Tuesday, 1 November 2022

ملامح التجديد عند الإمام يحيى بن حمزة - كتاب الانتصار نموذجاً

 عن أبحاث علمية فكرية

ورقة بحثية قدمها الأستاذ العلامة عبدالسلام عباس الوجيه لندوة "تطور العلوم الفقهية" التي أقيمت في مسقط 2012م.

---------------------------------------
تمهيد

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين محمد بن عبد الله الصادق الأمين وآل بيته الطاهرين وأصحابه المنتجبين وبعد:

فإن المدرسة الزيدية من أغنى المدارس وأثراها، تمتلك من المجموعات الأصولية والفقهية ما لا يكاد يوجد له نظير بسبب حرية النظر والاجتهاد في المسائل الفقهية وأدلتها التي أتاحها المذهب الزيدي لأتباعه، وهو ما مكن أئمة الفقه الزيدي من النبوغ وجعل المذهب متميزا عن سائر مذاهب الأمصار فقهاً وتأصيلاً وتحرراً وتسامحاً، وإن كان أقلها حظاً من الاهتمام والدراسة لأسباب شتى.

ولقد كان من أئمته المتميزين ونوابغه المشهورين وعلماءه الموسوعيين الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة الحسيني [ت749هـ] الذي كان "موسوعة علمية ندر أن يكون له نظير لا بين الزيدية فحسب بل بين فرق المسلمين" كما قال الدكتور أحمد محمود صبحي.

وقد اشتهر بمؤلفاته في مختلف الفنون سيما في أصول الدين وأصول الفقه واللغة العربية، كما اشتهر بموسوعة الانتصار في الفقه الذي تفرد في منهجه وأسلوبه وفي هذه المحاولة المتواضعة للتعرف على ملامح التجديد عند الإمام يحيى بن حمزة يحسن بنا أن نعرج في البداية على المذهب الزيدي جملة، نشأته وتطوره ومراحله التي مر بها في عجالة لا بد منها للوصول إلى موضوع ورقة العمل هذه.
الزيدية.. التعريف والنسبة:

تطلق كلمة الزيدية على أئمة أهل البيت النبوي الشريف ومن تابعهم أو وافقهم في الاعتقاد بعدل الله المطلق وتوحيد الله في ذاته وصفاته دون تجسيم أو تشبيه أو تعطيل، وصدق الوعد والوعيد وإضافة أفعال العباد إليهم وأنهم المحدثون لها حسنها وقبيحها، وإثبات النبوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووجوب الخروج على الظلمة بالشروط المبينة في كتبهم، واستحقاق الإمامة بالفضل والطلب لا بالوراثة أو القوة، وأفضلية الإمام علي بن أبي طالب وأولويته بالإمامة، والقول بإمامة الإمام زيد بن علي.

ونسبة الزيدية إلى الإمام زيد عليه السلام ليست نسبة فقهية بحتة على النحو المعروف في المذاهب الأخرى ولا تقلده الزيدية كتقليد الشافعية للشافعي مثلاً بل يقلدون غيره من الأئمة الذين ساروا على نهجه في الجهاد والاجتهاد كما سنرى لأن المذهب يحرم التقليد على كل متمكن من أخذ الحكم من كتاب الله وسنة نبيه فنسبة الزيدية إلى الإمام زيد نسبة اعتزاء وانتماء ولأن هذه النسبة لم يطلقها الإمام زيد على نفسه ولا على أتباعه ولا أطلقها أتباعه على أنفسهم بل أطلقها عليهم حكام بني أمية وبني العباس، وأطلقت على أي ثائر منهم بعد الإمام زيد من أهل البيت، فالتسمية سياسية في الأصل كما أن الزيدية لا يعتقدون أن الإمام زيد أولى من غيره بالتقليد في الأحكام  الاجتهادية فقد نبغ منهم في الاجتهاد الفقهي عدد من أئمة أهل البيت ويمكن تقسيمهم إلى طبقات:

أولاً: المؤسسون:

1- الإمام الأعظم زيد بن علي بن الحسين [المستشهد سنة 122هـ] وهو من مشاهير فقهاء التابعين له مشاركة فاعلة في ترسيخ دعائم الفقه الإسلامي ودراسة نصوص القرآن والسنة وتميز فقهه بأنه:

‌أ- نشأ في أجواء حرة بعيداً عن تأثير الدول وإملاءات الحكام ولم يكن أمامه شيء يراعيه إلا وضوح البرهان وقوة الدليل.

‌ب- جعل للعقل حضوراً في تقييم الأدلة وإعمالها فلا هو حشره فيما لا يعنيه وحمله ما لا يطيق ولا هو عطله من التأمل والحركة في المساحة التي يمكن أن يتحرك فيها.

‌ج- كان يجمع في اجتهاده بين فقه الأدلة وفقه الواقع ويعطي المسائل التي اجتهد فيها أبعاداً مختلفة.

‌د- اعتمد بالدرجة الأولى على نصوص القرآن في حركته واجتهاده، وكان من أهم  كتبه: المجموع الحديثي والفقهي المعروف بالمسند و كتاب مناسك الحج.

2- الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي [ت246هـ]، أحد أعلام الزيدية المؤسسين، له مذهب فقهي مشهور، وألف كتباً كثيرة في الفقه منها: الفرائض والسنن، والمناسك، وصلاة اليوم والليلة، ومسائل جهشيار، ومسائل النيروسي، ومسائل الكلاري.

3- الإمام أحمد بن عيسى بن زيد [ت247هـ]، المعروف بفقيه آل محمد، له فقه كثير ورواية واسعة، تضمنها كتاب العلوم الذي جمعه محمد بن منصور المرادي في كتاب العلوم الذي عُرف بـ(أمالي أحمد بن عيسى).

4- الإمام الحسن بن يحيى بن زيد [ت260هـ]، قالوا: وكان من الشهرة بالكوفة في الزيدية، كأبي حنيفة عند فقهائها، وكان عامة الزيدية في الكوفة على مذهبه.

5- الإمام عبدالله بن موسى بن عبدالله [ت247هـ].

6- الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين ابن القاسم [ت298هـ]، مؤسس الزيدية في اليمن، وله كتاب الأحكام، والمنتخب والفنون في الفقه، وكذلك ولداه محمد وأحمد.

7- الإمام الناصر الحسن بن علي الأطروش [ت304هـ]، من كبار أئمة الزيدية في الجيل والديلم، له نحو مائة كتاب لم يصلنا منها إلا القليل.

هؤلاء هم أصحاب النصوص والمؤسسون، لأنهم قاموا بدراسة نصوص القرآن وما صح من السنة، واستنبطوا من ذلك ما أمكنهم من الأحكام والمسائل الفقهية، ثم جاءت بعدهم طبقة من الفقهاء اعتنوا بدراسة وشرح وتعليق وتخريج كلام الأئمة وأقوالهم من باب الاتفاق في تحرير الدليل وفهمه، وفي ظل الحرية الفكرية وحرية الاجتهاد كانت للزيدية ثلاث تيارات أو مدراس فقهية.

(أ‌) القاسمية وهم أتباع ومقلدو الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي، كان معظمهم في الحجاز والجيل والديلم.

(ب‌) الهادوية وهم أتباع الإمام الهادي يحيى بن الحسين ومقلدوه، ولم يكن بينه وبين جده كثير خلاف، ومعظم انتشارهم كان في الجزيرة وخراسان والعراق وهو السائد في اليمن.

(ت‌) الناصرية وهم أتباع الإمام الناصر الأطروش ومقلدوه، وكان معظمهم في العراق وفارس.
ورغم تعدد اجتهادات أئمة الزيدية وكثرتها فقد كان لهم قواعد عامة تجمعهم وأصول مشتركة منها على سبيل المثال:

- الاعتماد على فقه وفكر آل البيت النبوي باعتبارهم قرناء الكتاب.

- مراعاة قضايا العقل في تحرير الأحكام لاسيما ما كان له علاقة بالتحسين والتقبيح والمصالح والمفاسد.

- اعتبار ما صح عن الإمام علي عليه السلام وأولاده موضع احتجاج.

- ترجيح ظواهر النصوص القرآنية على الكثير من الأحاديث الظنية.

- اعتبار إجماع أهل البيت حجة يجب الأخذ بها والاعتماد عليها.

- اعتبار عرض الأحاديث على القرآن خير وسيلة لمعرفة صحتها.

- فتح باب الاجتهاد على مصراعيه لكل قادر على ولوجه، وإنكار التقليد من كل مجتهد استكمل شروط الاجتهاد وتمسك بالثوابت.

ولهذا فُتح باب الاجتهاد وتوالى بعدهم المجتهدون على أصول المذهب، وتكونت بذلك مجموعة فقهية لا نظير لها. قال أبو زهرة: ولعله كان أوسع من سائر مذاهب الأمصار لأن المذاهب الأربعة لا يخرج المخرجون فيها عن مذهبهم إلى مرتبة الاختيار من غيره.

ثانياً: طبقة المخرجين:

وهم الذين استخرجوا من كلام الأئمة واحتجاجهم بواسطة القياس والمفهوم أحكاماً لا تتعارض مع الأدلة الشرعية وهم:

1- محمد بن منصور المرادي [ت290هـ]، أبو جعفر الحافظ له أكثر من ثلاثين كتاب في الفقه اختصرها أبو عبدالله العلوي في كتابه الجامع الكافي.

2- أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني [ت353هـ] ، له (شرح الأحكام) وجمع كتب القاسم والهادي في كتاب سماه (النصوص) واستخرج من تلك النصوص المفاهيم والتخريجات وجمعها في كتاب (التخريجات).

3- الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني [ت416هـ]، قام بتجريد نصوص القاسم والهادي وله كتاب التجريد وكتاب شرح التجريد.

4- الإمام الناطق بالحق أبو طالب [ت424هـ]، له كتاب التحرير وشرحه، وله المجزي في أصول الفقه.

5- العلامة علي بن بلال -مولى الإمامين المؤيد بالله والناطق بالحق- شرح كتاب الأحكام واستخرجه من كتاب أبي العباس الحسني.

6- العلامة المحدث أحمد بن محمد الازرقي الهدوي.

ثالثاً: المحصلون:

وهم الذين اهتموا بتحصيل أقوال الأئمة وما استُخرج منها ونقلوها إلى تلامذتهم بطريقة الرواية والمناولة لمؤلفاتهم، ومن رجال هذه الطبقة:

1- القاضي زيد بن محمد الكلاري، الملقب بحافظ أقوال العترة، ومن أتباع الإمام المؤيد بالله.

2- السيد العلامة علي بن العباس بن إبراهيم [ت430هـ]، والملقب براوي إجماعات أهل البيت.

3- شيخ الإسلام القاضي جعفر بن عبد السلام البهلولي [ت573هـ].

4- شيخ الإسلام القاضي الحسن بن محمد الرصاص [ت584هـ].

5- الإمام الأعظم عبد الله بن حمزة [ت614هـ].

6- الإمام الحسين بن بدر الدين [ت662هـ].

رابعاً: المذاكرون:

وهم الذين راجعوا أقوال من تقدمهم وفحصوها سنداً ومتناً، وعرضوها على أصول المذهب وقواعده المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله، فأقروا ما توافق منها واعتبروها (المذهب) وما لم يوافقها في رأيهم لم يعتبروها مذهباً للفرقة الزيدية، وكان في نظرهم رأياً خاصاً بصاحبه غير معاب عليه باعتبار أن كل مجتهد مصيب يحرم عليه التقليد، وهم:

1- القاضي العلامة عبد الله بن زيد العنسي [ت669هـ].

2- القاضي العلامة محمد بن يحيى حنش [ت717هـ].

3- القاضي العلامة محمد  بن سليمان بن أبي الرجال العمري الصعدي [ت730هـ].

4- الإمام الأعظم يحيى بن حمزة [ت749هـ] وهو موضوع ورقتنا هذه.

5- القاضي العلامة يوسف بن أحمد ابن عثمان الثلائي [ت832هـ].

6- الإمام الشهيد أحمد بن يحيى المرتضى [ت840هـ] وغيرهم.

ومعظم رجال هذه الطبقة -والطبقات التالية والسابقة- هم من العلماء المجتهدين الموسوعيين.
وأختم هذه العجالة حول مراحل تطور الفقه الزيدي إلى عصر الإمام يحيى بن حمزة، بالإشارة إلى أن هذه المراحل السابقة رافقها تجديد وتطور في التأصيل لقواعد أصول الفقه ابتداء من المؤسسين وانتهاء بالمذاكرين ولهم في ذلك مؤلفات واجتهادات كثيرة كما كان للمعتزلة الكثير من الكتب التي اعتمد هؤلاء ما وافق أصولهم منها.

وندخل إلى موضوعنا حول ملامح التجديد من خلال:

ترجمة الإمام يحيى بن حمزة:

هو الإمام المؤيد بالله أبو إدريس يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم بن يوسف بن علي بن إبراهيم بن محمد بن أحمد بن إدريس بن جعفر الزكي بن علي التقي بن محمد الجواد بن الإمام علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين السبط بن الإمام علي ابن أبي طالب.

أحد أعلام الفكر الإسلامي في اليمن، ونجوم الآل الكرام، إمام، مجتهد، مجاهد، مفكر، زاهد. مولده بمدينة صنعاء في 27 صفر سنة 669هـ، واشتغل بالمعارف وهو صبي، فأخذ العلوم على أكابر علماء الزيدية، وتبحر في جميع العلوم وفاق أقرانه حتى أصبح من أكابر أئمة الزيدية في الديار اليمنية، اشتهر بالميل إلى الإنصاف، وطهارة اللسان وسلامة الصدر، وعدم الإقدام على التكفير والتفسيق بالتأويل، وكان كثير الذب عن الصحابة وأكابر علماء الطوائف، صحب الإمام المتوكل على الله المتوكل على الله المطهر بن يحيى في حروبه، ودعا إلى نفسه بعد وفاة الإمام المهدي محمد بن المطهر سنة 729هـ، وقيل سنة 730هـ، في فترة عصيبة من تاريخ اليمن، فبلغت دعوته إلى بلاد الظاهر وصعدة والشرف ومعظم المناطق الشمالية في اليمن، وعارضه أئمة آخرون فتفرغ للعلم والتأليف، واستقر في حصن هران قبلي ذمار وتوفي بها وقبر في ذمار، ومن شيوخه الإمام يحيى بن محمد السراجي والفقيه عامر ابن زيد الشماخ وغيرهما واشتهر بمؤلفاته الكثيرة ومن مؤلفاته:

أولاً: في أصول الدين:

1- الإفحام لأفئدة الباطنية الطغام في الرد عليهم في الأسرار الإلهية والمباحث الكلامية.

2- التحقيق في الإكفار والتفسيق.

3- التمهيد في علوم العدل والتوحيد.

4- الجواب اللائق في تنزيه الخالق عن مشابهة الممكنات والكون في الأرجاء والجهات.

5- الشامل لحقائق الأدلة  العقلية وأصول المسائل الدينية (أربعة مجلدات).

6- مشكاة الأنوار الهادمة لقواعد الباطنية الأشرار.

7- النهاية في الوصول إلى علم حقائق علوم الأصول.

8- الوعد والوعيد وما يتعلق بهما وغيرها.

9- المعالم الدينية في العقائد الإلهية.

ثانياً: في أصول الفقه:

1- الحاوي لحقائق الأدلة الفقهية وتقرير القواعد القياسية  (ثلاثة مجلدات).

2- القسطاس قال السيد مجد الدين في أصول الفقه (مجلدان).

3- الكوكب الوقاد في أحكام الاجتهاد (رسالة).

4- المعيار لقرائح النظار في شرح حقائق الأدلة الفقهية والقواعد القياسية فرغ منه سنة 715هـ.
ثالثاً: في الفقه:

1- العدة في المدخل إلى العمدة (مختصر في الفقه في مجلدين).

2- العمدة في مذاهب الأئمة في الفقه فرغ منه سنة 720هـ ويحتوي على ستة مجلدات جمع فيها إيرادات المذاهب بالحجج والشواهد.

3- الفتاوى مجموعة من الفتاوى ضمن مجاميع متفرقة.

4- الاختيارات في الفقه (تُسمى الاختيارات المؤيدية) مجلدان.

5- الانتصار على علماء الأمصار  في تقرير المختار من مذاهب الأئمة وأقاويل علماء الأمة في المباحث الفقهية والمضطردات الشرعية (موسوعة في الفقه المقارن فريدة من نوعها في ثمانية عشر مجلداً مخطوطاً).

رابعاً: في اللغة:

1- الأزهار أو الأنهار الصافية شرح مقدمة الكافية في النحو (مجلدان).

2- الاقتصار في النحو (مجلد).

3- الحاصر في شرح مقدمة طاهر في النحو.

4- المنهاج الجلي في شرح جمل الزجاج في النحو.

5- رسالة في بيان المصدر والحاصل له.

6- الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز فرغ منه سنة 728هـ (ثلاثة مجلدات).
7- الإيجاز لأسرار كتاب الطراز في علوم البيان ومعرفة الإعجاز (مخطوط).

8- الديباج الوضي في الكشف عن أسرار كلام الوصي (شرح نهج البلاغة).

خامساً: في فنون أخرى:

1- الفائق المحقق في علوم المنطق.

2- إكليل التاج وجوهره الوهاج.

3- الأنوار المضيئة في شرح الأربعين السيلقية.

4- الإيضاح لمعاني المفتاح (فرائض).

5- اللباب في محاسن الآداب.

6- مشكاة الأنوار للسالكين مسالك الأبرار.

7- تصفية القلوب من درن الأوزار والذنوب.

8- عقد اللآلي في الرد على أبي حامد الغزالي.

9- الرسالة الوازعة للمعتدين عن سب صحابة سيد المرسلين، وغيرها من المؤلفات.
بعض ما قيل فيه:

سأقتصر هنا على بعض ما قيل فيه من الدارسين المعاصرين فقط:

- د. حسين عبد الله العمري في كتابه مصادر التراث اليمني في المتحف البريطاني يقول: "الإمام المؤيد بالله يحيى ابن حمزة أحد أعاظم أئمة اليمن وأكابر علماء الزيدية.. أما كتبه ومصنفاته فكثيرة يُروى أن كراريس تصانيفه زادت على أيام عمره ولعل أجلها كتاب الانتصار في ثمانية عشر مجلداً.. يعتبر كتاب الانتصار من أعظم كتب الفقه عند الزيدية بل قد وُصف أنه لا نظير له في كتب المتقدمين والمتأخرين".

- د. أحمد محمود صبحي في كتابه الزيدية صفحة 336-337 قال: "علم شامخ من ابرز أعلام الزيدية وأئمتهم، جمع بين العلم والعمل، بين الفكر والزهد إذ هو بين متكلمي الزيدية من نوابغهم". إلى أن قال: "موسوعة علمية ندر أن يكون له نظير لا بين الزيدية فحسب بل بين فرق المسلمين جميعاً،  كتابه (الإنتصار) في الفقه الينبوع الذي اغترف منه ابن المرتضى فأخرج للناس كتابه (البحر الزخار)". إلى أن قال: "قد يُقال ولكنه في معظم ما قال مسبوق في علم الكلام من المعتزلة وفي المواعظ والأخلاق من الحارث المحاسبي والغزالي، وأقول: إن مذهباً معاصراً وأعني الوضعية المنطقية قد ارتأى حل إشكالات الفلسفة بحل مصطلحاتها، ذلك أن اختلاف الآراء وأضرابها إنما هو وليد الدقة في تحديد معاني الألفاظ وكان هذا هو الجديد الذي قدمه المذهب للفكر المعاصر وإن كان ذلك مسبوقاً بسقراط.

وذلك بالضبط هو وجه الأصالة في فكر يحيى بن حمزة يبدأ كل نظرية بتحديد مصطلحاتها ومفاهيم ألفاظها وفقاً لما يقتضيه العرف واللغة والشرع والاصطلاح وإنما جاء بطلان مذاهب الخصوم لأن مفاهيمها مخالفة لهذه المعايير".

ويقول صبحي في مقدمة كتاب (المعالم الدينية للإمام يحيى بن حمزة) تحقيق سيد مختار: "عدة أمور جذبتني إلى الإمام يحيى بن حمزة حين قمت بدراسة أشهر مفكري الزيدية والتي ضمنتها كتابي الزيدية:
الأمر الأول: تواضعه الجم إذ لا يعرض لنفسه إلا بعد عرض الفرق المختلفة في الموضوع ثم يعقب قائلا والأرجح عندنا.

الأمر الثاني: منهجه الفريد في عرض الموضوعات الكلامية فقد أتاحت له مقدرته الفائقة في علوم اللغة وبخاصة البلاغة أن يقيس الآراء الكلامية بمعايير أربعة بالاستخدام الصحيح للفظ: اللغة والدين والعرف والاصطلاح.

الأمر الثالث: يحيى ابن حمزة موسوعة علمية ندر أن يكون له نظير.."، إلى أن يقول: "إن كتابه الانتصار الجامع لمذاهب علماء الأمصار يُعد أول موسوعة فقهية شاملة لجميع المذاهب الإسلامية وكل من ألف بعد ذلك في هذا الموضوع كانوا عيالاً عليه".

- أما الدكتور رضوان السيد فيقول في تقديمه للجزء الأول من كتاب الانتصار:

* بيد أن المفاجأة السارة في الأمر كانت أن الانتصار ليس كتاباً عادياً مصنفاً على أبواب الفقه، بل موسوعة في الاختلاف الفقهي، تتفاوت إجراؤها طولاً وقصراً واستيفاء، ولكنني لا أعرف في الفقه الإسلامي كله كتاباً أوسع في الاختلاف في الأجزاء التسعة الأولى على الأقل.

* إن الإمام يحيى بن حمزة يحيط بسائر المذاهب الفقهية (السنية على الخصوص) بالإضافة طبعاً إلى معرفته التامة باجتهادات علماء أهل البيت.

* وكما سبق أن ذكرت فهو أكثر استيفاء للقواعد والحجج والآراء في الأجزاء الأولى من الكتاب كما أنه معني على الخصوص بتتبع الاختلاف مع الحنفية والشافعية دون إهمال للآخرين وبخاصة ابن حزم.

* هو شديد الحدة – شأنه في كتبه الكلامية – لكن أيضاً حريص على الإنصاف؟

* تترابط لديه مسائل الأصولين (أصول الدين وأصول الفقه) مع القواعد ومسائل الفروع أكبر بكثير مما يبدو لي في المذاهب الأخرى.

* أوضح منهجه في تقديمه الأصولي والتأصيلي بحيث يمكن اعتبار موجزه التقديمي هذا في أصول الفقه رؤية تجديدية في بحوث الألفاظ كما في بحوث الأدلة والقواعد.

* مع أنه متأثر بأبي الحسن البصري والقاضي عبد الجبار في أصول الفقه لكنه صاحب اتجاه اجتهادي في مسائل الألفاظ وقضايا القواعد على وجه الخصوص

* أما في الفروع فهو لا يعتمد الاختلاف مع الهادوية والناصرية لكنه بسبب سعة اطلاعه ومنهجه الخاص في الاجتهاد والاختلاف على حد سواء يصل إلى أراء ونتائج جديدة في كثير من المسائل وفي سائر الأبواب.

* هو أقرب في اجتهاداته إلى الشافعية.

- ونختم بما قاله أحد محققي كتاب الانتصار، الأستاذ عبد الوهاب المؤيد -رحمه الله- في مقدمة الجزء الأول صفحة 67-68:

"وكتاب (الانتصار)، كما أنه أكبر وأوسع كتاب في الفقه الإسلامي التراثي الزيدي، في موضوعه وموضوعاته، وفي كتبه وفصوله ومسائله وأصوله وفروعه، وفي مباحثه وحقائقه ودقائقه وأحكامه.. فهو كذلك أوسع وأكبر كتاب من كتب التراث الإسلامي في اليمن، في منهجه واستدلاله، وفي أوجهه وآرائه وأقواله التي جمع المؤلف في كتابه هذا شتاتها وأدنى بعيدها، ورتب قواعدها، ووثق شاردها وواردها، وأبرز دقيقها ووضح غامضها وفك مبهمها، وحل عقيلها، واستنطق أسرارها وأنطق قيلها، وجمع أولها بآخرها، وقديمها بجديدها، ولم يقتصر في (الانتصار) على إيراد آراء وأقوال المجتهدين من الأئمة والعلماء والفقهاء في اليمن ممن وافق مذهبه وجايل عصره، بل شمل كل المدارس وجل المذاهب الفقهية الإسلامية بأعلامها ومجتهديها وآرائها وأدلتها وطرق استدلالها في كل العصور التي سبقته، بدءاً بخير الأجيال والعصور، وهو جيل الصحابة الأجلاء (رضوان اللّه عليهم) فالتابعين وتابعيهم، ثم من تلاهم من أجيال الأعلام والمجتهدين. فهذا الكتاب يعتبر بحق وكما سنبرز بعضاً من آراء ونعوت العلماء والباحثين فيه.. موسوعة نادرة للمدارس والمذاهب الفقهية الإسلامية.. بل يتميز عن الموسوعة ويتفوق عليها ويتجاوزها من حيث أنه عالَم حي بحوار الأفكار والآراء، وتقارع الحجج والبراهين، وباتفاق واختلاف الآراء والمذاهب، فهو بحث واسع للفقه المقارن الذي يستخدم في منهجه إيراد الآراء، ثم فحصها ومقارنتها في كل مسألة، ثم يعود إلى تقرير (المختار) لديه ممعناً في الاستدلال عليه بأسلوب العالم المتجرد من كل الأهواء، ويختم كل مسألة بإيراد (الانتصار) الذي يناقش آراء وأقوال مخالفيه بحصافة الناقد البصير، وبصيرة الناقد الحصيف وعمق المجتهد المطلع، وإنصاف الورع الذي لا يتغيا غير الحق، ولا يستهدف سوى الحقيقة، وهي طريقة من يعرف أنه ليس بعد الحق إلا الضلال، وليس وراء الحقيقة إلا الخيال.

***

خلاصة منهجه وقواعده من خلال مقدماته لكتابه (الانتصار)

أولاً: الباعث لتأليف الكتاب:

حدده المؤلف بقوله: الباعث على هذا الإملاء غرضان:

فالغرض الأول منهما هو: أن العلم لما كان من أعلى المراتب وأسناها وأشرف المناقب وأرفعها وأحظاها، وأنفس الأعمال وأزكاها، وأشرف ما يخلفه الإنسان بعد الموت، لشرفه وعلو فائدته في الدين.. فأحببت أن يكون لي بعد الموت ما عسى أن يبقى ثوابه ولا ينفد أجره، تصديقاً لقوله تعالى: {إنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ }[يس:12]. وفي الحديث عن صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه: "إذا مات ابن آدم انقطع عنه سائر عمله إلا ثلاثة: علم ينتفع به، أو صدقة تجري، أو ولد صالح يدعو له".

والغرض الثاني: أن اللّه تعالى لما وفقني لإتمام كتاب (العمدة في المباحث الفقهية) وكنت قد اقتصرت فيه على ذكر المذهب ودليله، وذكر من خالف مذهبنا أو وافق من علماء الأمة وفقهاء العامة، وألغيت ذكر أدلة المخالفين، وذكر المختار من الأقاويل في المسألة، وتقرير الحجة عليه، ووعدت في صدر الكتاب أن اللّه تعالى إن نفس لي في المهلة وتراخى الأجل ضممت إليه كتاباً، فلما أنجز اللّه العِدَةَ، وصدق الرجاء بتنفيس المدة، ابتدأت بتأليف هذا الكتاب فأجعله كتباً، ثم أضمن الكتب أبواباً، ثم أحشو الأبواب فصولاً، والفصول مسائل، فأذكر في كل مسألة من خالف فيها، وأورد لكل مجتهد حجته من الأدلة، ولم آلُ جُهداً في تقرير كل مذهب من تلك المذاهب بدليله وإيراد أحسن ما أجده في نصرته وتقرير مقالته، حتى إذا أكملت المذاهب بأدلتها في المسألة، ذكرت المختار من تلك المذاهب وقررته بحجته، وأوردت الانتصار بإبطال ما خالفه، فصار في سياقه مرتباً على مراتب ثلاث:

المرتبة الأولى: أن تكون المسألة قد وقع فيها خوض من أئمة العترة وفقهاء الأمة، وتكرر فيها النظر، وطالت فيها الخصومة، وحصل فيها النزاع بينهم. وهذا هو الأكثر المطرد من جهة أن معظم المسائل قد خاضوا فيه، وأفتى كل واحد منهم على حسب ما يعن له من النظر ويقوى من الدليل الشرعي، وما هذا حاله من المسائل، أذكر لكل واحدٍ منهم دليله وأوضحه، ثم أشفعه بذكر المختار من تلك المذاهب، وأذكر ترجيحه على غيره من تلك المذاهب المذكورة.

المرتبة الثانية: أن لا يكون لأئمة العترة فيها قول وللفقهاء فيها خوض.. وما هذا حاله فهو مغفور قليل ولا يُعثر عليه إلا على جهة الندرة، بالإضافة إلى ما قد خاضوا فيه، فأذكر المسألة وأوضحها ببراهينها الشرعية لكل واحد من المخالفين، ثم أذكر المختار من تلك الأقاويل، وما أراه صالحاً للمذهب منها بمعونة اللّه، فأما ما كان مجمعاً عليه فأذكره، ثم أوضحه بحجته من غير زيادة.

المرتبة الثالثة: ما لا يكون لأئمة العترة ولا لعلماء الأمة فيها قول، وما هذا حاله فإنما يُعثر عليه في الندرة ويوجد على جهة القلة، وهو أدخل في الندور من الذي قبله. وما هذه صفته، فأذكر المسألة وأوضحها بالحجة الشرعية على حد ما أجده وأعثر عليه، فلما نزلته على هذه الهيئة، ورتبته على هذا الترتيب، وصار معتمداً في معرفة المذاهب وحجج التأويل، ووسيلة إلى تمييز الصحيح المختار من الأقاويل.. سميته بكتاب: (الانتصار على علماء الأمصار في تقرير المختار من مذاهب الأئمة وأقاويل علماء الأمة).

ثانياً: خلاصة مقدمات المؤلف:

[المقدمة الأولى في بيان ماهية الحكم وصحة نقل الأسماء]

وقد اختار في المطلب الأول في تقرير ماهية الحكم أن الأحكام ليست أمراً زائداً على ذات الأفعال، وقسمها إلى قسمين: ما يستقل العقل بدركه، وما لا يستقل. وقسم الأول وهو ما يستقل العقل بدركه إلى قسمين: ما يكون معلوماً بالضرورة فلا يفتقر إلى نظر نحو قبح الظلم ووجوب شكر المنعم، وما يكون معلوماً بالنظر والتفكر وقد اختار ما عول عليه الزيدية والمعتزلة بعد بحث وعرض للآراء الأخرى.

وفي المطلب الثاني في صحة نقل الأسماء من اللغة إلى الشرع ذكر المذاهب في ذلك ومنها مذاهب أئمة الزيدية وجماهير المعتزلة أن في الشرع أسماء منقولة عن معانيها اللغوية إلى معان أخر قد وقعت المواضعة الشرعية وصار نقلها تاماً حتى صارت معانيها اللغوية نسياً منسياً لا تُفهم منها بحال، وقسمها إلى أسماء شرعية نحو الصلاة والزكاة وأسماء دينية (مؤمن وفاسق) واختار بعد بحث تفصيلاً مفاده أن هذه الأسماء وإن أفادت معاني شرعية قد دلت عليها بتقرير الشارع عليها لكنها دالة على معانيها اللغوية وغير خارجة عن كونها دالة عليها لأن دلالتها اللغوية هي الأصل وأي مدع إخراجها عنها مدع خلاف الأصل إلى أخر ما ذكره.

[المقدمة الثانية في بيان المستند في تقرير أحكام الشريعة]

قسمها إلى فصول، الأول: جعل العمدة فيه في تقرير الأحكام الفقهية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وما يصدر عنه، والصادر عنه إما خطاب، أو مفهوم خطاب، أو معقول خطاب، أو استصحاب.
ومعنى الخطاب: ما كان مأخوذاً من لسان صاحب الشريعة، إما بنفسه كالكتاب والسنة أو مستنداً إليهما كالإجماع (وهو ليس خطاب لكنه معتمد على الكتاب والسنة في كونه حجة) ثم بدأ على مراتب أربع، ذكر في المرتبة الأولى أدلة الخطاب مُبتدأً بذكر أدلة الكتاب من جهة النص، ومن جهة الظهور، ومن جهة الإجمال، فعرفه من جهة النص بأنه: هو اللفظ الذي لا يحتمل التأويل بحال قريبا كان أو بعيدا كقوله (وإلهكم إله واحد)، وعرف الظاهر بقوله: ما كان محتمل لأمرين أحدهما أسبق من الآخر، ثم ذكر المجمل (وهو الذي لا يُفهم المراد من لفظه ويفتقر في البيان إلى غيره جعله على وجهين: أحدهما لا عُرف فيه من جهة اللغة، والآخر له عرف من جهة اللغة) وأدرج العموم تحت الظاهر، ثم ذكر أقسام السنة قولاً وفعلاً وتقريراً وحدد بدقة معانيها ودلالاتها،

ثم دلالة الإجماع وجعلها على وجهين: إجماع عام كإجماع الأمة على وجوب الصلاة، وإجماع خاص كإجماع الأمة أو العترة على حكم الحادثة، ثم ذكر أن إجماع العترة حق وصواب لظاهر آية التطهير وخبر "إني تارك فيكم"، وتساءل هل يكون قاطعاً في ما تناوله أم لا؟ وأجاب فيه نظر وتردد والأقرب أن دلالته ظنية.

وفي المرتبة الثانية تعرض لبيان دلالة المفهوم من الخطاب وعرف المفهوم (وهو أن يكون الحكم مستفاداً من غير ظاهر اللفظ وصريحه) وقسمه على ثلاثة أضرب (فحوى الخطاب، لحن الخطاب، دليل الخطاب) حيث عرف كلاً منها وحدد دلالتها ومفهومها بدقة.

المرتبة الثالثة جعلها في بيان دلالة المعقول وهو القياس في أنواعه وضروبه وفيه مبحث كبير.
وأخيراً المرتبة الرابعة في دلالة الاستصحاب وقرر فيها عدداً من القواعد.

أما الفصل الثاني من المقدمة الثانية فقد خصصه في بيان التفرقة بين المسائل الأصولية والمسائل الفقهية قال ما ملخصه: اعـلم أن هذا الفصل ينبغي الاهتمام بحاله والاعتناء بإيضاحه، لما يشتمل عليه من الفوائد الغزيرة، والنكت الكثيرة. وجملة الأمر أن المسائل منقسمة بالإضافة إلى ما يتعلق بأمور الديانة إلى عقلية ونقلية.

فأما العقلية: فهي ما كان متعلقاً بالعقائد الإلهية، نحو العلم بالذات وصفاتها وأحوال الحكمة والوعيد وأحوال المعاد وغير ذلك، وما هذا حاله فالحق فيه واحد والتعبد فيها بالعلم القاطع وما عداه خطأ وجهل، وقد قررناه في الكتب الكلامية.

وأما النقلية: فهي ما كان متعلقاً بالسمع لا مجال للعقل فيه. ثم هي منقسمة بالإضافة إلى قطعية وظنية.
فما كان مقطوعاً به منها فهي المسائل الأصولية القطعية.

وما كان غير مقطوع به فهي المسائل الظنية الاجتهادية. والمعيار الصادق والفصل الفارق بين ما يكون مقطوعاً به فيكون من فن الأصول، وبين ما يكون ظنياً فيكون من الفقه. فما كان المعتمد في تقريره وإثباته مسلك قاطع، إما نص الكتاب وإما نص السنة المتواترة أو الإجماع المقطوع المتواتر أو تصرف العقل وحكمه، فهو قاطع وما هذا حاله فهو لاحق بالمسائل الأصولية والحق فيه واحد، وما عداه محكوم عليه بالخطأ؛ لأن العلم ونقيضه لا يكونان صواباً، بل لا بد من أن يكون أحدهما خطأ وجهلاً، وما كان من المسائل مستندُ إثباته وتقريره مسلك ظني نحو ظاهر الكتاب أو نص السنة الآحادية أو ظاهر نصها المتواتر، أو إجماع منقول بالآحاد أو غير ذلك من المسالك المظنونة، فهو لاحق بالمسائل الظنية الاجتهادية، ولهذا فإن القياس وخبر الواحد وأن الأمر للوجوب والنهي للتحريم كلها معدودة من المسائل الأصولية ح لأن المستند في تقريرها هو الإجماع القاطع والنصوص الواردة الشرعية على إثباتها، ولم تستند إلى مسلك ظني، وعلى هذا يكون ما يكون مستنداً إلى الأخبار الآحادية، نحو مسائل الصلاة، وأحوال العبادات والمعاملات من البيع والشراء والإجارات وغير ذلك من المسائل الشرعية، كلها تكون ظنية اجتهادية، ومن ثم قضينا بأن في اللغة لفظة موضوعة للعموم ولوقوع الاشتراك في اللغة بكونها أصولية لما كان مستندها دليلاً قاطعاً وهو الإجماع، فيكون الحق فيها واحداً، وما لا قاطع فيه فهو من فن الاجتهاد والكل فيه مصيب كما سنوضحه بعد هذا ونفرد له كلاماً يخصه.

وإن وقع الإجماع على مسألة من مسائل التحليل والتحريم وإن لم تعدَّ من المسائل الأصولية، نحو جواز الصلاة في الثوب الواحد، فإنه يكون قاطعاً ولا يعد من المسائل الاجتهادية لإسناده إلى الإجماع القاطع. فتنخل من مجموع ما ذكرناه أن الحكم الاجتهادي هو ما كان مستنداً إلى مسلك ظني من المسائل الشرعية، فإذا أراد الناظر الوقوف على حقيقة التفرقة وإدراك ما هيتها فليمتحن المسائل النقلية بنظره، فإن وجد هناك مسلكاً قاطعاً عرف أنه ليس مجتهداً فيها بحال، وأنها ترده عن الاجتهاد مقطوعاتُها، وأن الخطأ في خلافها، سواء كان ذلك المسلك عقلياً أو نقلياً أو غير ذلك من القواطع المفردة أو المركبة. فإذا تقرر فيها مسلك قاطع فإن كانت متعلقة بالأصول فهي من مسائله، وإن كانت من المسائل العملية فهي قاطعة بكل حال، وإن لم يجد فيها مسلكاً قاطعاً فهي من المسائل الاجتهادية التي لاحق فيها معيناً، فأكثر المسائل الخلافية مجتهد فيها ولا يمكن حصرها ولا ضبطها. وما كان منها قاطعاً، فهو محصور يُؤْثر في أمكنة معدودة، والمسائل الأصولية كلها قاطعة لاستنادها إلى مسالك في تقريرها قاطعة، ولهذا فإنك ترى خوض من خاض فيها من الأصوليين خوضَ قاطعٍ، بأن الحق في جانبه وما عداه خطأ، كما كان خوضهم في المسائل الدينية عقليها ونقليها من غير تفرقة بينها في ذلك. ولنقتصر على هذا القدر في التفرقة بين ما ذكرناه ففيه كفاية للفقيه، وما عدا ذلك نحيله على الكتب الأصولية.

[المقدمة الثالثة في تصويب الآراء في المسائل الاجتهادية]

هذه المقدمة كما قال الإمام يحيى بن حمزة لابد للفقيه الخالي من علم الأصول من إحرازها والإحاطة بها لأوجه ثلاثة:-

أما أولاً:- فلأن يعلم فضل الرسول على غيره من الأنبياء وفضل الشريعة على سائر الشرائع وفضل هذه الأمة على غيرها من الأمم السابقة بأن جعلهم حاكمين في كل حادثة بأنظارهم الثاقبة وفاصلين في كل قضية بمواد فكرهم الصائبة.

وأما ثانياً:- فلأن لا يستوحش الناظر لما يرى من كثرة الخلاف في كل مسألة من المسائل الاجتهادية فإذا تحقق أنها كلها صائبة هان عليه الأمر ولم يعظم عليه الخطب فيبقى في حيرة من أمره فإذا عرف أنها كلها على الحق زال عنه الخوف وزاح عنه الطيش والفشل.

وأما ثالثاً:- فلأن لا يستعجل إلى تخطئة من يخالفه في المسالك فيحكم له بخطاء أو بهلاك من غير بصيرة ومع إدراك هذه الخصلة أعني معرفة التصويب لا يستعجل بهلاك من يخالفه. وكيف يقع الهلاك والآراء كلها صائبة وكلها حق وصواب وهذا من فضل الله ورحمته وعظيم منته على الخلق.
ثم قال ما ملخصه:  إن كل مسألة ليس فيها دلالة قاطعة فالأمة فيها فريقان:

الفريق الأول:- قائلون: بأن الواقعة ليس فيها حق معين وأن الآراء كلها حق وصواب وهؤلاء هم المصوبة ولهم مذهبان:-

أحدهما: أن في المسألة أشبه ومعنى الأشبه أن الله لو نص لما نص إلا عليه.
والثاني: إبطال الأشبه.

قال: والمختار من التصويب الذي نرتضيه هو أن الواقعة ليس فيها لله حكماً معين وإنما يكون على نظر المجتهد ورأيه بعد إعمال النظر والفكر، وسؤال الله التوفيق لإصابة الحق، وإحراز شروط الاجتهاد، فما وصل إليه بعد يكون حقاً وصواباً: وبرهن على ذلك بكلام كثير.

الفريق الثاني:- القائلون: أن في الواقعة حكماً لله تعالى وما عداه من الأقوال فهو باطل ثم اختلفوا منهم من قال أن لا دلالة عليه قطعاً ولا ظناً وإنما هو كدفين يعثر عليه، ومنهم من قال عليه دلالة ظنية، ومنهم من غلا وقال: عليه دلالة قاطعة.

والمختار عندنا: إنه لا معنى للأشبه وأن جميع الآراء في تلك الحادثة كلها أشبه إلى قائله، وأنها كلها مقصودة لله وإنما تقوى وتضعف بحسب قوة الإمارة وضعفها...إلخ، وسنورد في نهاية ورقتنا هذه نموذجاً من تطبيقه لهذا الاختيار.

[المقدمة الرابعة في بيان ما يعرف به مذهب المجتهد وبيان الطريق إليه]

حيث ذكر فيها ماهية المذهب وحقيقته (وهو كل اعتقاد صادر عن دلالة أو إمارة أو شبهة أو تقليد فمتى كان الاعتقاد صادر عن ما ذكرناه فهو مذهب لصاحبه أما ما كان عن العلوم الضرورية فليس مذهباً) وقد قسم هذه المقدمة إلى ثلاث مباحث:

المبحث الأول: في بيان الطريق إلى معرفة مذهب المجتهد:- فذكر أنه يُدرك من جهة النطق كان يصرح ك هذا مذهبي، أو أقول به ن وهو اعتقادي، أو أن يدرك من جهة الضرورة بالممارسة والحب والبغض والموالاة والمعاداة، أو أن يدرك من جهة الاستدلال وهذا ينبني على انسداد الاحتمالات إن كان غير مصرح بمذهبه ويكون على ثلاثة أوجه ذكرها وحددها بدقه.

أما المبحث الثاني: فقد جعله في بيان حكم التخريج على مذهب المجتهد.

قال والمختار عندنا تفصيل نشير إليه وهو (أن كل ما كان يقتضيه قياس قول الإمام أو المجتهد في المسائل الفقهية والمضطربات الاجتهادية، فانه يجوز أن يجعل قولاً له وإن لم ينص عليه إذا كانت أصوله دالة عليه، وتقريراته تشير إليه وتفهم من تصرفاته , نعم إنما يكون منسوب إليه على جهة التخريج ولابد من التصريح بذلك إذا عزي إليه لئلا يكون موهماً  للكذب فيقول المخرج: هذا يكون مذهباً له على جهة التخريج ليفرق بين التصريح والتخريج...الخ.

أما المبحث الثالث: فهو في كيفية القولين في المسألة الاجتهادية وحكمهما وقد ذكر أن من الأصوليين من جوز أن يقال للمجتهد في هذه الواقعة قولان ومنهم من منع ذلك على الإطلاق.

كالمختار عندنا تفصيل نشير إليه: إذ لا وجه للنفي أو للإثبات على الإطلاق والحق الذي نعول عليه في القول بأن للمجتهد في المسألة قولين: الأول وهو إذا نظر في المسألة فحدث له فيها قول ثم عاود النظر فقال بقول آخر، لكن جهل التاريخ بينهما، ولم يعرف المتقدم من المتأخر فلا جرم نحكي القولين من غير ترجيح لأحدهما على الآخر.

أما إذا عرف المتقدم على المتأخر يكون العمل على المتأخر واجباً ويكون ناسخاً للمتقدم أو يعرف الصحيح منهما من الفاسد فيكون القول هو الصحيح.


[المقدمة الخامسة في جواز التقليد للعوام في المسائل الخلافية وذكر من هو أحق بذلك]

وقد ذكر فيها ما ملخصه أن أهل التحقيق من أئمتنا وجماهير المعتزلة ومحققي الأشعرية أنه لا يجوز التقليد في المسائل الدينية الأصولية وذهب كثير من الفقهاء إلى جواز حصول هذه المعارف كلها بالتقليد لمن علمها بالنظر والاستدلال وزعموا أن الطريق إلى معرفة الحق إنما يكون بالتقليد.

والمختار: الأول لأن المقلد في هذه الأمور ليس يخلو حاله إما أن يكون مقلداً لجميع الفرق المخالفة أو يكون مقلداً لفريق دون فريق والأول باطل لما يؤدي من اعتقادات متناقضة.

ثم بحث في مطلبين الأول: بيان جواز التقليد من جهة العوام للعلماء في المسائل الخلافية والأحكام العملية وجوز التقليد مدللاً على تجويزه واختياره.

وفي المطلب الثاني بين من هو أحق بالتقليد ومن يكون أولى بالمتابعة ممن حاز الاجتهاد من العلماء ورجح أئمة العترة على غيرهم من فقهاء الأمة مدللاً على ذلك بأدلة كثيرة وردت فيهم وبما جاء في سيرهم وزهدهم وورعهم.

ما لا يعتمد من الأدلة الشرعية:

وقد ختم هذه المقدمات بتنبيه ذكر فيه أمور وقع فيها الخلاف بين العلماء وهل تكون عمدة لتقرير الإحكام الشرعية وقد أورد عشرة مآخذ:

المأخذ الأول:- يتعلق بالقرآن وهو أن كل ما كان منقولاً بطريق الآحاد فإنه لا يعد قرآناً ولا يكون متلواً، مثل ما تواتر نقله. وتساءل: هل يعول عليه في تقرير الأحكام العملية أم لا؟ وأورد نماذج مثل ما ورد عن ابن مسعود  (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) وغيرها.

قال: وما هذا حاله لا خلاف في أنه غير معدود في القرآن وإنما الخلاف في أنه هل يجوز تقرير الأحكام العملية به أم لا؟

المأخذ الثاني: زعم بعض الفقهاء من أصحاب الشافعي أن النافي لا دليل عليه وجعل هذه طريقة في الاستدلال بأن يقول: أنا ناف فلا يلزمني إقامة دليل على ما نفيته وإنما يتوجه الدليل على من كان مثبتاً لشيء من الأحكام وقرر هذا (من نفى نبوة غيره لم يلزمه إقامة دليل على ذلك) وهذا فساد في الاستدلال لا يعول عليه لان القطع بالنفي لا يجوز التعويل عليه لا بدلالة كالقطع في الإثبات.

المأخذ الثالث: سكوت صاحب الشريعة وتقريره من غير أن يكون له شعور بالفعل وتفطن به، ومثاله ما يزعمه بعض أهل الظاهر في إسقاط الغسل من الإيلاج من غير إنزال لما روي عن بعض الصحابة أنه قال: كنا نكسل على عهد رسول الله ولا نغتسل وفي هذا دلالة عللا أنه لا يجب الغسل منه وما هذا حاله من الاستدلال ضعيف ولا يلتفت إليه، لأن هذا أمر يُفعل على جهة الخفية، ولم يشعر به الرسول فيقره أو ينكره.

المأخذ الرابع: استصحاب الإجماع في موضع الخلاف، فما هذا حاله من الاستدلال غير معول عليه ولا عبرة به، نحو استدلال بعض أصحاب الشافعي في المتيمم إذا رأى الماء وهو في الصلاة فإنه زعم أنه يمضي فيها ولا يخرج منها، وقال اجمعنا على صحة إحرامه وانعقادها.

المأخذ الخامس: استعمال العموم مع قيام المخصص، مثل استدلال الشافعي على وجوب المتعة في حق المدخول بها، لقوله تعالى: (وللمطلقاتِ متاعٌ بالمعروف) وهذا مردود مع قيام دلالة المخصص وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "فلها المهر بما استحل من فرجها".

المأخذ السادس: قول الواحد من الصحابة هل يكون حجة أم لا؟ وبعد بحث قال: والمختار عندنا أنه لا يكون حجة معتمدة، لأنه لا دلالة على كونه حجة من جهة أدلة الشرع، وإنما يكون صالحاً للترجيح لا غير، ولأنه لا تعويل عليه إذا وافق القياس فهكذا لا تعويل عليه مع مخالفة القياس.

المأخذ السابع: في شرع من قبلنا من أهل الكتابين (التوراة والإنجيل) هل يكون شرع لنا إذا لم ينسخ عنا أم لا؟ وفيه خلاف بين العلماء، وقد اختار الإمام يحيى بن حمزة ما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه محتجين بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شريعته ناسخة لجميع الشرائع وذلك معلوم من دينه بالضرورة.

المأخذ الثامن: الاستدلال بالقرائن قال: والمختار عندنا أنه لا يعد طريقاً لتقرير الأحكام الشرعية من جهة احتماله لأن عطف الشيء على غيره لا يوجب أن يكون حكمه حكمه، مثل نجاسة الماء المستعمل بالغسل استناداً على قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه".

المأخذ التاسع: زعم بعض الأصوليين أن نسخ بعض أحكام الآية يكون نسخاً لها، فلا يجوز الاحتجاج بها فيما وراء ذلك، وهذا فاسد، مثل استدلال القاسمية على وجوب النفقة للمُتوفى عنها زوجها أخذاً من قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج) فنسخ الحول لا يدل على نسخ المتاع، فإذا كان الحول منسوخاً بالأربعة أشهر فلا وجه لنسخ النفقة بل هي واجبة بنص الآية ومن أسقطها فإنما يسقطها بدليل آخر.. إلخ.

المأخذ العاشر: تأخر البيان عن وقت الخطاب لا يكون دليلاً على عدم الحكم أصلاً، لأن تأخر البيان عن وقت الخطاب جائز كما قررنا في الكتب الأصولية، مثاله: استدلال أصحابنا والحنفية على إسقاط الكفارة في قتل العمد بأن الله ذكر العمد ولم يوجب فيه كفارةً، فلو كانت واجبة لذكرها كما ذكرها في قتل الخطأ، فلما لم يذكرها دل على عدم الوجوب فيها، فما هذا حاله لا يكون معتمداً في نفي وجوبها وإنما يؤخذ عدم وجوبها من دلالة أخرى غير هذه.

انتهى ما أردت عرضه مُلخصاً من مقدمات المؤلف الإمام يحيى ابن حمزة عليه السلام، ويمكن أن أختتم هذا العرض بإيراد النقاط التالية:

ملامح من التجديد في المنهج

1- منهج المؤلف يكاد يكون متميزاً عن غيره من الأئمة في اليمن على كثرتهم شكلاً، وتصنيفاً، وتبويباً، ومحتوى، ورأياً، واختياراً، وطريقة بحث واستنتاج واستدلال، فرغم أن زمن التأليف في الربع الثاني من القرن الثامن وهو وقت مبكر بالنسبة لعلاقته بأصول وأسس منهج البحث الحديث في الفكر الإسلامي، إذ ظل المنهج التقليدي مسيطراً على البحث والتأليف حتى بداية القرن الحالي، ومن سبقه زمناً وتلاه من المؤلفين في مجاله وبلده لم يبلغوا ما بلغ من سبق وتفرد، وسيكون من التطويل في ورقة كهذه استعراض نماذج من منهجه من ناحية التقسيم العام للكتاب ومن ناحية استعراض جوانب التفرد.

2- المبادئ والأصول العامة في الكتاب تكاد تعم كل مؤلفاته، وإنما نسبناها إلى الانتصار لأنه موضوع البحث، ولأن منهجه فيه أوسع وأوضح وأشمل، وفيه الإضافات والجدة والزيادة والتميز ويمكن القول أن الإمام عليه السلام ليست له مبادئ وأصول خاصة به إلا في النادر، إذ يلتقي في جلها مع أعلام مدرسته ومع غيرهم من أعلام الفكر الإسلامي، وهو لا يخرج عن أهم المبادئ والأصول العامة عند الزيدية، مثل:

‌أ- كل مسائل أصول الدين المبدأ فيها واحد، والقضايا والمسائل الأولى العامة الكلية لا مجال فيها للاجتهاد، لأن الحق فيها كل لا يتجزأ وواحد لا يتعدد، وإن وجد شيء محط اجتهاد ففي بعض ما تفرع عنها أو ترتب عليها كإكفار وتفيسق المخالف في الأصول.

‌ب- حرية الاجتهاد في كل مسائل الفقه من الفروع مهما توفرت وسائل الاجتهاد وأسسه وشروطه من العلم الواسع والعقل القادر على البحث والنظر والمنهج الصحيح في معرفة طرق الاجتهاد وأنواع الأدلة.

‌ج- العقل معيار الأدلة ومناط التكليف ومدار الأحكام ووسيلة البحث والنظر والاجتهاد حيث تميز المذهب الزيدي بتطبيق هذا المبدأ فانعدم ظهور التناقض في البحث والنظر والرأي والاعتقاد في كل القضايا وندر أن نجد أكثر من قول ورأي واحد في المسألة، وقد تميز الإمام بأن جعل العقل رائده في الاختيار والتعليل والتفصيل، وكان ممن أجاد الجمع بين عنصري الاستدلال (النص والعقل) التي اشتهرت بهما الزيدية، وذهب في تقرير صحة اختياراته بمناقشات جديدة فريدة تضمنت كل ما يمكن الاستدلال به من الأدلة العقلية والنقلية، في عرض غني بالنكت والقواعد والفوائد، وإيراد النماذج من النظائر والأشباه والأضداد والأنداد، واستقراء واستنباط كل أوجه وعناصر الدلالات فيها من منطوق ومفهوم بأنواعه.

3- من أمثلة الاجتهاد الخاص للإمام في أصول العقيدة التي تعرض لها في الانتصار أنه صنف الكفار إلى صنفين في باب الأذان الفصل الخامس الفرع الأول (الكافر لا يصح أذانه):

الصنف الأول: كفار تصريح (ملاحدة، عبدة أوثان ونجوم، معطلة، دهرية، فلاسفة زنادقة، يهود، نصارى، مجوس) قال هؤلاء لا خلاف في كفرهم بين أهل القبلة وأهل الإسلام ولا يصح أذانهم.

الصنف الثاني: كفار التأويل، وهم مسلمون يقرون بالوحدانية وحكمة الله ويصدقون بالنبوة والقرآن والشريعة، خلا أنهم يعتقدون اعتقادات توجب إكفارهم مع كونهم على هذه الصفة ومثلهم بفرق (المجبرة والمشبهة)، وخالف أغلب أئمة العترة والمعتزلة في ما ذهبوا إليه، واختار في المسألة أنهم ليسوا كفاراً لأن الأدلة التي تذكر في إكفارهم فيها احتمالات كثيرة. ويمكن للباحث أن يتعرف على حيثيات اختياره هذا ويتوسع فيه من خلال الاطلاع على كتاب الإمام عليه السلام في الإكفار والتفسيق.

4- تميز في قضية الاجتهاد، وكان صورة واضحة لسعة مبدأ الزيدية في حرية الاجتهاد إذا توافرت شروطه في ما عدا الأصول، إذ كان يختار رأيه من بين الأقوال التي يوردها في كل مسألة بحسب ما يراه مطابقا لمنهج اجتهاده ومنطق أسس وأصول هذا المنهج، دون ما اعتبار بمخالفة أصحاب مدرسته أو من يلتقي معهم من المدارس والمذاهب، حيث التقى مع الحنفية والشافعية في أقوالهما في كثير من المسائل، ومع أقوال علماء الزيدية المختارة في أغلب المسائل التي تعكس تسامح المذهب.

5- أما في اللغة فهو من أكبر علماء اللغة، له عدة مؤلفات في النحو والبلاغة تجعله أحد الرواد في كشف أسرارها واجتلاء حقائقها، وتميز الإمام بآراء وقواعد أثبتها في كتابه (الطراز) الذي يعد من أهم مراجع البلاغة التي يعول عليها الباحثون والدارسون، وفي مؤلفاته النحوية وطبقها في الانتصار ومنها: إن المفردات أسماء وصفات وأفعالا المنقولة من معناها اللغوي الأصلي لدلالة على معان شرعية تعبر عن معانيها الشرعية هذه تعبيراً حقيقياً وتعتبر فيها حقيقة لغوية لا مجازية كما يقول جمهور الأشاعرة وغيرهم، وقد أكد هذه القاعدة وعللها في المطلب الثاني من تمهيده، وهذه المسألة مهمة جداً، فهي موضوع بحث ونقاش وخلاف واسع بين أعلام ومدارس الفكر الإسلامي، وهي وإن كانت قضية لغوية والخلاف فيها لغوي فإن جوهرها وجوهر الخلاف حولها يجعلها من القضايا المهمة في أصول الدين وأصول الفقه والفقه.

6- كما تميز الإمام عليه السلام بكثير من الأبحاث المفيدة في علم اللغة وطبقها على اجتهاده في الفقه، نجد نموذجاً منها في ما أورده محقق الكتاب في مقدمته صفحة 88-89.

7- وتميز في أسلوبه العام بالميل إلى الجزالة في اللفظ، والاهتمام بجمال التعبير وبلاغة القول، واختيار المفردات وتوظيفها معنى وجمالاً وبلاغة ضمن سياق متسق ومتناغم بعيداً عن الهبوط وعن التعقيد والتكلف، وتميز بقصر الجمل المتتابعة في السياق مع قدرة كبيرة فيها على دقة التعبير واستيعاب المعاني.

8- تميز في الاستدلال بأن رتب بحوثه في عناصر يبدأها بالباب أو الفصل أو المسألة أو الفرع أو القاعدة أو الحكم أو التقرير، ثم يورد بعد طرح المسألة الأقوال المختلف فيها وحجج كل قول، ويقرر المختار لأصله موضحاً لأدلته وحججه، ثم ينتصر للمختار بتفنيد أقوال المخالفين والاحتجاج عليهم.

ولعل من أبدع ما تميز به ما ذكره محقق الكتاب في مقدمته بقوله: وقد يلحظ المطلع أن المؤلف يحرص بصفة دقيقة وشديدة على أن لا يطعن مباشرة  في صحة الدليل الذي يورده مخالفه، حتى من الأدلة التي لا يقبلها المؤلف لضعفها أو عدم صحتها لديه لأي سبب من الأسباب، بل يحاول إبطالها بطرق أخرى غير مباشرة لا تمس الدليل، مثل:

- الطعن في طريقة الاستدلال التي يستخدمها مخالفه.

- إلزام المخالف من متن دليله، بدلالة أخرى تخالف مذهبه أو قوله في مسألة أخرى أو في جانب آخر من نفس المسألة.

- رده عن طريق العلاقة بين العام والخاص أو الأولويات.

- صرفه عن غرض المخالف بسبب لغوي لتفسير بعض مفرداته، أو لما يتعلق بحيثياته.

- الاحتجاج عليه بدليل أقوى منه لدى المخالف.

- بتساقط الأدلة عند استوائها في القوة والدلالة.

- بإحدى الأولويات المعروفة، كأولوية الحاظر على المبيح، والخاص على العام.

نختتم هذه الملامح بإيراد نموذج فريد لتطبيق المؤلف اختياره في التصويب الذي يعكس مدى سعة الأفق والعلم وسعة الصدر  والتسامح وذلك من خلال اقتطاف عرض ورأي المؤلف في تصويب الآراء الاجتهادية الذي ذكره في الجزء الأول من الانتصار في نهاية مناقشته لمسائل النجاسات التي ختمها بفصل في بيان حكم الاجتهاد في المسائل الخلافية الفقهية صفحة 494-501 من المجلد الأول حيث قال رحمه الله ما نصه:

"اعلم أن جميع الآراء الاجتهادية في المسائل الخلافية الواقعة بين علماء العترة وفقهاء الأمة، كلها حق وصواب، وهذه قاعدة - أعني تصويب الآراء في المضطربات الاجتهادية - قد فرغنا منها في الكتب الأصولية، فأظهرنا ما هو الحق منها من التصويب، وذكرنا أن الإجماع منعقد من جهة الصحابة (رضي اللّه عنهم) على ذلك من غير نكير منهم فيه، وأنهم ما زالوا مختلفين في الفتاوى والأقضية والأحكام، وكل واحد منهم مُصَوِّبٌ لرأي مخالفه في تلك المسألة ولم يُسمع من أحد منهم تأثيم ولا تخطئة لصاحبه، ولا إلحاق حرج به فيما خالفه فيه، وما ذاك إلا من أجل فهمهم التصويب وعملهم عليه، وإجماعهم حجة واجبة الإتباع كما مهدناه.

فإذا تقرر هذا الأصل، فنقول: جميع المسائل الخلافية الواقعة في النجاسات كلها حق وصواب إذا كانت صادرة ممن بلغ رتبة الاجتهاد من علماء العترة وفقهاء الأمة، وكل واحد منهم مذهبه صحيح ومقالته فيما زعمه وذهب إليه صادقة في جميع المسائل كلها مما ليس له فيه دلالة قاطعة.

ونحن الآن نعتبر المسائل التي وقع فيها الخلاف ونبين أنها صحيحة لا مقال فيها وأنها لا تقطع الاقتداء في الصلاة، ولا توجب التحريم في ذلك.

فإذا توضأ القاسمي بما دون القلتين ولم يكن متغيراً بما وقع فيه من النجاسة أو توضأ بركوة قد وقعت فيها قطرة من بول أو خمر لم يغيرها فإنه في اجتهاده طاهر، وهو عند أكثر العترة وفقهاء الأمة نجس.
وهكذا لو توضأ الناصري والمنصوري في القلتين فإنهما عندهما طاهرتان وعند الشافعي TA \s "الشافعي" ، وهما نجستان عند الهادي والمؤيد بالله وأبي طالب. وهكذا لو غسل النجاسة التي لا ترى عينها مرة واحدة فإنها تكون طاهرة على رأي الإمام أبي طالب، ولا تكون طاهرة على رأي المؤيد بالله، وغيره من العترة. ثم أيضاً من كان إزاره من جلد ميتة قد دبغ أو اتخذ خفاً من ذلك، فإنه يكون طاهراً على رأي الإمام الشهيد زيد بن علي، ورأي أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه، وهو نجس على رأي أكثر أئمة العترة، القاسمية والناصرية لا يختلفون فيه.

وهكذا فإنه لو فرك منياً يابساً ثم صلى به من دون غسله فإنه يكون طاهراً على رأي أبي حنيفة وأصحابه، ويكون نجساً على رأي أئمة العترة. ولو صلى وعلى ثوبه مني فإنه يكون طاهراً على رأي الشافعي، TA \s "الشافعي" ويكون نجساً على رأي أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وهلم جرا إلى سائر المسائل التي وقع فيها الخلاف بين أهل القبلة في جميع ما ذكرناه من النجاسات، فكلها حق وصواب، لا تقطع الموالاة فيما بين الأمة، ولا توجب بطلان الاقتداء في الصلاة، ويدل على ما قلناه حجج ثلاث:

الحجة الأولى: هو أن هذه المسائل التي وقع فيها الخلاف لا يخلو حالها إما أن يكون فيها حق معين هو مطلوب لله تعالى، أو لا يكون هناك حق معين، فإن كان الأول فإما أن تكون عليه دلالة أو لا تكون عليه دلالة، فإن لم ينصب اللّه عليه دلالة فلا معنى للتكليف به؛ لأن التكليف به من غير دلالة تكون منصوبة عليه يكون تكليفاً لما لا يعلم وهو محال، وإما أن تكون هناك عليه دلالة فسواء كانت معلومة أو مظنونة، فلا بد أن تكون معلومة لنا معروفة حتى يمكننا العمل بها. والذي في هذه المسائل ليس من الأدلة القطعية أصلاً؛ لأن القطع إنما هو النص المقطوع بأصله، ومعتمدنا في هذه المسائل ليس إلا أخبار آحادية وأقيسة ظنية، كل واحد منها لا ينتهي إلى القطع ولا يترجح بعضها على بعض في مطلق الظن إلا بالإضافة إلى آراء المجتهدين من غير أن تكون هناك دلالة قاطعة، وما هذا حاله فليس فيه مطلوب معين لله تعالى، لاستوائها كلها في كونها مطلوبة لا ترجيح لبعضها على بعض، بالإضافة إلى مراد اللّه تعالى، وبالإضافة إلى ما كلفنا [به]، فصح بما ذكرناه أنه لا مطلوب لله تعالى في هذه المسائل يكون معيناً، وإذا لم يكن هناك مطلوب معين كانت كلها مطلوبة، وهذا هو مرادنا بالتصويب في الآراء الاجتهادية.

الحجة الثانية: لو كان في هذه المسائل حكم معين لله تعالى للزم من ذلك مُحَال، وهو أنه يلزم من ذلك بطلان التولية مع المخالفة في الاجتهاد، والمعلوم أن أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) ولى شريحاً القضاء مع مخالفته له في كثير من المسائل، وهكذا سائر الصحابة (رضي اللّه عنهم) كأبي بكر وعمر وعثمان فإنهم ولوا الولاة مع اختلافهم في هذه المسائل، وكان يلزم التخطئة والتضليل لبعضهم بعضاً في هذه المسائل، لأن هناك - على رأي الخصم - حقاً لله تعالى معيناً، والمعلوم أنه لم يكن شيء من ذلك بينهم.

الحجة الثالثة: هو أن الإجماع منعقد من جهة الصحابة (رضي اللّه عنهم) على أن كل مجتهد فإنه مأمور بالعمل على وفق ظنه، ولا معنى للحكم إلا ما أمر اللّه به، وإذا كان الأمر كما قلناه اتضح أنه لا حق معين في هذه المسائل، وأن كل مجتهد إذا وفىَّ الاجتهاد حقه فإنه مصيب فيما رآه وظنه، لا يفترق الحال في ذلك بين مجتهد ومجتهد مع حيازة منصب الاجتهاد وإحراز علومه المشترطة فيه.

فإن قال قائل: فهل تفرقون بين من خالف في المسائل القطعية من الإلهية والأصولية وبين من وافق فيها، وتقولون: بأن من خالف في مسألة قطعية فإنه لا يعد من المجتهدين ولا يلتفت إلى خلافه؟ أو تقولون: بأنهم معدودون من الأمة فيعتد بخلافهم، ولا تكون المسألة إجماعية من دونهم؟

فجوابه: أنا نقول: بأن جميع أهل القبلة سواء في كونهم معدودين من أهل الإجماع إذا كانوا مجتهدين، وأن خلافهم في هذه المسائل الإلهية وغيرها لا يقطع الاجتهاد ولا يبطل كونهم معدودين من أهل الإجماع والاجتهاد في المسألة بعد إحراز منصب الاجتهاد في كل واحد منهم.."، إلى آخر ما ذكره عليه السلام.

المصادر: ------------------------------------------

1- كتاب الانتصار على مذاهب علماء الأمصار في تقرير المختار من مذاهب الأئمة وأقاويل علماء الأمة (الجزء الأول) تأليف الإمام المؤيد بالله يحيى ابن حمزة بن علي بن إبراهيم الحسيني [ت749هـ]، تحقيق عبد الوهاب علي المؤيد وعلي أحمد مفضل، الطبعة ألأولى 1422هـ – 2002م، الناشر: مؤسسة الإمام زيد ابن علي الثقافية. وأيضاً بقية الأجزاء حيث الكتاب في ستة أجزاء (ستة مجلدات).

2- مجوع رسائل لإمام يحيى بن حمزة عليه السلام، تحقيق العلامة قاسم بن حسن السراجي (تحت الطبع).

3- كتاب التحرير،  تأليف الإمام الناطق بالحق أبي طالب بن يحيى بن الحسين الهاروني (340-424هـ) – دراسة وتحقيق محمد يحيى سالم عزان، الناشر: مكتبة بدر للطباعة والنشر والتوزيع – الطبعة الأولى

4- بلوغ الأرب وكنوز الذهب في معرفة المذهب، تأليف علي عبد الله بن القاسم الحسني [ت1190هـ]، تحقيق عبد الله بن عبد الله  الحوثي، الناشر: مؤسسة الإمام زيد ابن علي الثقافية، الطبعة ألأولى: 1423 هـ ـ 2002م.

5- أعلام المؤلفين الزيدية، تأليف عبد السلام بن عباس الوجيه، الناشر: مؤسسة الإمام زيد ابن علي الثقافية، الطبعة ألأولى: 1420هـ ـ 1999م.

6- نبذة يسيرة من سيرة الإمام يحيى بن حمزة (مخطوط) مكتبة الأوقاف بالجامع الكبير بصنعاء برقم 106 مجاميع.

7- اللآلئ المضيئة في تاريخ أئمة الزيدية، تأليف العلامة أحمد بن محمد بن صلاح الشرفي، تحقيق عبد السلام بن عباس الوجيه، خلد قاسم محمد المتوكل  (تحت الطبع) مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية.

8- أئمة اليمن، تأليف السيد العلامة محمد بن محمد زبارة الحسني، الطبعة الأولى، مطبعة دار النصر تعز.

9- الزيدية، تأليف الدكتور أحمد محمود صبحي، أستاذ الفلسفة الإسلامية، جامعة الإسكندرية الطبعة الثانية 1404هـ ــ 1984م، الناشر: الزهراء للإعلام العربي.

10- الزيدية الطائفة والمذهب، تأليف السيد علي بن عبد الكريم الفضيل، (نسخة إليكترونية).

11- المجموع الحديثي والفقهي للإمام زيد بن علي عليه السلام، تحقيق السيد العلامة عبد الله بن حمود بن درهم العزي، الطبعة الأولى 1422هـ ـــ 2002م، الناشر: مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية.

12- أصول الأحكام الجامع لأدلة الحلال والحرام، تأليف الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان (500-565هـ) تحقيق السيد العلامة عبد الله بن حمود بن درهم العزي، الطبعة الأولى 1424هـ ــ 2003م، الناشر: مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ورقة بحثية قدمها الأستاذ العلامة عبدالسلام عباس الوجيه لندوة "تطور العلوم الفقهية" التي أقيمت في مسقط 2012م.

نقلا عن موقع: رابطة علماء اليمن.

المأخذ : https://www.facebook.com/think1tanks/photos/a.498816806844208/543183342407554/

No comments:

Post a Comment