلة، دهرية، فلاسفة زنادقة، يهود، نصارى، مجوس) قال هؤلاء لا خلاف في كفرهم بين أهل القبلة وأهل الإسلام ولا يصح أذانهم.

الصنف الثاني: كفار التأويل، وهم مسلمون يقرون بالوحدانية وحكمة الله ويصدقون بالنبوة والقرآن والشريعة، خلا أنهم يعتقدون اعتقادات توجب إكفارهم مع كونهم على هذه الصفة ومثلهم بفرق (المجبرة والمشبهة)، وخالف أغلب أئمة العترة والمعتزلة في ما ذهبوا إليه، واختار في المسألة أنهم ليسوا كفاراً لأن الأدلة التي تذكر في إكفارهم فيها احتمالات كثيرة. ويمكن للباحث أن يتعرف على حيثيات اختياره هذا ويتوسع فيه من خلال الاطلاع على كتاب الإمام عليه السلام في الإكفار والتفسيق.

4- تميز في قضية الاجتهاد، وكان صورة واضحة لسعة مبدأ الزيدية في حرية الاجتهاد إذا توافرت شروطه في ما عدا الأصول، إذ كان يختار رأيه من بين الأقوال التي يوردها في كل مسألة بحسب ما يراه مطابقا لمنهج اجتهاده ومنطق أسس وأصول هذا المنهج، دون ما اعتبار بمخالفة أصحاب مدرسته أو من يلتقي معهم من المدارس والمذاهب، حيث التقى مع الحنفية والشافعية في أقوالهما في كثير من المسائل، ومع أقوال علماء الزيدية المختارة في أغلب المسائل التي تعكس تسامح المذهب.

5- أما في اللغة فهو من أكبر علماء اللغة، له عدة مؤلفات في النحو والبلاغة تجعله أحد الرواد في كشف أسرارها واجتلاء حقائقها، وتميز الإمام بآراء وقواعد أثبتها في كتابه (الطراز) الذي يعد من أهم مراجع البلاغة التي يعول عليها الباحثون والدارسون، وفي مؤلفاته النحوية وطبقها في الانتصار ومنها: إن المفردات أسماء وصفات وأفعالا المنقولة من معناها اللغوي الأصلي لدلالة على معان شرعية تعبر عن معانيها الشرعية هذه تعبيراً حقيقياً وتعتبر فيها حقيقة لغوية لا مجازية كما يقول جمهور الأشاعرة وغيرهم، وقد أكد هذه القاعدة وعللها في المطلب الثاني من تمهيده، وهذه المسألة مهمة جداً، فهي موضوع بحث ونقاش وخلاف واسع بين أعلام ومدارس الفكر الإسلامي، وهي وإن كانت قضية لغوية والخلاف فيها لغوي فإن جوهرها وجوهر الخلاف حولها يجعلها من القضايا المهمة في أصول الدين وأصول الفقه والفقه.

6- كما تميز الإمام عليه السلام بكثير من الأبحاث المفيدة في علم اللغة وطبقها على اجتهاده في الفقه، نجد نموذجاً منها في ما أورده محقق الكتاب في مقدمته صفحة 88-89.

7- وتميز في أسلوبه العام بالميل إلى الجزالة في اللفظ، والاهتمام بجمال التعبير وبلاغة القول، واختيار المفردات وتوظيفها معنى وجمالاً وبلاغة ضمن سياق متسق ومتناغم بعيداً عن الهبوط وعن التعقيد والتكلف، وتميز بقصر الجمل المتتابعة في السياق مع قدرة كبيرة فيها على دقة التعبير واستيعاب المعاني.

8- تميز في الاستدلال بأن رتب بحوثه في عناصر يبدأها بالباب أو الفصل أو المسألة أو الفرع أو القاعدة أو الحكم أو التقرير، ثم يورد بعد طرح المسألة الأقوال المختلف فيها وحجج كل قول، ويقرر المختار لأصله موضحاً لأدلته وحججه، ثم ينتصر للمختار بتفنيد أقوال المخالفين والاحتجاج عليهم.

ولعل من أبدع ما تميز به ما ذكره محقق الكتاب في مقدمته بقوله: وقد يلحظ المطلع أن المؤلف يحرص بصفة دقيقة وشديدة على أن لا يطعن مباشرة  في صحة الدليل الذي يورده مخالفه، حتى من الأدلة التي لا يقبلها المؤلف لضعفها أو عدم صحتها لديه لأي سبب من الأسباب، بل يحاول إبطالها بطرق أخرى غير مباشرة لا تمس الدليل، مثل:

- الطعن في طريقة الاستدلال التي يستخدمها مخالفه.

- إلزام المخالف من متن دليله، بدلالة أخرى تخالف مذهبه أو قوله في مسألة أخرى أو في جانب آخر من نفس المسألة.

- رده عن طريق العلاقة بين العام والخاص أو الأولويات.

- صرفه عن غرض المخالف بسبب لغوي لتفسير بعض مفرداته، أو لما يتعلق بحيثياته.

- الاحتجاج عليه بدليل أقوى منه لدى المخالف.

- بتساقط الأدلة عند استوائها في القوة والدلالة.

- بإحدى الأولويات المعروفة، كأولوية الحاظر على المبيح، والخاص على العام.

نختتم هذه الملامح بإيراد نموذج فريد لتطبيق المؤلف اختياره في التصويب الذي يعكس مدى سعة الأفق والعلم وسعة الصدر  والتسامح وذلك من خلال اقتطاف عرض ورأي المؤلف في تصويب الآراء الاجتهادية الذي ذكره في الجزء الأول من الانتصار في نهاية مناقشته لمسائل النجاسات التي ختمها بفصل في بيان حكم الاجتهاد في المسائل الخلافية الفقهية صفحة 494-501 من المجلد الأول حيث قال رحمه الله ما نصه:

"اعلم أن جميع الآراء الاجتهادية في المسائل الخلافية الواقعة بين علماء العترة وفقهاء الأمة، كلها حق وصواب، وهذه قاعدة - أعني تصويب الآراء في المضطربات الاجتهادية - قد فرغنا منها في الكتب الأصولية، فأظهرنا ما هو الحق منها من التصويب، وذكرنا أن الإجماع منعقد من جهة الصحابة (رضي اللّه عنهم) على ذلك من غير نكير منهم فيه، وأنهم ما زالوا مختلفين في الفتاوى والأقضية والأحكام، وكل واحد منهم مُصَوِّبٌ لرأي مخالفه في تلك المسألة ولم يُسمع من أحد منهم تأثيم ولا تخطئة لصاحبه، ولا إلحاق حرج به فيما خالفه فيه، وما ذاك إلا من أجل فهمهم التصويب وعملهم عليه، وإجماعهم حجة واجبة الإتباع كما مهدناه.

فإذا تقرر هذا الأصل، فنقول: جميع المسائل الخلافية الواقعة في النجاسات كلها حق وصواب إذا كانت صادرة ممن بلغ رتبة الاجتهاد من علماء العترة وفقهاء الأمة، وكل واحد منهم مذهبه صحيح ومقالته فيما زعمه وذهب إليه صادقة في جميع المسائل كلها مما ليس له فيه دلالة قاطعة.

ونحن الآن نعتبر المسائل التي وقع فيها الخلاف ونبين أنها صحيحة لا مقال فيها وأنها لا تقطع الاقتداء في الصلاة، ولا توجب التحريم في ذلك.

فإذا توضأ القاسمي بما دون القلتين ولم يكن متغيراً بما وقع فيه من النجاسة أو توضأ بركوة قد وقعت فيها قطرة من بول أو خمر لم يغيرها فإنه في اجتهاده طاهر، وهو عند أكثر العترة وفقهاء الأمة نجس.
وهكذا لو توضأ الناصري والمنصوري في القلتين فإنهما عندهما طاهرتان وعند الشافعي TA \s "الشافعي" ، وهما نجستان عند الهادي والمؤيد بالله وأبي طالب. وهكذا لو غسل النجاسة التي لا ترى عينها مرة واحدة فإنها تكون طاهرة على رأي الإمام أبي طالب، ولا تكون طاهرة على رأي المؤيد بالله، وغيره من العترة. ثم أيضاً من كان إزاره من جلد ميتة قد دبغ أو اتخذ خفاً من ذلك، فإنه يكون طاهراً على رأي الإمام الشهيد زيد بن علي، ورأي أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه، وهو نجس على رأي أكثر أئمة العترة، القاسمية والناصرية لا يختلفون فيه.

وهكذا فإنه لو فرك منياً يابساً ثم صلى به من دون غسله فإنه يكون طاهراً على رأي أبي حنيفة وأصحابه، ويكون نجساً على رأي أئمة العترة. ولو صلى وعلى ثوبه مني فإنه يكون طاهراً على رأي الشافعي، TA \s "الشافعي" ويكون نجساً على رأي أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وهلم جرا إلى سائر المسائل التي وقع فيها الخلاف بين أهل القبلة في جميع ما ذكرناه من النجاسات، فكلها حق وصواب، لا تقطع الموالاة فيما بين الأمة، ولا توجب بطلان الاقتداء في الصلاة، ويدل على ما قلناه حجج ثلاث:

الحجة الأولى: هو أن هذه المسائل التي وقع فيها الخلاف لا يخلو حالها إما أن يكون فيها حق معين هو مطلوب لله تعالى، أو لا يكون هناك حق معين، فإن كان الأول فإما أن تكون عليه دلالة أو لا تكون عليه دلالة، فإن لم ينصب اللّه عليه دلالة فلا معنى للتكليف به؛ لأن التكليف به من غير دلالة تكون منصوبة عليه يكون تكليفاً لما لا يعلم وهو محال، وإما أن تكون هناك عليه دلالة فسواء كانت معلومة أو مظنونة، فلا بد أن تكون معلومة لنا معروفة حتى يمكننا العمل بها. والذي في هذه المسائل ليس من الأدلة القطعية أصلاً؛ لأن القطع إنما هو النص المقطوع بأصله، ومعتمدنا في هذه المسائل ليس إلا أخبار آحادية وأقيسة ظنية، كل واحد منها لا ينتهي إلى القطع ولا يترجح بعضها على بعض في مطلق الظن إلا بالإضافة إلى آراء المجتهدين من غير أن تكون هناك دلالة قاطعة، وما هذا حاله فليس فيه مطلوب معين لله تعالى، لاستوائها كلها في كونها مطلوبة لا ترجيح لبعضها على بعض، بالإضافة إلى مراد اللّه تعالى، وبالإضافة إلى ما كلفنا [به]، فصح بما ذكرناه أنه لا مطلوب لله تعالى في هذه المسائل يكون معيناً، وإذا لم يكن هناك مطلوب معين كانت كلها مطلوبة، وهذا هو مرادنا بالتصويب في الآراء الاجتهادية.

الحجة الثانية: لو كان في هذه المسائل حكم معين لله تعالى للزم من ذلك مُحَال، وهو أنه يلزم من ذلك بطلان التولية مع المخالفة في الاجتهاد، والمعلوم أن أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) ولى شريحاً القضاء مع مخالفته له في كثير من المسائل، وهكذا سائر الصحابة (رضي اللّه عنهم) كأبي بكر وعمر وعثمان فإنهم ولوا الولاة مع اختلافهم في هذه المسائل، وكان يلزم التخطئة والتضليل لبعضهم بعضاً في هذه المسائل، لأن هناك - على رأي الخصم - حقاً لله تعالى معيناً، والمعلوم أنه لم يكن شيء من ذلك بينهم.

الحجة الثالثة: هو أن الإجماع منعقد من جهة الصحابة (رضي اللّه عنهم) على أن كل مجتهد فإنه مأمور بالعمل على وفق ظنه، ولا معنى للحكم إلا ما أمر اللّه به، وإذا كان الأمر كما قلناه اتضح أنه لا حق معين في هذه المسائل، وأن كل مجتهد إذا وفىَّ الاجتهاد حقه فإنه مصيب فيما رآه وظنه، لا يفترق الحال في ذلك بين مجتهد ومجتهد مع حيازة منصب الاجتهاد وإحراز علومه المشترطة فيه.

فإن قال قائل: فهل تفرقون بين من خالف في المسائل القطعية من الإلهية والأصولية وبين من وافق فيها، وتقولون: بأن من خالف في مسألة قطعية فإنه لا يعد من المجتهدين ولا يلتفت إلى خلافه؟ أو تقولون: بأنهم معدودون من الأمة فيعتد بخلافهم، ولا تكون المسألة إجماعية من دونهم؟

فجوابه: أنا نقول: بأن جميع أهل القبلة سواء في كونهم معدودين من أهل الإجماع إذا كانوا مجتهدين، وأن خلافهم في هذه المسائل الإلهية وغيرها لا يقطع الاجتهاد ولا يبطل كونهم معدودين من أهل الإجماع والاجتهاد في المسألة بعد إحراز منصب الاجتهاد في كل واحد منهم.."، إلى آخر ما ذكره عليه السلام.

المصادر: ------------------------------------------

1- كتاب الانتصار على مذاهب علماء الأمصار في تقرير المختار من مذاهب الأئمة وأقاويل علماء الأمة (الجزء الأول) تأليف الإمام المؤيد بالله يحيى ابن حمزة بن علي بن إبراهيم الحسيني [ت749هـ]، تحقيق عبد الوهاب علي المؤيد وعلي أحمد مفضل، الطبعة ألأولى 1422هـ – 2002م، الناشر: مؤسسة الإمام زيد ابن علي الثقافية. وأيضاً بقية الأجزاء حيث الكتاب في ستة أجزاء (ستة مجلدات).

2- مجوع رسائل لإمام يحيى بن حمزة عليه السلام، تحقيق العلامة قاسم بن حسن السراجي (تحت الطبع).

3- كتاب التحرير،  تأليف الإمام الناطق بالحق أبي طالب بن يحيى بن الحسين الهاروني (340-424هـ) – دراسة وتحقيق محمد يحيى سالم عزان، الناشر: مكتبة بدر للطباعة والنشر والتوزيع – الطبعة الأولى

4- بلوغ الأرب وكنوز الذهب في معرفة المذهب، تأليف علي عبد الله بن القاسم الحسني [ت1190هـ]، تحقيق عبد الله بن عبد الله  الحوثي، الناشر: مؤسسة الإمام زيد ابن علي الثقافية، الطبعة ألأولى: 1423 هـ ـ 2002م.

5- أعلام المؤلفين الزيدية، تأليف عبد السلام بن عباس الوجيه، الناشر: مؤسسة الإمام زيد ابن علي الثقافية، الطبعة ألأولى: 1420هـ ـ 1999م.

6- نبذة يسيرة من سيرة الإمام يحيى بن حمزة (مخطوط) مكتبة الأوقاف بالجامع الكبير بصنعاء برقم 106 مجاميع.

7- اللآلئ المضيئة في تاريخ أئمة الزيدية، تأليف العلامة أحمد بن محمد بن صلاح الشرفي، تحقيق عبد السلام بن عباس الوجيه، خلد قاسم محمد المتوكل  (تحت الطبع) مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية.

8- أئمة اليمن، تأليف السيد العلامة محمد بن محمد زبارة الحسني، الطبعة الأولى، مطبعة دار النصر تعز.

9- الزيدية، تأليف الدكتور أحمد محمود صبحي، أستاذ الفلسفة الإسلامية، جامعة الإسكندرية الطبعة الثانية 1404هـ ــ 1984م، الناشر: الزهراء للإعلام العربي.

10- الزيدية الطائفة والمذهب، تأليف السيد علي بن عبد الكريم الفضيل، (نسخة إليكترونية).

11- المجموع الحديثي والفقهي للإمام زيد بن علي عليه السلام، تحقيق السيد العلامة عبد الله بن حمود بن درهم العزي، الطبعة الأولى 1422هـ ـــ 2002م، الناشر: مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية.

12- أصول الأحكام الجامع لأدلة الحلال والحرام، تأليف الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان (500-565هـ) تحقيق السيد العلامة عبد الله بن حمود بن درهم العزي، الطبعة الأولى 1424هـ ــ 2003م، الناشر: مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ورقة بحثية قدمها الأستاذ العلامة عبدالسلام عباس الوجيه لندوة "تطور العلوم الفقهية" التي أقيمت في مسقط 2012م.

نقلا عن موقع: رابطة علماء اليمن.

المأخذ : https://www.facebook.com/think1tanks/photos/a.498816806844208/543183342407554/

Friday, 19 August 2022

The True Impact Of Cognitive Biases

Facts First” is the tagline of a CNN branding campaign which contends that “once facts are established, opinions can be formed.” The problem is that while it sounds logical, this appealing assertion is a fallacy not supported by research.


Cognitive psychology and neuroscience studies have found that the exact opposite is often true when it comes to politics: People form opinions based on emotions, such as fear, contempt and anger, rather than relying on facts. New facts often do not change people’s minds.

I study human development, public health and behavior change. In my work, I see firsthand how hard it is to change someone’s mind and behaviors when they encounter new information that runs counter to their beliefs.

Your worldview, including beliefs and opinions, starts to form during childhood as you’re socialized within a particular cultural context. It gets reinforced over time by the social groups you keep, the media you consume, even how your brain functions. It influences how you think of yourself and how you interact with the world.

For many people, a challenge to their worldview feels like an attack on their personal identity and can cause them to harden their position. Here’s some of the research that explains why it’s natural to resist changing your mind – and how you can get better at making these shifts.

Rejecting what contradicts your beliefs

In an ideal world, rational people who encounter new evidence that contradicts their beliefs would evaluate the facts and change their views accordingly. But that’s generally not how things go in the real world.

Partly to blame is a cognitive bias that can kick in when people encounter evidence that runs counter to their beliefs. Instead of reevaluating what they’ve believed up until now, people tend to reject the incompatible evidence. Psychologists call this phenomenon belief perseverance. Everyone can fall prey to this ingrained way of thinking.

Being presented with facts – whether via the news, social media or one-on-one conversations – that suggest their current beliefs are wrong causes people to feel threatened. This reaction is particularly strong when the beliefs in question are aligned with your political and personal identities. It can feel like an attack on you if one of your strongly held beliefs is challenged.

Confronting facts that don’t line up with your worldview may trigger a “backfire effect,” which can end up strengthening your original position and beliefs, particularly with politically charged issues. Researchers have identified this phenomenon in a number of studies, including ones about opinions toward climate change mitigation policies and attitudes toward childhood vaccinations.
 
Focusing on what confirms your beliefs

There’s another cognitive bias that can get in the way of changing your mind, called confirmation bias. It’s the natural tendency to seek out information or interpret things in a way that supports your existing beliefsInteracting with like-minded people and media reinforces confirmation bias. The problem with confirmation bias is that it can lead to errors in judgmentbecause it keeps you from looking at a situation objectively from multiple angles.

A 2016 Gallup poll provides a great example of this bias. In just one two-week period spanning the 2016 election, both Republicans and Democrats drastically changed their opinionsabout the state of the economy – in opposite directions.

But nothing was new with the economy. What had changed was that a new political leader from a different party had been elected. The election outcome changed survey respondents’ interpretation of how the economy was doing – a confirmation bias led Republicans to rate it much higher now that their guy would be in charge; Democrats the opposite.

Brain’s hard-wiring doesn’t help

Cognitive biases are predictable patterns in the way people think that can keep you from objectively weighing evidence and changing your mind. Some of the basic ways your brain works can also work against you on this front.

Your brain is hard-wired to protect you – which can lead to reinforcing your opinions and beliefs, even when they’re misguided. Winning a debate or an argument triggers a flood of hormones, including dopamine and adrenaline. In your brain, they contribute to the feeling of pleasure you get during sex, eating, roller-coaster rides – and yes, winning an argument. That rush makes you feel good, maybe even invulnerable. It’s a feeling many people want to have more often.

Moreover, in situations of high stress or distrust, your body releases another hormone, cortisol. It can hijack your advanced thought processes, reason and logic – what psychologists call the executive functions of your brain. Your brain’s amygdala becomes more active, which controls your innate fight-or-flight reaction when you feel under threat.

In the context of communication, people tend to raise their voice, push back and stop listening when these chemicals are coursing through their bodies. Once you’re in that mindset, it’s hard to hear another viewpoint. The desire to be right combined with the brain’s protective mechanisms make it that much harder to change opinions and beliefs, even in the presence of new information.

You can train yourself to keep an open mind

In spite of the cognitive biases and brain biology that make it hard to change minds, there are ways to short-circuit these natural habits.

Work to keep an open mind. Allow yourself to learn new things. Search out perspectives from multiple sides of an issue. Try to form, and modify, your opinions based on evidence that is accurate, objective and verified.

Don’t let yourself be swayed by outliers. For example, give more weight to the numerous doctors and public health officials who describe the preponderance of evidence that vaccines are safe and effective than what you give to one fringe doctor on a podcast who suggests the opposite.

Be wary of repetition, as repeated statements are often perceived as more truthful than new information, no matter how false the claim may be. Social media manipulators and politicians know this all too well.

Presenting things in a nonconfrontational way allows people to evaluate new information without feeling attacked. Insulting others and suggesting someone is ignorant or misinformed, no matter how misguided their beliefs may be, will cause the people you are trying to influence to reject your argument. Instead, try asking questions that lead the person to question what they believe. While opinions may not ultimately change, the chance of success is greater.

Recognize we all have these tendencies and respectfully listen to other opinions. Take a deep breath and pause when you feel your body ramping up for a fight. Remember, it’s OK to be wrong at times. Life can be a process of growth.

Wednesday, 17 August 2022

ابن تيمية الحنبلي يقول : لقد خري أبو يعلى الفراء على الحنابلة خرية لا يغسلها الماء

بسم الله الرحمن الرحيم

تبادل أهل الحديث والأشاعرة الذم والاتهامات والتشنيعات، تعبيرا عن النزاع العقيدي الحاد القائم بينهما - خلال القرنين: 5 - 6 الهجريين - وقد قدح كل منهما في الآخر بألفاظ شنيعة لايجوز لمسلم أن يصف بها أخاه المسلم.

فالأشاعرة وصفوا أهل الحديث بأوصاف ذميمة كثيرة، منها أولاً، إنهم وصفوهم بالتشبيه والتجسيم، بمعنى إنهم جسّموا الله تعالى وشبّهوه بمخلوقاته [1]. وفي فتنة ابن القشيري اتهم علماء الأشاعرة - في رسالتهم لنظام الملك - الحنابلة بالتشبيه والتجسيم دون تمييز، وجعلوهم كلهم في سلة واحدة [2].

وعندما جاء الوزير نظام الملك إلى بغداد، قال إنه يريد استدعاء الحنابلة ليسألهم عن مذهبهم، لأنه قيل له إنهم مجسّمة، فلما سمع به أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي (ت 513 هـ) أعد له جوابا للرد على أسئلة الوزير [3]. وقوله هذا دليل على أنه - أي الوزير- وجد من قال له ذلك عن الحنابلة، وهو يُريد التأكد منه بنفسه، وواضح إن الذين قالوا له ذلك عن الحنابلة هم الأشاعرة في رسالتهم إليه في فتنة ابن القشيري سنة 469 هـ.

وعندما أظهر ابن تومرت (ت 524 هـ) دعوته بالمغرب الإسلامي، اتهم المغاربة المخالفين له بالتشبيه والتجسيم، ودعاهم إلى الأشعرية كبديل عن مذهب السلف، فلما انتصر خلفاؤه على المرابطين، فرضوا الأشعرية على المغاربة وأبعدوهم عن مذهب السلف في الصفات [4].

وذكر القاضي أبو بكر بن العربي الأشعري (ت 543 هـ)، إن الحنابلة انتهى بهم الأمر إلى أن قالوا: ((إن أراد أحد يعلم الله، فلينظر إلى نفسه، فإنه الله بعينه، إلا أن الله منزه عن الآفات، قديم لا أول له، دائم لا يفنى))، وقالوا ذلك ((لقوله صلى الله عليه وسلم: إن الله خلق آدم على صورته))، وفي رواية أخرى ((على صورة الرحمن))، وهي رواية صحيحة، فلله الوجه بعينه، لا ننفيه ولا نتأوله إلى محالات)) [5].

وقوله هذا غريب جدا، فإنني لم أعثر على قول ثابت لعالم حنبلي من علماء الحنابلة المعتبرين، قال إن من أراد أن يعلم الله فلينظر إلى نفسه، لكن المعروف عنهم أنهم أثبتوا حديث الصورة، ولم يُؤولوه وفوّضوا كيفيته لله تعالى، مع اعتقادهم إن الله تعالى ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته. والغريب أيضا إنه قال أن الحنابلة قالت بذلك، مما يعني إنه اتهم الحنابلة كلهم دون تحديد لشخص معين، أو لطائفة منهم.

وأما بالنسبة لحديث الصورة، فيجب علينا أن لا ننظر إليه نظرة جزئية، وإنما علينا أن ننظر إليه نظرة شاملة في إطار كل النصوص الشرعية الأخرى المتعلقة بصفات الله تعالى، فهو سبحانه ((ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)) - سورة الشورى/11 - و ((لم يكن له كفواً أحد)) سورة الإخلاص/4 - و ((وسع كرسيه السموات و الأرض)) - سورة البقرة/68 - .

فالله تعالى لا يمكن أن يُشبه الإنسان، مما يعني أن لحديث الصورة معنى آخر غير الذي ذكره ابن العربي عن الحنابلة، ولا يعلم حقيقته إلا الله تعالى، وهو ليس تأويلا للحديث، وإنما هو تفسير وفهم له في إطار النصوص الشرعية المحكمة، لا كما يفهمه المؤولون للصفات على طريقة المتكلمين.

وثانياً إن الأشاعرة أطلقوا على الحنابلة وأهل الحديث، اسم الحشوية، بمعنى إنه لا فهم لهم ولا معرفة، ويحشون الكلام حشوا كالعوام [6]. فمن ذلك إن كبار علماء الأشاعرة ببغداد وصفوا الحنابلة - في رسالتهم لنظام الملك- بأنهم: ((جماعة من الحشوية الأوباش الرعاع المتوسمين بالحنبلية)) [7].

وعندما نبش المتكلم نجم الدين الخبوشاني الصوفي (ت 587 ه) قبر المقريء ابن الكيزاني (ت 562 ه)، بمدينة مصر، علل فعله هذا بقوله: هذا حشوي لا يكون بجانب الشافعي، ثم أخرج رفاته ودفنها في موضع آخر، ولم يبال بمعارضة الحنابلة الشديدة له، ولا راعى حرمة الميت [8].

وثالثا إن الأشاعرة اتهموا القاضي أبا يعلى الفراء (ت 458 هـ) بالتشبيه والتجسيم، واحتجوا عليه عندما صنف كتابه التأويلات، لما ذكر فيه من أحاديث موهمة للتشبيه، قال عنه المؤرخ ابن الأثير (ت 630 هـ): إنه أتى فيه - أي الكتاب - بكل عجيبة، وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض [9].

وذكر القاضي ابن العربي (ت 543 هـ) إنه لما كان ببغداد سنة 490 هـ، أخبره من يثق فيه من مشيخته، إن القاضي أبا يعلى الفراء رئيس الحنابلة، كان يقول في مسألة الصفات: إذا ذُكر الله تعالى، وما ورد من هذه الظواهر في صفاته، ألزموني ما شئتم فأني ألتزمه إلا اللحية والعورة)) [10].

ويُروى أنه لما شاع خبر القاضي أبي يعلى بما أتهم به من التشبيه والتجسيم في الصفات، قال عنه أبو محمد التميمي الحنبلي: ((لا رحمه الله، فقد خرى على الحنابلة خرية لا تنغسل إلى يوم القيامة))، وفي رواية: ((لا يغسلها الماء))، وفي أخرى إنه قال: ((لا رحمه الله، فقد بال في الحنابلة البولة الكبيرة التي لا تُغسل إلى يوم القيامة)) [11].

وقد تصدى القاضي أبو الحسين بن أبي يعلى (ت 526 هـ) للرد على الذين اتهموا والده بالتجسيم والتشبيه، وذكر إن والده سار على منهج السلف الصالح في أخبار الصفات، وهو التصديق بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله، مع التسليم وترك البحث والتنقير في ذلك، من دون تعطيل ولا تشبيه ولا تفسير ولا تأويل، وإن تلك الصفات تُمر كما جاءت، من غير زيادة ولا نقصان، مع الإقرار بالعجز عن إدراك حقيقتها، لأن ذلك الإثبات هو إثبات وجود لا إثبات تحديد، وحقيقتها لا يعلمها إلا الله تعالى؛ والكلام في الصفات هو فرع عن الكلام في الذات)) [12].

وذكر إن والده المُتهم بالتجسيم، هو نفسه رد على المجسمة في كتاب خصصه للرد عليهم، وفي مصنفات أخرى، وقال إنه لايجوز أن يُسمى الله جسماً، فمن ((اعتقد إن الله سبحانه جسم من الأجسام، وأعطاه حقيقة الجسم من التأليف والانتقال فهو كافر، لأنه غير عارف بالله عز وجل، لأن الله تعالى يستحيل وصفه بهذه الصفات)) [13].

ومما قاله أبو يعلى في كتابه إبطال التأويلات، ما نقله عنه الحافظ الذهبي من إنه قال فيه: ((لا يجوز رد هذه الأخبار - أي الأحاديث - ولا التشاغل بتأويلها، والواجب حملها على ظاهرها، وإنها صفات الله تعالى لا تُشبه سائر صفات الموصوفين بها من الخلق)) [14].

ويرى الشيخ تقي الدين بن تيمية إن الذين تكلموا في القاضي أبي يعلى الفراء شنّعوا عليه بأشياء هو منها بريء، وما ذكره أبو بكر بن العربي عنه، هو كذب عليه، رواه عن مجهول لم يُسمه، لكن مع ذلك فإن في كلام القاضي أبي يعلى، ما هو مردود نقلا و عقلا، وفيه من التناقض من جنس ما يُوجد في كلام الأشعري والباقلاني وأمثالهما، ممن يُوافق النفاة على نفيهم، ويُشارك أهل الإثبات على وجه مما قالوه.

كما إنه أورد في كتابه إبطال التأويلات أحاديث موضوعة، كحديث رؤية الله عياناً ليلة المعراج، وحديث إقعاد الرسول -عليه الصلاة و السلام- يوم القيامة على العرش [15].

تلك الأحاديث الموضوعة والصريحة في التشبيه والتجسيم، هي التي كانت سببا في اتهام أبي يعلى بالتشبيه والتجسيم، وإن كان هو في الحقيقة لا يعتقد التشبيه ولا التجسيم، لأن آثاره شاهدة على ذلك [16]؛ لكن الخلل دخله من روايته للأحاديث الضعيفة والموضوعة، الصريحة في التشبيه والتجسيم، فحملها على ظاهرها من دون تأويل ولا تشبيه، وقد رواها لأنه كان قليل الخبرة بعلم الحديث، وبضاعته فيه مُزجاة، لا يُميز بين صحيح الأحاديث من سقيمها، فروى أحاديث غير صحيحة متعلقة بالصفات، جعلت العلماء يُنكرون عليه ذلك، ويتهمونه بالتشبيه كان الأشاعرة في مقدمتهم.

وواضح أيضا إن خطأه لم يكن بسبب المنهج الذي يتبناه، فمنهجه صحيح يقوم على أسس منهج السلف في الصفات، وقد ذكره ابنه أبو الحسين في دفاعه عنه، وإنما كان بسبب عدم الالتزام به في الأحاديث النبوية، فتسرّبت إليه أحاديث ضعيفة وموضوعة، جعلت خطأه هذا خطأ في تطبيق المنهج وعدم الالتزام به، لا في المنهج ذاته.

ورابعاً إن علماء الأشاعرة - في رسالتهم لنظام الملك - اتهموا الحنابلة بسب الإمام الشافعي ولعنه، وألحقوا به أئمة أصحابه [17]. وهذا في اعتقادي اتهام غير صحيح للشواهد الآتية، أولها إن الحنابلة يتولون الشافعي، ويعدونه من أصحاب إمامهم أحمد بن حنبل، وقد ترجموا له في طبقاتهم وأثنوا عليه كثيرا [18].

وثانيها إن الحافظ أبا بكر بن أبي داود السجستاني الحنبلي (ت قرن: 3 هـ) مدح الشافعي وأحمد بن حنبل، في قصيدة له، وصفهما بأنهما إماما هدى على طريق الحق و النصيحة [19].

وثالثها أن المؤرخ أبا علي بن البناء الحنبلي البغدادي (ت 471 هـ) صنف كتابين في فضل الشافعي، هما: فضائل الشافعي، وكتاب ثناء أحمد على الشافعي و ثناء الشافعي على أحمد [20].

وأما قولهم إنهم سبوا أئمة أصحاب الشافعي، فليس المقصود بهم أصحاب الشافعي الأوائل، وإنما المقصود أعيان الشافعية الأشاعرة الذين انتسبوا إلى الشافعي، وهذا ممكن الحدوث، بحكم الخصومة الشديدة القائمة بينهم وبين الأشاعرة، في ظل الأزمة العقيدية الحادة التي عصفت بالسنيين كلهم.

وخامساً إن أبا بكر بن العربي (ت 543 هـ) قال في الحنابلة وأهل الحديث كلاماً غليظاً، ووصفهم بأوصاف شنيعة، فجعلهم ممن كاد للإسلام، ولا فهم لهم، وليس لهم قلوب يعقلون بها، ولا آذان يسمعون بها، فهم كالأنعام بل هم أضل. وعدّهم من الغافلين الجاهلين في موقفهم من الصفات، وشبههم باليهود، وقال أنه لا يُقال عنهم: بنوا قصراً و هدّموا مصراً، بل يُقال: هدموا الكعبة، واستوطنوا البيعة [21]- أي كنيسة اليهود.

وسادساً إن كبار علماء الأشاعرة ببغداد ذموا - في رسالتهم لنظام الملك - خُصومهم الحنابلة ذماً شنيعاً، ووصفوهم له بأنهم رعاع أوباش، مجسمة مبتدعة، شرذمة أغبياء من أراذل الحشوية، رفضوا الحق لما جاءهم على يد ابن القشيري [22].

وسابعاً إن بعض الأشاعرة كان يتعمد رواية الأكاذيب المفضوحة على الحنابلة، طعناً فيهم وتشنيعا عليهم، وتحقيقا لمكاسب مذهبية، فمن ذلك ما رواه ابن الجوزي عن أبي الوفاء ابن عقيل، من أن الواعظ أبا بكر البكري (ت 476 ه) لما جاء إلى بغداد حكى عن الحنابلة ما لا يصح أن يُذكر، فقال إنهم يقولون: إن لله ذكراً، فرماه الله تعالى بالخبث في ذلك العضو فمات [23]. وقوله هذا - إن صح - هو افتراء مفضوح، وزندقة مكشوفة، لا يقوله إنسان عاقل، فضلاً عن مسلم.

ومنها أيضا ما ذكرناه سابقا من إن القاضي ابن العربي قال إنه لما كان ببغداد أخبره بعض شيوخه بأن أبا يعلى الفراء كان يقول: إذا ذُكر الله، وما ورد من هذه الظواهر في صفاته، فألزموني ما شئتم، فإني ألتزمه، إلا اللحية و العورة [24].

وروايته هذه غير صحيحة للمعطيات الآتية، أولها إن قوله هذا لم أعثر عليه في المصادر الحنبلية من إنه - أي أبو يعلى - قال ذلك، وإنما رواه ابن العربي عن مجهول هو من خُصوم القاضي أبي يعلى، وخبر هذا حاله لا يُقبل في أمر خطير كهذا.

وثانيها إن ذلك القول القبيح من المستبعد جدا أن يقوله القاضي أبو يعلى، وهو عالم فقيه زاهد، متبحر في مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ولأنه أيضا كان على منهاج السلف في الصفات لا يُثبت صفة إلا إذا وردت في الشرع، ولا شك إن ذلك القول المذموم لا يوجد في الشرع ما يُؤيده، وإنما هو منسوب للمجسم الضال داود الجويباري، الذي كان يقول: ((اعفوني عن الفرج واللحية، واسألوني عما وراء ذلك)) [25].

وثالثها إن الحنابلة قالوا إن بعض الأشاعرة كان يتعمد الكذب عليهم، نكاية فيهم انتصارا لمذهبه، فقالوا إن أعيان الأشاعرة عندما أرسلوا كتابهم إلى نظام الملك، كذبوا عليهم فيه، وذكروا له عنهم أشياء زوراً و بهتاناً [26]. وذكر المتكلم أبو الوفاء بن عقيل إن الأشاعرة في نزاعهم مع أصحاب الحديث كانوا يكذبون عليهم [27].

وثامناً إن الأشاعرة كثيرا ما يُشنّعون على الحنابلة وأهل الحديث، بإثباتهم لصفات وردت في القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة، فيقولون إن هؤلاء يُثبتون صفة النزول، والاستواء على العرش، والضحك، وتكليم الله لموسى، فينسبون إليهم كلام الله الذي وصف به نفسه، وهم - أي الحنابلة وأهل الحديث - لا يصلحون لذلك ولا يبلغونه [28]. حتى إن بعضهم قال عن الحنابلة - في إثباتهم لتلك الصفات - إنه ((ما بين شيوخ الحنابلة و بين اليهود إلا خصلة واحدة))، فردّ عليه الحافظ أبو نصر السجزي (ت 444 ه) بقوله: ((ولعمري إن بين الطائفتين خصلة واحدة، لكنها بخلاف ما تصوّره الساقط، وتلك الخصلة إن الحنابلة على الإسلام والسنة، و اليهود على الكفر و الضلالة)) [29].

وواضح إن تشنيع الأشاعرة على أهل الحديث بذلك الطريق الملتوي، هو في حقيقته رد للشرع، وقدح فيه، وتحايل على المسلمين، بإلقاء التهمة على أصحاب الحديث، بدلا من الإعلان صراحة رفضهم لتلك الصفات التي وردت في الكتاب و السنة الصحيحة، وهو في النهاية رفض للقرآن و السنة، فالمفروض إنه كان عليهم أن يُعلنوا موقفهم صراحة من تلك الصفات ليعرف الناس حقيقة موقفهم منها.

وأخيراً - أي تاسعاً - هناك أوصاف أخرى أطلقها بعض الأشاعرة على الحنابلة وأهل الحدث، هي من صميم مبحثنا هذا، منها إن القاضي أبا المعالي عزيزي بن عبد الملك الشافعي الأشعري (ت 494 ه)، كان قاضياً على حي باب الأزج ببغداد، الذي غالبية سكانه حنابلة، فكان بينه و بينهم خصام ومهاترات، فيُروى إنه في أحد الأيام سمع رجلا يُنادي على حمار له ضاع منه، فقال القاضي: ((يدخل باب الأزج، و يأخذ بيد من شاء)). وقال يوما لأحد أصحابه عن الحنابلة: ((لو حلف إنسان إنه لا يرى إنسانا، فرأى أهل باب الأزج لم يحنث، فقال له صاحبه: من عاشر قوما أربعين يوما فهو منهم))، لذا فإنه - أي القاضي - عندما مات فرح الحنابلة بموته كثيرا [30].

ففي قوله الأول ألحقهم بالحمير صراحة، و في الثاني نفى عنهم صفة الأدمية، وألحقهم بالحيوانات ضمنياً، ثم ألحقه صاحبه هو أيضا بهم، بحكم إنه معاشر لهم.

ومنها أيضا إن النجم الخبوشاني (ت 587 ه)، لما نبش قبر ابن الكيزاني الذي كان بجانب ضريح الشافعي، وصفه بالزندقة، وقال: ((لا يكون صدّيق و زنديق في موضع واحد)) [31]. اتهمه بذلك لمجرد إنه كان على مذهب أهل الحديث، ولم يكن مثله أشعريأ، ولم يشفع له عنده مذهبه الشافعي في الفروع.

واتهم بعضهم الحافظ عبد الله بن عطاء الإبراهيمي الهروي الحنبلي (ت 476 هـ) بالكذب ووضع الأحاديث، وقالوا إنه كان يجتمع بالحنابلة وأهل الحديث، ويروي لهم أحاديث مكذوبة تتعلق بالصفات هي من وضعه، لكن الذين يعرفون أحواله من ثقات المحدثين عدّلوه، فوثّقه المؤتمن الساجي، وقال عنه خميس الجوزي: ((ما علمتُ فيه ذلك، وكان يعرفه)) [32].

وأما الحنابلة وأهل الحديث، فهم أيضا ذموا الأشاعرة بمختلف ألفاظ الذم والتشنيع والقدح، في إطار النزاع العقيدي القائم بينهم، فمن ذلك أولاً: أنهم اتهموهم بالتمويه على الناس، وإخفاء عنهم مقالتهم في صفات الله وكلامه، فذكر أبو نصر السجزي (ت 444 هـ)، إن الأشاعرة يستخدمون التمويه والمصانعة، ولا يُظهرون حقيقة مذهبهم للناس، الذي ينتهي إلى دعوتهم إلى مخالفة السنة، وترك الحديث؛ ثم قال إنه إذا خاطبهم من له هيبة وحشمة من أهل الأثر، قالوا له: ((الاعتقاد ما تقولونه، وإنما نتعلّم الكلام لمناظرة الخصوم))، ثم قال أيضا: ((والذي يقولونه كذب، وإنما يتسترون بهذا، لئلا يُشنع عليهم أصحاب الحديث)) [33].

ثم ذكر السجزي إنه كان بمكة رجل كثير الاشتغال بالحديث، ويُعلن إنه ليس أشعريا، لكنه يمدحهم، ويقول: رأيت منهم فاضلا، التراب من تحت رجله أفضل من أناس. وإذا قدم منهم رجل إلى البلد قصده ليقضي له حاجته، لكن إذا دخل عليه رجل من أصحاب الحديث، جانبه وحذّر منه، وإذا ذُكر عنده شيخ من شيوخ وقع فيه، وقال: ((أحمد نبيل، لكنه بُلي بمن يكذب عليه))، ثم عقّب السجزي على كلامه بقوله: وهذا مكر منه، لا يحيق إلا بأهله، وقول جاهل رقيق الدين وقليل الحياء [34].

وقال أيضا إن بعض الأشاعرة يتظاهر إنه ليس أشعريا، ويرد عليهم و يُظهر مخالفته لهم، فيُتابع في ذلك ظنا إنه مخالف لهم -أي للأشاعرة -، وكثيراً ما انطلى مثل هذا السلوك على أهل السنة على حد قول السجزي [35]؛ ويعني بهم الحنابلة و أهل الحديث.

وقال أبو الوفاء بن عقيل البغدادي الحنبلي (ت 513 هـ) إن الأشاعرة يردون على أصحاب الحديث بالكذب و التمويه [36]. وقال عنهم الموفق بن قدامة المقدسي (ت 620 هـ) إنهم يُخفون مقالتهم في القرآن الكريم، من إنه ليس كلام الله حقيقة، وإنما هو عبارة عنه، فإنهم لا يتجاسرون على إظهارها و ((لا التصريح بها إلا في الخلوات، ولو إنهم ولاة الأمر وأرباب الدولة، وإذا حكيت عنهم مقالتهم التي يعتقدونها، كرهوا ذلك وأنكروه وكابروه، ولا يتظاهرون إلا بتعظيم القرآن، وتبجيل المصاحف، والقيام لها عند رؤيتها، وفي الخلوات يقولون: ما فيها إلا الورق والمداد، وأي شيء فيها؟!)) [37].

وثانياً إن أهل الحديث شبّهوا الأشاعرة بالزنادقة فيما اختصوا به في مسألة الصفات وكلام الله تعالى، فشبّههم الحافظ أبو نصر السجزي بالزنادقة في إنهم يُخفون مذهبهم عن قوم، ويُظهرونه لآخرين، مما مكّنهم من جذب كثير من العوام إلى مذهبهم، لأنهم يُظهرون للعامي الموافقة بداية، ويُكذّبون بما يُنسب إليهم حتى يصطادوه، ثم يجروه قليلا قليلا، حتى ينسلخ من السنة [38].

وقال السجزي إن القاضي أبا بكر الباقلاني الأشعري، كان أكثر الأشاعرة استخداما لتلك الطريقة، فقد وشّح كتبه بمدح أهل الحديث، واستدل على أقاويله بالأحاديث في الظاهر، وأكثر الثناء على أحمد بن حنبل، وقال إنه - أي أ حمد - كان يعرف الكلام، ولا فرق بينه وبين الأشعري في ذلك، وقوله - أي الباقلاني - هذا هو عند السجزي من قلة الدين و الحياء [39].

وأقول: نعم كان الإمام أحمد بن حنبل على علم بمقالات المتكلمين المعاصرين له، وهو رغم ذمه لعلم الكلام وأهله، فقد ردّ على مقالاتهم في مصنفاته، كما في كتابه الرد على الزنادقة والجهمية، لكنه لم يكن يقول بمقالة الأشعري في مسألة الإيمان، والسببية، والأفعال الاختيارية، وكلام الله تعالى، وهو من أوائل الذين ردوا على الكلابية، التي هي سلف الأشعرية [40].

وشبّه الفقيه الموفق بن قدامة المقدسي (ت 620 هـ) الأشاعرة بالزنادقة - في موقفهم من كلام الله - بقوله: ((ولا نعرف في أهل البدع طائفة يكتمون مقالتهم، ولا يتجاسرون على إظهارها، إلا الزنادقة و الأشعرية، رغم إنهم هم ولاة الأمر وأرباب الدولة، ومع ذلك لا يُظهرون مقالتهم لعامة الناس)) [41].

وثالثاً إن بعض علماء الحديث اتهموا الأشاعرة بالكذب على أصحاب الحديث، فذكر أبو نصر السجزي، إن الأشاعرة يتعمدون الكذب على أهل الحديث، تسترا وتمويها، ويُنسبون كل من يخالفهم إلى سب العلماء، ليُنفّروا قلوب الناس منه، وتكلموا فيه ونسبوا إليه أقاويل لا يعتقدها، كذبا وبهتانا عليه، لأنهم يعتقدون إن الكذب والبهتان لا قبح لهما في العقل، وإنما الشرع هو الذي حكم بقبحهما، والمخالفون لهم ضالون لا حرمة لهم [42]. بمعنى إنه لا حرمة لهم نقلا ولا عقلا.

وقال المتكلم أبو الوفاء بن عقيل إن الأشاعرة يزدرون على أصحاب الحديث بالكذب والتمويه [43]. وذكر القاضي أبو الحسين بن أبي يعلى (ت 526 هـ) إن علماء الأشاعرة الذين أرسلوا الخطاب إلى الوزير نظام الملك، - في فتنة ابن القشيري - كذبوا فيه على الحنابلة، وذكروا له فيه أشياء عن معتقدهم زورا وبهتانا [44].

ورابعاً إن بعض علماء الحديث والمنتسبين إليهم، حذّروا من مقالة الأشاعرة، وشهّروا بهم و ببعض أفكارهم التي رأوها شنيعة، منهم أبو الوفاء بن عقيل، فإنه بعدما أشار إلى إن الأشاعرة - في موقفهم من كلام الله - قد خالفوا الكتاب والسنة، والإجماع واللغة، قال عنهم محذرا: ((واجتنبوا مقالتهم، واحذروا بدعتهم و ضلالتهم، تسلموا من بِدعهم، و اخبروا المسلمين مقالتهم و اعتقادهم الفاسد)) [45].

ومنهم أيضا الفقيه أبو محمد بن حزم الظاهري (ت 456 هـ)، فقد شهّر بالأشاعرة أيما تشهير، فذكر إنهم يقولون إن محمدا -عليه الصلاة و السلام - ليس رسولا بعد وفاته، بدعوى إن الروح عرض، والعرض يفنى أبداً ولا يبقى وقتين بعد الوفاة، ومقالتهم هذه مخالفة للشرع والإجماع. وذكر أيضا إنهم ينكرون السببية و طبائع الأشياء، ويقولون لا يصح إسلام أحد حتى يكون بعد بلوغه شاكاً في الله ونبوة رسوله، ولا يصح إيمان إلا بكفر، ولا تصديق إلا بجحود، ثم توسع في شرح مقالتهم والرد عليهم [46].

وخامساً هناك أوصاف أخرى مذمومة، وصف بها بعض أهل الحديث الأشاعرة، كوصفهم بأنهم مبتدعة، وأهل بدع، وقد وصفهم بذلك أبو الحسين بن أبي يعلى، وأبو عثمان الصابوني الشافعي، والموفق بن قدامة المقدسي [47]. ووصف الحافظ عبد الله الأنصاري الهروي الصوفي الحنبلي (ت قرن: 5 هـ) الأشاعرة بأنهم مخانيث المعتزلة. وقال عنهم يحيى بن عمار: الأشعرية الجهمية الإناث، والمعتزلة الجهمية الذكور [48].

ومرُاد هؤلاء مما قالوه، هو الطعن في الأشعرية، مما يُفيد بأنها ليست مذهبا مستقلا صافياً، وإنما هي بدعة و خليط من عدة مذاهب في مقدمتها الاعتزال.

وختاماً لهذا المبحث، يتبين أولاً إن كل طرف - من الطرفين المتنازعين - يتهم الآخر ويذمه ويشنع عليه، وينفي عن نفسه التهم الموجهة إليه جملة و تفصيلا، ويدعي إنه هو الذي على صواب، وإن خصمه على ضلال.

وثانياً إن ما استعمله الطرفان من ذم واتهامات وتشنيعات، هو دليل قاطع على ما وصلت إليه الأزمة العقيدية، من حدة وقسوة وضراوة، حتى قسّمت المجتمع السني إلى طائفتين متناحرتين، كل طائفة تتربص بالأخرى الدوائر، وتكن لها الحقد والكراهية والبغضاء، فتحوّلت الأزمة إلى محنة عامة اكتوى بها السنيون كلهم.

وثالثاً إن ما ذكرناه من مظاهر الذم والاتهامات والتشنيعات، التي تبادلها فيما بينهم أهل الحديث والأشاعرة، هي دليل دامغ على إن الأزمة العقيدية -التي عصفت بالسنيين- كانت منذ بدايتها في اتساع وتصعيد وتكريس وتعميق، ولم تجد الحل الشرعي الصحيح الذي يضع لها حدا نهائيا، و يُرضي الطرفين المتنازعين.

------------------------

[1] انظر: ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 208. و فتوى و جوابها ص: 33. والذهبي: تذكرة الحفاظ، ج 3 صث: 1167، 1188، 1189.
[2] ابن عساكر: تبيين كذب المفتري، ص: 311 وما بعدها.
[3] انظر: ابن الجوزي: المنتظم، ج 9 ص: 58.
[4] الناصري:: الإستقصاء، ج 1 ص: 196، 197.
[5] العواصم من القواصم، الجزائر، الشركة الوطنية للنشر و التوزيع، 1981، ج 2 ص: 283.
[6] هو مصطلح يثقصد به الحشو في الكلام، و قله الفهم و المعرفة، أطلقه المعتزلة على كل من خالفهم، ثم أطلقه الأشاعرة أيضا على من خالفهم. ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 4 ص: 23 - 24. وبيان تلبيس الجهمية، ج 1 ص: 242، 245.
[7] ابن عساكر: تبيين، ص: 310.
[8] الذهبي: السيّر، ج 20 ص: 454.
[9] الكامل في التاريخ، ج 8 ص: 378.
[10] العواصم من القواصم، ج 2 ص: 283.
[11] انظر: ابن الأثير: الكامل، ج 8 ص: 378. وابن عساكر: تاريخ دمشق، ج 52 ص: 356.والصفدي: الوافي، ج 3 ص: 864.
[12] طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 208.
[13] نفس المصدر، ج 2 ص: 212.
[14] الذهبي: ط 1، الرياض، مكتبة أضواء السلف، 1995، للعلي الغفار، ص: 251.
[15] ابن تيمية: درء التعارض، ج 5 ص: 237، 238.
[16] أنظر مثلا، ما كتبه عنه ابنه في طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 208.
[17] ابن عساكر: تبين كذب، ص: 315 و ما بعدها.
[18] نظر طبقات الحنابلة، ج 1 ص: 315، وما بعدها.
[19] أبو بكر بن أبي داود: قصيدة ابن أبي داود، ص: 59.
[20] ابن رجب: الذيل على طبقات الحنابلة، ج 1 ص: 46.
[21] العواصم من القواصم، ج 2 ص: 282، 288، 303.
[22] ابن عساكر: تبيين، ص: 310 وما بعدها.
[23] المنتظم، ج 9 ص: 4.
[24] العواصم، ج 2 ص: 283.
[25] الشهرستاني: الملل والنحل، حققه علي مهنا، بيروت، دار المعرفة، 1998، ج 1 ص: 1057. وأبو المظفر الاسفراييني: التبصير في الدين، ط 1، بيروت، دار عالم الكتب، 1983، ص: 120.
[26] ابن أبي يعلى الفراء: طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 239.
[27] ابن عقيل: الرد على الأشاعرة، ص: 91.
[28] الموفق المقدسي: نشره جورج مقدسي، النظر في كتب أهل الكلام، لندن، مطبعة لوزاك، ص: 58.وابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 4 ص: 186.
[29] السجزي: رسالة السجزي، ص: 45.
[30] ابن كثير: البداية، ج 12 ص: 160.
[31] السبكي: طبقات الشافعية، ج 7 ص: 15.
[32] ابن رجب: الذيل، ج 1 ص: 58. وابن حجر: لسان الميزان، ج 3 ص: 316.
[33] السجزي: المصدر السابق، ج 57. و ابن تيمة: درء التعارض، ج 2 ص: 91.
[34] السجزي: نفس المصدر، ص: 60.
[35] نفسه، ص: 60.
[36] ابن عقيل: الرد على الأشاعرة، ص: 91.
[37] الموفق بن قدامة: مناظرة في القرآن، ط 1، الكويت، مكتبة ابن تيمية، 1990، ص: 58.
[38] السجزي: رسالة السجزي، ص: 51.
[39] نفسه، ص: 51.
[40] راجع التمهيد.
[41] ابن قدامة: مناظرة في القرآن، ص: 58.
[42] السجزي: رسالة السجزي، ص: 51، 57.
[43] ابن عقيل: الرد على الأشاعرة، ص: 91.
[44] ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 239.
[45] ابن عقيل: المصدر السابق، ص: 86.
[46] ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، القاهرة، مكتبة الخانجي، د ت، ج 1 ص: 34، 75.
[47] ابن قدامة المقدسي: مناظرة في القرآن، ص: 35. وابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 239.وابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية، ص: 106.
[48] ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 6 ص: 359، ج 14، 349.
المصدر: الأزمة العقيدية بين الأشاعرة وأهل الحديث - خلال القرنين: 5 - 6 الهجريين - مظاهرها، آثارها، أسبابها، والحلول المقترحة لها / خالد علال ص 31 - 42

مجموع فتاوى ابن تيمية

مجمع الملك فهد

سنة النشر: 1416 هـ/1995 م

رقم الطبعة: ---

عدد الأجزاء: سبعة وثلاثون جزءا

مسألة: الجزء الرابع…التحليل الموضوعي

[ص: 1] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

سئل شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية قدس الله روحه ما قولكم في مذهب السلف في الاعتقاد ومذهب غيرهم من المتأخرين؟ ما الصواب منهما؟ وما تنتحلونه أنتم من المذهبين؟ وفي أهل الحديث: هل هم أولى بالصواب من غيرهم؟ وهل هم المرادون بالفرقة الناجية؟ وهل حدث بعدهم علوم جهلوها وعلمها غيرهم؟.

الحاشية رقم: 30

[ص: 165] فصل ثم قال المعترض: قال أبو الفرج بن الجوزي في الرد على الحنابلة: " إنهم أثبتوا لله سبحانه عينا وصورة ويمينا وشمالا ووجها زائدا على الذات وجبهة وصدرا ويدين ورجلين وأصابع وخنصرا وفخذا وساقا وقدما وجنبا وحقوا وخلفا وأماما وصعودا ونزولا وهرولة وعجبا ; لقد كملوا هيئة البدن وقالوا: يحمل على ظاهره وليست بجوارح ومثل هؤلاء لا يحدثون فإنهم يكابرون العقول وكأنهم يحدثون الأطفال ". قلت: الكلام على هذا فيه أنواع: - (الأول: بيان ما فيه من التعصب بالجهل والظلم قبل الكلام في المسألة العلمية.

(الثاني: بيان أنه رد بلا حجة ولا دليل أصلا. (الثالث: بيان ما فيه من ضعف النقل والعقل. أما " أولا ": فإن هذا المصنف الذي نقل منه كلام أبي الفرج لم يصنفه [ص: 166] في الرد على الحنابلة كما ذكر هذا وإنما رد به - فيما ادعاه - على بعضهم.

وقصد أبي عبد الله بن حامد والقاضي أبي يعلى وشيخه أبي الحسن بن الزاغوني ومن تبعهم ; وإلا فجنس الحنابلة لم يتعرض أبو الفرج للرد عليهم ولا حكى عنهم ما أنكره ; بل هو يحتج في مخالفته لهؤلاء بكلام كثير من الحنبلية كما يذكره من كلام التميميين. مثل رزق الله التميمي وأبي الوفا بن عقيل. ورزق الله كان يميل إلى طريقة سلفه كجده أبي الحسن التميمي وعمه أبي الفضل التميمي والشريف أبي علي بن أبي موسى هو صاحب أبي الحسن التميمي وقد ذكر عنه أنه قال: " لقد خري القاضي أبو يعلى على الحنابلة خرية لا يغسلها الماء " وسنتكلم على هذا بما ييسره الله متحرين للكلام بعلم وعدل.

ولا حول ولا قوة إلا بالله: فما زال في الحنبلية من يكون ميله إلى نوع من الإثبات الذي ينفيه طائفة أخرى منهم ومنهم من يمسك عن النفي والإثبات جميعا. ففيهم جنس التنازع الموجود في سائر الطوائف لكن نزاعهم في مسائل الدق ; وأما الأصول الكبار فهم متفقون عليها ولهذا كانوا أقل الطوائف تنازعا وافتراقا لكثرة اعتصامهم بالسنة والآثار لأن للإمام أحمد في باب أصول الدين من الأقوال المبينة لما تنازع فيه الناس ما ليس لغيره.

وأقواله مؤيدة بالكتاب والسنة واتباع سبيل السلف الطيب. ولهذا كان جميع من ينتحل السنة من طوائف الأمة - فقهائها ومتكلمتها وصوفيتها - ينتحلونه. [ص: 167]

ثم قد يتنازع هؤلاء في بعض المسائل. فإن هذا أمر لا بد منه في العالم والنبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر بأن هذا لا بد من وقوعه وأنه لما سأل ربه أن لا يلقي بأسهم بينهم منع ذلك. فلا بد في الطوائف المنتسبة إلى السنة والجماعة من نوع تنازع لكن لا بد فيهم من طائفة تعتصم بالكتاب والسنة كما أنه لا بد أن يكون بين المسلمين تنازع واختلاف لكنه لا يزال في هذه الأمة طائفة قائمة بالحق لا يضرها من خالفها ولا من خذلها حتى تقوم الساعة.

ولهذا لما كان أبو الحسن الأشعري وأصحابه منتسبين إلى السنة والجماعة: كان منتحلا للإمام أحمد ذاكرا أنه مقتد به متبع سبيله.

وكان بين أعيان أصحابه من الموافقة والمؤالفة لكثير من أصحاب الإمام أحمد ما هو معروف حتى إن أبا بكر عبد العزيز يذكر من حجج أبي الحسن في كلامه مثل ما يذكر من حجج أصحابه لأنه كان عنده من متكلمة أصحابه. وكان من أعظم المائلين إليهم التميميون: أبو الحسن التميمي وابنه وابن ابنه ونحوهم ; وكان بين أبي الحسن التميمي وبين القاضي أبي بكر بن الباقلاني من المودة والصحبة ما هو معروف مشهور.

ولهذا اعتمد الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه الذي صنفه في مناقب الإمام أحمد - لما ذكر اعتقاده - اعتمد على ما نقله من كلام أبي الفضل عبد الواحد بن أبي الحسن التميمي. وله في هذا الباب مصنف ذكر فيه من اعتقاد أحمد ما فهمه ; ولم يذكر فيه ألفاظه وإنما ذكر جمل الاعتقاد بلفظ نفسه وجعل يقول: " وكان أبو عبد الله ".

وهو بمنزلة من يصنف [ص: 168] كتابا في الفقه على رأي بعض الأئمة ويذكر مذهبه بحسب ما فهمه ورآه وإن كان غيره بمذهب ذلك الإمام أعلم منه بألفاظه وأفهم لمقاصده ; فإن الناس في نقل مذاهب الأئمة قد يكونون بمنزلتهم في نقل الشريعة. ومن المعلوم: أن أحدهم يقول: حكم الله كذا أو حكم الشريعة كذا بحسب ما اعتقده عن صاحب الشريعة ; بحسب ما بلغه وفهمه وإن كان غيره أعلم بأقوال صاحب الشريعة وأعماله وأفهم لمراده.

فهذا أيضا من الأمور التي يكثر وجودها في بني آدم. ولهذا قد تختلف الرواية في النقل عن الأئمة كما يختلف بعض [أهل] الحديث في النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم لكن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم. فلا يجوز أن يصدر عنه خبران متناقضان في الحقيقة. ولا أمران متناقضان في الحقيقة إلا وأحدهما ناسخ والآخر منسوخ. وأما غير النبي صلى الله عليه وسلم فليس بمعصوم.

فيجوز أن يكون قد قال خبرين متناقضين. وأمرين متناقضين ولم يشعر بالتناقض. لكن إذا كان في المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يحتاج إلى تمييز ومعرفة - وقد تختلف الروايات حتى يكون بعضها أرجح من بعض والناقلون لشريعته بالاستدلال بينهم اختلاف كثير - لم يستنكر وقوع نحو من هذا في غيره ; بل هو أولى بذلك. لأن الله قد ضمن حفظ الذكر الذي أنزله على رسوله ولم يضمن حفظ ما يؤثر عن غيره. لأن ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة هو هدى الله الذي جاء من عند الله وبه يعرف سبيله وهو حجته على عباده ; [ص: 169] فلو وقع فيه ضلال لم يبين لسقطت حجة الله في ذلك وذهب هداه وعميت سبيله ; إذ ليس بعد هذا النبي نبي آخر ينتظر ليبين للناس ما اختلفوا فيه ; بل هذا الرسول آخر الرسل. وأمته خير الأمم.

ولهذا لا يزال فيها طائفة قائمة على الحق بإذن الله. لا يضرها من خالفها ولا من خذلها. حتى تقوم الساعة. الوجه الثاني أن أبا الفرج نفسه متناقض في هذا الباب: لم يثبت على قدم النفي ولا على قدم الإثبات ; بل له من الكلام في الإثبات نظما ونثرا ما أثبت به كثيرا من الصفات التي أنكرها في هذا المصنف. فهو في هذا الباب مثل كثير من الخائضين في هذا الباب من أنواع الناس يثبتون تارة وينفون أخرى في مواضع كثيرة من الصفات كما هو حال أبي الوفاء بن عقيل وأبي حامد الغزالي.

الوجه الثالث أن باب الإثبات ليس مختصا بالحنبلية ولا فيهم من الغلو ما ليس في غيرهم ; بل من استقرأ مذاهب الناس وجد في كل طائفة من الغلاة في النفي والإثبات ما لا يوجد مثله في الحنبلية ووجد من مال منهم إلى نفي باطل أو إثبات باطل [ص: 170] فإنه لا يسرف إسراف غيرهم من المائلين إلى النفي والإثبات ; بل تجد في الطوائف من زيادة النفي الباطل والإثبات الباطل ما لا يوجد مثله في الحنبلية. وإنما وقع الاعتداء في النفي والإثبات فيهم مما دب إليهم من غيرهم الذين اعتدوا حدود الله بزيادة في النفي والإثبات إذ أصل السنة مبناها على الاقتصاد والاعتدال دون البغي والاعتداء.

وكان علم " الإمام أحمد وأتباعه " له من الكمال والتمام على الوجه المشهور بين الخاص والعام ممن له بالسنة وأهلها نوع إلمام وأما أهل الجهل والضلال: الذين لا يعرفون ما بعث الله به الرسول ولا يميزون بين صحيح المنقول وصريح المعقول وبين الروايات المكذوبة والآراء المضطربة: فأولئك جاهلون قدر الرسول والسابقين الأولين منالمهاجرين والأنصار الذين نطق بفضلهم القرآن فهم بمقادير الأئمة المخالفين لهؤلاء أولى أن يكونوا جاهلين إذ كانوا أشبه بمن شاق الرسول واتبع غير سبيل المؤمنين من أهل العلم والإيمان وهم في هذه الأحوال إلى الكفر أقرب منهم للإيمان: تجد أحدهم يتكلم في " أصول الدين وفروعه " بكلام من كأنه لم ينشأ في دار الإسلام ولا سمع ما عليه أهل العلم والإيمان ولا عرف حال سلف هذه الأمة وما أوتوه من كمال العلوم النافعة والأعمال الصالحة ولا عرف مما بعث الله به نبيه ما يدله على الفرق بين الهدى والضلال والغي والرشاد. [ص: 171] وتجد وقيعة هؤلاء في " أئمة السنة وهداة الأمة " من جنس وقيعة الرافضة ومن معهم من المنافقين في أبي بكر وعمر ; وأعيان المهاجرين والأنصار ; ووقيعة اليهود والنصارى ومن تبعهم من منافقي هذه الأمة في رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقيعة الصابئة والمشركين من الفلاسفة وغيرهم في الأنبياء والمرسلين وقد ذكر الله في كتابه من كلام الكفار والمنافقين في الأنبياء والمرسلين وأهل العلم والإيمان ما فيه عبرة للمعتبر ; وبينة للمستبصر ; وموعظة للمتهوك المتحير.

وتجد عامة أهل الكلام ومن أعرض عن جادة السلف - إلا من عصم الله - يعظمون أئمة الاتحاد بعد تصريحهم في كتبهم بعبارات الاتحاد ويتكلفون لها محامل غير ما قصدوه. ولهم في قلوبهم من الإجلال والتعظيم والشهادة بالإمامة والولاية لهم وأنهم أهل الحقائق: ما الله به عليم. هذا ابن عربي يصرح في فصوصه: أن الولاية أعظم من النبوة ; بل أكمل من الرسالة ومن كلامه: مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي وبعض أصحابه يتأول ذلك بأن ولاية النبي أفضل من نبوته وكذلك ولاية الرسول أفضل من رسالته أو يجعلون ولايته حاله مع الله ورسالته حاله مع الخلق وهذا من بليغ الجهل.

فإن الرسول إذا خاطب الخلق وبلغهم الرسالة لم يفارق الولاية بل هو ولي [ص: 172] الله في تلك الحال كما هو ولي الله في سائر أحواله فإنه ولي الله ليس عدوا له في شيء من أحواله. وليس حاله في تبليغ الرسالة دون حاله إذا صلى ودعا الله وناجاه. وأيضا: فما يقول هذا المتكلف في قول هذا المعظم: إن النبي صلى الله عليه وسلم لبنة من فضة وهو لبنتان من ذهب وفضة ويزعم أن لبنة محمد صلى الله عليه وسلم هي العلم الظاهر ولبنتاه: الذهب علم الباطن والفضة علم الظاهر وأنه يتلقى ذلك بلا واسطة ; ويصرح في فصوصه. أن رتبة الولاية أعظم من رتبة النبوة لأن الولي يأخذ بلا واسطة والنبي بواسطة فالفضيلة التي زعم أنه امتاز بها على النبي صلى الله عليه وسلم أعظم عنده مما شاركه فيه.

وبالجملة: فهو لم يتبع النبي صلى الله عليه وسلم في شيء فإنه أخذ بزعمه عن الله ما هو متابعه فيه في الظاهر كما يوافق المجتهد المجتهد والرسول الرسول فليس عنده من اتباع الرسول والتلقي عنه شيء أصلا لا في الحقائق الخبرية ولا في الحقائق الشرعية. وأيضا: فإنه لم يرض أن يكون معه كموسى مع عيسى وكالعالم مع العالم في الشرع الذي وافقه فيه بل ادعى أنه يأخذ ما أقره عليه من الشرع من الله في الباطن فيكون أخذه للشرع عن الله أعظم من أخذ الرسول. [ص: 173]

وأما ما ادعى امتيازه به عنه وافتقار الرسول إليه - وهو موضع اللبنة الذهبية - فزعم أنه يأخذه عن المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول. فهذا كما ترى في حال هذا الرجل وتعظيم بعض المتأخرين له.

وصرح الغزالي بأن قتل من ادعى أن رتبة الولاية أعلى من رتبة النبوة أحب إليه من قتل مائة كافر لأن ضرر هذا في الدين أعظم. ولا نطيل الكلام في هذا المقام لأنه ليس المقصود هنا. وأيضا فأسماء الله وأسماء صفاته عندهم شرعية سمعية لا تطلق بمجرد الرأي فهم في الامتناع من هذه الأسماء أحق بالعذر ممن امتنع من تسمية صفاته أعراضا.

وذلك أن الصفات التي لنا: منها ما هو عرض كالعلم والقدرة ومنها ما هو جسم وجوهر قائم بنفسه كالوجه واليد وتسمية هذه جوارح وأعضاء أخص من تسميتها أجساما لما في ذلك من معنى الاكتساب والانتفاع والتصرف وجواز التفريق والبعضية. [ص: 174] الوجه الرابع أن هذا السؤال لا يختص بهؤلاء بل إثبات جنس هذه الصفات قد اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها من أهل الفقه والحديث والتصوف والمعرفة وأئمة أهل الكلام من الكلابية والكرامية والأشعرية كل هؤلاء يثبتون لله صفة الوجه واليد ونحو ذلك.

وقد ذكر الأشعري في كتاب المقالات أن هذا مذهب أهل الحديث وقال: إنه به يقول. فقال في (جملة مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث: " جملة مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث: الإقرار بكذا وكذا وأن الله على عرشه استوى وأن له يدين بلا كيف كما قال: {خلقت بيدي} وكما قال: {بل يداه مبسوطتان} وأن له عينين بلا كيف كما قال: {تجري بأعيننا} وأن له وجها كما قال: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام}. وقد قدمنا فيما تقدم أن جميع أئمة الطوائف هم من أهل الإثبات وما من شيء ذكره أبو الفرج وغيره مما هو موجود في الحنبلية - سواء كان الصواب فيه مع المثبت أو مع النافي أو كان فيه تفصيل - إلا وذلك موجود فيما شاء الله [ص: 175] من أهل الحديث والصوفية والمالكية والشافعية والحنفية ونحوهم ; بل هو موجود في الطوائف التي لا تنتحل السنة والجماعة والحديث ولا مذهب السلف مثل الشيعة وغيرهم ففيهم في طرفي الإثبات والنفي ما لا يوجد في هذه الطوائف.

وكذلك في أهل الكتابين - أهل التوراة والإنجيل - توجد هذه المذاهب المتقابلة في النفي والإثبات وكذلك الصابئة من الفلاسفة وغيرهم لهم تقابل في النفي والإثبات حتى إن منهم من يثبت ما لا يثبته كثير من متكلمة الصفاتية ولكن جنس الإثبات على المتبعين للرسل أغلب: من الذين آمنوا واليهود والنصارى والصابئة المهتدين وجنس النفي على غير المتبعين للرسل أغلب: من المشركين والصابئة المبتدعة.

وقد ذكرنا في غير هذا الجواب مذهب سلف الأمة وأئمتها بألفاظها وألفاظ من نقل ذلك من جميع الطوائف: بحيث لا يبقى لأحد من الطوائف اختصاص بالإثبات. ومن ذلك: ما ذكره شيخ الحرمين: أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي في كتابه الذي سماه " الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول إلزاما لذوي البدع والفضول " وكان من أئمة الشافعية - ذكر فيه من كلام الشافعي ومالك والثوري وأحمد بن حنبل والبخاري - صاحب الصحيح -[ص: 176] وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك والأوزاعي والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه في أصول السنة ما يعرف به اعتقادهم.

وذكر في تراجمهم ما فيه تنبيه على مراتبهم ومكانتهم في الإسلام وذكر " أنه اقتصر في النقل عنهم - دون غيرهم - لأنهم هم المقتدى بهم والمرجوع شرقا وغربا إلى مذاهبهم ولأنهم أجمع لشرائط القدوة والإمامة من غيرهم وأكثر لتحصيل أسبابها وأدواتها: من جودة الحفظ والبصيرة والفطنة والمعرفة بالكتاب والسنة والإجماع والسند والرجال والأحوال ولغات العرب ومواضعها والتاريخ والناسخ والمنسوخ والمنقول والمعقول والصحيح والمدخول في الصدق والصلابة وظهور الأمانة والديانة: ممن سواهم ". قال: " وإن قصر واحد منهم في سبب منها جبر تقصيره قرب عصره من الصحابة والتابعين لهم بإحسان باينوا هؤلاء بهذا المعنى من سواهم فإن غيرهم من الأئمة - وإن كانوا في منصب الإمامة - لكن أخلوا ببعض ما أشرت إليه مجملا من شرائطها إذ ليس هذا موضعا لبيانها ".

قال: " ووجه ثالث لا بد من أن نبين فيه فنقول: إن في النقل عن هؤلاء إلزاما للحجة على كل من ينتحل مذهب إمام يخالفه في العقيدة فإن أحدهما لا محالة يضلل صاحبه أو يبدعه أو يكفره فانتحال مذهبه - مع مخالفته [ص: 177] له في العقيدة - مستنكر والله شرعا وطبعا فمن قال: أنا شافعي الشرع أشعري الاعتقاد قلنا له: هذا من الأضداد لا بل من الارتداد إذ لم يكن الشافعي أشعري الاعتقاد. ومن قال: أنا حنبلي في الفروع معتزلي في الأصول قلنا: قد ضللت إذا عن سواء السبيل فيما تزعمه إذ لم يكن أحمد معتزلي الدين والاجتهاد ".

قال: " وقد افتتن أيضا خلق من المالكية بمذاهب الأشعرية وهذه والله سبة وعار وفلتة تعود بالوبال والنكال وسوء الدار على منتحل مذاهب هؤلاء الأئمة الكبار فإن مذهبهم ما رويناه: من تكفيرهم: الجهمية والمعتزلة والقدرية والواقفية وتكفيرهم اللفظية ". وبسط الكلام في مسألة اللفظ إلى أن قال -: " فأما غير ما ذكرناه من الأئمة: فلم ينتحل أحد مذهبهم فلذلك لم نتعرض للنقل عنهم ".

قال: " فإن قيل: فهلا اقتصرتم إذا على النقل عمن شاع مذهبه وانتحل اختياره من أصحاب الحديث وهم الأئمة: الشافعي ومالك والثوري وأحمد إذ لا نرى أحدا ينتحل مذهب الأوزاعي والليث وسائرهم؟. - قلنا: لأن من ذكرناه من الأئمة - سوى هؤلاء - أرباب المذاهب في الجملة إذ كانوا قدوة في عصرهم ثم اندرجت مذاهبهم الآخرة تحت مذاهب الأئمة المعتبرة.

وذلك أن ابن عيينة كان قدوة ولكن لم يصنف في [ص: 178] الذي كان يختاره من الأحكام وإنما صنف أصحابه وهم الشافعي وأحمد وإسحاق فاندرج مذهبه تحت مذاهبهم. وأما الليث بن سعد فلم يقم أصحابه بمذهبه قال الشافعي: " لم يرزق الأصحاب " إلا أن قوله يوافق قول مالك أو قول الثوري لا يخطئهما ; فاندرج مذهبه تحت مذهبهما.

وأما الأوزاعي فلا نرى له في أعم المسائل قولا إلا ويوافق قول مالك أو قول الثوري أو قول الشافعي: فاندرج اختياره أيضا تحت اختيار هؤلاء. وكذلك اختيار إسحاق يندرج تحت مذهب أحمد لتوافقهما.

قال: " فإن قيل: فمن أين وقعت على هذا التفصيل والبيان في اندراج مذاهب هؤلاء تحت مذاهب الأئمة؟ قلت: من التعليقة للشيخ أبي حامد الإسفرائيني التي هي ديوان الشرائع وأم البدائع: في بيان الأحكام ومذاهب العلماء الأعلام وأصول الحجج العظام ; في المختلف والمؤتلف. قال: " وأما اختيار أبي زرعة وأبي حاتم في الصلاة والأحكام - مما قرأته وسمعته من مجموعيهما - فهو موافق لقول أحمد ومندرج تحته وذلك مشهور. وأما البخاري فلم أر له اختيارا ولكن سمعت محمد بن طاهر الحافظ يقول: استنبط البخاري في الاختيارات مسائل موافقة لمذهب أحمد وإسحاق.

فلهذه المعاني نقلنا عن الجماعة الذين سميناهم دون غيرهم إذ هم أرباب [ص: 179] المذاهب في الجملة ولهم أهلية الاقتداء بهم لحيازتهم شرائط الإمامة وليس من سواهم في درجتهم وإن كانوا أئمة كبراء قد ساروا بسيرهم.

لقد خرى أبو يعلى الفراء على الحنابلة خرية لا يغسلها الماء

فيتعلق بكتاب إبطال التأويلات لأخبار الصفات للقاضي أبي يعلى الفراء الحنبلي البغدادي(ت 458هجرية) ، و مفاده أن ابن الأثير ذكر أنه في سنة 429 هجرية أنكر (( العلماء على أبي يعلى بن الفراء الحنبلي ما ضمنه كتابه من صفات الله، سبحانه وتعالى، المشعرة بأنه يعتقد التجسم، وحضر أبو الحسن القزويني الزاهد بجامع المنصور، وتكلم في ذلك، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً )). و قال أيضا -عن المؤلف و كتابه - : (( وهو مصنف كتاب الصفات أتى فيه بكل عجيبة، وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض، تعالى الله عن ذلك، وكان ابن التميمي الحنبلي يقول: لقد خرى أبو يعلى الفراء على الحنابلة خرية لا يغسلها الماء )) .
واضح من ذلك أن ابن الأثير اتخذ موقفا مُتشددا من القاضي ابي يعلى-شيخ الحنابلة في زمانه- ، و اتهمه باعتقاد التشبيه في صفات الله تعالى ، بناء على ما دونه في كتابه إبطال التأويلات ،و على ما نقله عن أبي محمد رزق الله بن التميمي الحنبلي البغدادي(ت 488 هجرية) ، فيما قاله عن القاضي ابي يعلى . فهل أصاب فيما ذهب إليه ؟ .

أولا إنه-أي ابن الأثير- ذكر أن العلماء أنكروا على أبي يعلى ، و هذا تعميم لا يصخ ، لأن الذين أنكروا عليه ذلك هم الأشاعرة ، و هم من بعض علماء بغداد و ليسوا هم علمائها . و كان القاضي أبو يعلى قد صنف كتابه إبطال التأويلات ردا على المتكلم الأشعري ابن فورك الأصفهاني (ت 406هجرية) ن في تأويله للصفات على طريقة المؤولين و المعطلين لها ، فرد عليه أبو يعلى بكتابه إبطال التأويلات لأخبار الصفات ؛ فأنكر عليه علماء من الأشاعرة ببغداد ، و اتهموه بالتشبيه و التجسيم . لذا فإن قول ابن الأثير : (( و فيها أنكر العلماء على أبي يعلى )) ، هو قول مبالغ فيه ،و لا يُعبر عن الحقيقة ،و لا يصح تعميمه .

و ثانيا إن ابن الأثير ذكر الخبر موجزا ،و جمع فيه بين حادثتين منفصلتين متعلقتين بكتاب أبي يعلى ، أنكر فيهما الأشاعرة على الرجل ما دوّنه في كتابه . و ذلك أن الإنكار الأول حدث سنة 429 هجرية ، ثم تكرر ثانية في سنة 432 هجرية ، فتدخل الخليفة القائم بأمر الله العباسي( 422-467 للهجرة) ، و طلب الكتاب من أبي يعلى ، فنظر فيه ثم رده إلى صاحبه ، و كتب في ذلك محضرا وقّع فيه جمع من علماء بغداد من الأشاعرة و الحنابلة و أهل الحديث ، و قعوا على المحضر بالموافقة على ما في كتاب أبي يعلى ، منهم القاضي الأشعري أبو بكر الطيب الطبري . و كان الزاهد أبو الحسن القزويني (ت 442هجرية) أول الموقعين ، فكتب (( هذا قول أهل السنة ،و هو اعتقادي ،و عليه اعتمادي )) . ثم أخرج الخليفة القائم الاعتقاد القادري –الذي كان والده القادر بالله قد كتبه- أخرجه تأييدا و موافقة لمذهب أبي يعلى الفراء .

فالمؤرخ ابن الأثير أغفل أمورا هامة تتعلق بحادثة إنكار علماء من الأشعرية على أبي يعلى الفراء ، كان عليه أن يذكرها و لا يغفلها ، لأنها هامة جدا ، و تتعلق مباشرة بالموضوع . فهو قد عمم الإنكار و جعله يشمل علماء بغداد من دون تمييز لهم و لا تحديد ، ثم اغفل موقفهم الأخير الذي وافقوا فيه على المحضر ، على اختلاف مذاهبهم . فكان عليه أن يذكر ذلك ،و يُعلّق عليه إن كان لديه تعليق أو اعتراض . و هو قد فعل بعض ذلك –دون توسع- عندما أشار إلى ما قاله الزاهد القزويني ، فأورد نصه ،و عقّب عليه بقوله (( تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا )) .

و ثالثا إنه من أسباب إنكار ابن الأثير-و غيره من أهل العلم- على القاضي أبي يعلى و اتهامه بالتجسيم ، هو أنه قد بالغ في إثبات الصفات معتمدا على أحاديث تُوهم التشبيه ،و بعضها صريح في ذلك ، و هي من الأحاديث الضعيفة و الموضوعة ، كحديث الإسراء و المعراج الذي فيه إن الرسول –عليه الصلاة و السلام- رأى ربه عيانا ، و هو حديث موضوع باتفاق أهل العم .

و مع ذلك فإنه –أي أبو يعلى- لم يكن يعتقد التشبيه و لا التجسيم –وفق مفهوم أهل الحديث- و له مصنفات في الرد على المجسمة و المشبّهة ، و قد دافع عنه ولده أبو الحسين ، -صاحب الطبقات- و بيّن عقيدة والده في مسألة صفات الله تعالى ،و برّأه مما اُتهم به . من ذلك أنه ذكر أن والده كان يعتقد في الله تعالى بأنه (( فرد الذات متعدد الصفات لا شبيه له في ذاته ولا في صفاته ولا نظير ولا ثاني ))،و الحنابلة سمعوا قوله عز وجل: آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب-سورة البقرة/1-3- فآمنوا بما وصف الله به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم تسليماً للقدرة وتصديقاً للرسل وإيماناً بالغيب ... واعتقدوا: أن الباري سبحانه استأثر بعلم حقائق صفاته ومعانيها عن العالمين وفارق بها سائر الموصوفين ، فهم بها مؤمنون و بحقائقها موقنون وبمعرفة كيفيتها جاهلون ، لا يجوز عندهم ردها كرد الجهمية و لا حملها على التشبيه كما حملته المشبهة الذي أثبتوا الكيفية ، و لا تأولوها على اللغات والمجازات كما تأولتها الأشعرية . فالحنبلية لا يقولون في أخبار الصفات بتعطيل المعطلين ولا بتشبيه المشبهين ولا تأويل المتأولين مذهبهم: حق بين باطلين وهدى بين ضلالتين: إثبات الأسماء والصفات مع نفي التشبيه والأدوات )) .

فهذا نص صريح ينفي عن القاضي أبي يعلى الفراء ما اتهمه به خصومه ، لكن الخلل دخله من أنه كان ضعيفا في علم الحديث ، لا يُميّز بين صحيح الأحاديث من سقيمها ، فروى الضعيف و الواهي و الموضوع دون تمييز ، و بنى عليه كتابه [43]. لذا فإن كتابه هذا يجب الحذر منه عند الاستفادة منه ، و لا يُؤخذ بأحاديثه و نصوصه إلا بعد تحقيقها . علما بأن الانتقادات التي وُجهت لأبي يعلى الفراء ، سببها الخطأ في تطبيق المنهج ،و ليس سببها فساد المنهج و خطئه ، فمنهجه صحيح شرعا و عقلا ، و قد أشار إلى ذلك القاضي أبو يعلى فيما نقله عنه ولده أبو الحسين .

و أُشير هنا إلى أمر هام جدا مفاده أن السبب الرئيسي الذي جعل ابن الأثير يتخذ موقفا متشددا من أبي يعلى و كتابه ، هو الاختلاف في تحديد مفهوم التشبيه بين الأشاعرة ،و الحنابلة- و أهل الحديث عامة- ، فالتشبيه عند الحنابلة و أصحاب الحديث هو أن يُقال: يد الله كيد الإنسان ، و سمعه كسمعه ، و أما إذا قيل : لله يد ليست كيد الإنسان ، و بصره ليس كبصره ، فهذا ليس تشبيها . و أما الأشاعرة فالتشبيه عندهم هو إثبات الصفات الخبرية التي وردت في الكتاب و السنة ، كالاستواء على العرش، و النزول ، و لا يعدون الصفات السبع التي أثبتوها تشبيها .

المصدر موقع الفسطاط ..
 
-*-----------------------------

[38] ابن الأثير : المصدر السابق ، ج 8 ص: 228 ، 378 .
[39] ابن تيمية : مجموع الفتاوى ، ج 6 ص: 54 .
[40] أبو الحسين ابن أبي يعلى : طبقات الحنابلة ، ج 2 ص: 197، 198 .
[41] ابن تيمية : منهاج السنة النبوية ، ط 1 ، تحقيق : د. محمد رشاد سالم ، مؤسسة قرطبة ، ج 2 ص: 634، 636 . 1406
[42] أبو الحسين بن أبي يعلى : المصدر السابق ، ج 2 ص: 208، 209 .
[43] الذهبي : سير أعلام النبلاء ، ج 18 ص: 90 . و الصفدي صلاح الدين : الوافي بالوفيات ، حققه س. د . رينغ ، المطبعة الهاشمية ، دمشق ، 1959 ،ج 4 ص: 864 .
[44] خالد كبير علال : الأزمة العقيدية بين الأشاعرة و أهل الحديث ،ط 1 ، دار الإمام مالك ، الجزائر ، 2005 ، ص: 188 .