Thursday, 22 April 2021

ضوابط مراعاة الفقيه المتاهل للحكم السائد في البلد

 تقدم معنا في مقال: [فقه الخلاف في مسائل الاجتهاد لا يقوم على إلغاء الخلاف, ومنع المفتين من الإفتاء بغير مشهور المذهب] أن المذهب السائد في البلد لا يراعيه المفتي الذي هو أهل للنظر في الأدلة إذا غلب على ظنه أنه خلاف الصواب, فقد جاء صحيح البخاري (2/ 142) عن مروان بن الحكم، قال: شهدت عثمان، وعليا رضي الله عنهما وعثمان «ينهى عن المتعة، وأن يجمع بينهما»، فلما «رأى علي أهل بهما، لبيك بعمرة وحجة»، قال: «ما كنت لأدع سنة النبي صلى الله عليه وسلم لقول أحد» قال ابن حجر تعليقا عليه في فتح الباري شرح صحيح البخاري (165/ 25): (وفيه أن المجتهد لا يلزم مجتهدا آخر بتقليده لعدم إنكار عثمان على علي ذلك مع كون عثمان الإمام إذ ذاك)

وقال النووي في روضة الطالبين وعمدة المفتين (11/ 117) في حق العامي: (والذي يقتضيه الدليل أنه لا يلزمه التمذهب بمذهب، بل يستفتي من شاء، أو من اتفق، لكن من غير تلقط للرخص).
 
ولا يعني ذلك أن المذهب السائد لا يراعى من المفتي والمجتهد مطلقا, وإنما يراعيه في أحوال:
 
الحال الأولى: إذا توقف حكم المسألة أو عُلق على عرف البلد, فهنا يجب على المفتي أن يراعي الأعراف والعوائد التي تعلقت بها الأحكام, قال القرافي في الفروق (1/ 176): (الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها كيفما دارت وتبطل معها إذا بطلت) .
 
وهذا المعنى هو الذي أشار إليه عمر بن عبد العزيز , فقد أخرج الدارمي في سننه عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن حميد، قال: قلت لعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: لو جمعت الناس على شيء؟ فقال: «ما يسرني أنهم لم يختلفوا» قال: ثم كتب إلى الآفاق وإلى الأمصار: ليقض كل قوم، بما اجتمع عليه فقهاؤهم "
 
قال القرافي في الفروق (1/ 176): (فمهما تجدد في العرف اعتبره ومهما سقط أسقطه ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تجره على عرف بلدك واسأله عن عرف بلده واجره عليه وأفته به دون عرف بلدك والمقرر في كتبك فهذا هو الحق الواضح)
 
الحال الثانية: ما تعلق بالخصومات والقضاء ونحوهما مما لا يصح فيه نقض حكم الحاكم, فهنا يراعى فيها السائد في البلد الذي عليه المؤسسة الرسمية التابعة للدولة ما لم تخالف نصا صريحا أو إجماعا, أو خرجت عن مقتضى المقاصد والكليات للشريعة, أو بنت حكمها على سبب غير صحيح؛ لأن حكمها داخل تحت مسألة "حكم الحاكم يرفع الخلاف" وبذلك ينسجم الوضع العام وتتحقق المصلحة الكلية العامة.
 
وأما في غير ذلك فلا تكون فتوى المؤسسة الرسمية التي تفتي بناء على مذهب معين ملزمة؛ لأن الله أمر بالرجوع إلى الراسخين في العلم من غير تخصيص ولا تقييد ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم ﴾ [النساء: 83]
 
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (35/ 378): ( وقد فرض الله على ولاة أمر المسلمين إتباع الشرع الذى هو الكتاب والسنة وإذا تنازع بعض المسلمين فى شيء من مسائل الدين ولو كان المنازع من آحاد طلبة العلم لم يكن لولاة الأمور أن يلزموه بإتباع حكم حاكم)
الحال الثالثة: ألا يغلب على ظن المفتي أن ما في المذهب خلاف الصواب فهنا له أن يفتي بما في المذهب إذا كان أحوط؛ إعمالا لقاعدة: الخروج من الخلاف, مالم يؤد إلى الضيق والحرج الشديد.
 
الحال الرابعة: إذا غلب على ظن المفتي في مسألة أن حكمها الاستحباب أو الكراهة وكان القول في المذهب الوجوب أو التحريم فله أن يترك قوله – مؤقتا- إلى قول المذهب إذا خشي مفسدة أكبر, فهو وإن خالف مقتضى دليل جزئي إلا أنه وافق مقتضى دليل كلي, وهو: الاجتماع والائتلاف, ففي سنن أبي داود سنن أبي داود (2/ 199): أن عبد الله بن مسعود صلى أربعا، قال: فقيل له: عبت على عثمان ثم صليت أربعا، قال: «الخلاف شر». .
 
الحال الخامسة: المفتي المقلد الذي لا يكون أهلا للنظر في الأدلة فله أن يفتي بالمذهب السائد ويكون ناقلا للفتوى.
 
الحال السادسة: ألا يترجح للمفتي حكم بعد النظر في الأدلة فله أن يفتي بما في المذهب, وله أن يتوقف.
 
فهذه الأحوال استثناء من الأصل.
 
مع التنبيه إلى أنه لا يجوز الخروج عن المذهب السائد إلى قول شاذ؛ لأن القول الشاذ خطأ قطعا, وإنما جوزنا الخروج عن المذهب السائد إلى قول لا يكون شاذا؛ لأن الحق ليس محصورا في المذهب السائد, ومن منع الخروج يلزمه أن يحصر الحق في المذهب السائد, وهو باطل قطعا وإجماعا.
 
واحتجاج من احتج بضبط المذهب وانضباطه على منع الخروج عليه, فهذه ليست بحجة في المنع؛ إذ لو كان من شرط الأخذ بقول إمام أن يضبط فقهه لما أخذت أقوال الصحابة لعدم ضبط أولها وآخرها, ولعدم الاتفاق على تحرير أصول كل صحابي تفصيلا, وهذا الأمر موجود أيضا في الأئمة الأربعة, ولذا اختلف أتباعهم في تحرير أصولهم التفصيلية, وكذا في التشهير والترجيح داخل المذهب.
 
والله أعلم
 
كتبه: أحمد محمد الصادق النجار
 

مناقشة فضيلة الشيخ صالح الفوزان حفظه الله في قوله بالإلزام باجتهاد المفتي المجتهد ذي المنصب العلمي

 يقول الشيخ صالح حفظه الله في جريدة المسلمون: ("إنَّ اجتهاد العالِم إذا كان ذا منصبٍ عِلمي، فإنَّه يرفع الخلاف، ويَلزم مَن يَتبع منصبَه الأخذُ به، وسماحة الشيخ ابن باز، هو المفتي العامُّ في هذه البلاد، ففتواه مُلزِمة".

وليس هذا القول مما تفرد به الشيخ, بل هناك من يقول به من أهل العلم فيرون إلزام المفتين بما تصدره المؤسسات الرسمية.
 
وما ذكره فضيلة الشيخ إن أراد به تعميم مسائل الاجتهاد فهذا لا ينسجم مع إطلاقات النصوص؛ فإن النصوص الشرعية التي أوجبت طاعة ولاة الأمور ومنهم العلماء لم تقيد الطاعة بعلماء له مناصب رسمية كالمفتي, وإنما أطلقت العلماء؛ ليدخل في العالم كل من تحقق فيه الوصف الشرعي. 
 
ثم إن القاعدة الأصولية العامة هي عدم إلزام عالم مجتهد بقول عالم مجتهد؛ إذ ليس من طرق الوصول إلى الحكم بالنسبة للعالم: العالم, وإنما طريق ذلك الأدلة, والعالم ليس دليلا بالنسبة إلى عالم آخر, قال أبو المظفر السمعاني في قواطع الأدلة في الأصول (2/ 362): (اعلم أنه قد ذكر بعض الأصوليين في فصل المفتى والمستفتى كلمات أحببت أن أذكرها هاهنا ويوجد في أثنائها فوائد لم تدخل فيما قد ثناه ذكر فصلا في كيفية فتوى المفتى وقال: لا يجوز للمفتى أن يفتى بأحكام عن غيره بل إنما يفتى باجتهاده لأنه إنما سئل عنه ولم يسأل عن قول غيره وإن سئل أن يحكى قول غيره جازت حكايته...)
 
وأما النظر إلى الإلزام من جهة كون المفتي ولي أمر يرفع حكمه الخلاف, فهذا أيضا مقيد بالمسائل التي لا يصح نقض حكم الحاكم فيها, ولا تشمل كل حكم صدر من ولي الأمر -حاكما كان أو عالما-, قال الزركشي في المنثور في القواعد الفقهية (2/ 69): (...الثاني :قالوا حكم الحاكم في المسائل المختلف فيها يرفع الخلاف، وهذا مقيد بما لا ينقض فيه حكم الحاكم، أما ما ينقض فيه فلا.
 
الثالث: مدار نقض الحكم على تبين الخطأ، والخطأ إما في اجتهاد الحاكم في الحكم الشرعي حيث تبين النص أو الإجماع أو القياس الجلي بخلافه ويكون الحكم مرتبا على سبب صحيح، وإما في السبب، حيث يكون الحكم مرتبا على سبب باطل، كشهادة الزور , وفي القسمين تبين أن الحكم لم ينفذ في الباطن) 
 
وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (3/ 240): (وأما إلزام السلطان في مسائل النزاع بالتزام قول بلا حجة من الكتاب والسنة: فهذا لا يجوز باتفاق المسلمين ولا يفيد حكم حاكم بصحة قول دون قول في مثل ذلك، إلا إذا كان معه حجة يجب الرجوع إليها فيكون كلامه قبل الولاية وبعدها سواء وهذا بمنزلة الكتب التي يصنفها في العلم).
 
وقال مجموع الفتاوى (35/ 372): (وليس المراد بالشرع اللازم لجميع الخلق " حكم الحاكم " ولو كان الحاكم أفضل أهل زمانه؛ بل حكم الحاكم العالم العادل يلزم قوما معينين تحاكموا إليه في قضية معينة؛ لا يلزم جميع الخلق ولا يجب على عالم من علماء المسلمين أن يقلد حاكما لا في قليل ولا في كثير إذا كان قد عرف ما أمر الله به ورسوله؛ بل لا يجب على آحاد العامة تقليد الحاكم في شيء؛ بل له أن يستفتي من يجوز له استفتاؤه وإن لم يكن حاكما )
 
كتبه: أحمد محمد الصادق النجار

العلماء الذين يرون الإفتاء بمشهور المذهب كالمازري والشاطبي؛ لقلة الورع وكثرة التجاسر على الفتوى

هؤلاء العلماء خرجوا عن الأصل لمقتضى المصلحة الضرورية إلا أن الشارع لم يغفل هذه المصلحة وإنما سد الطرق المفضية إلى نقضها بالترهيب من الإفتاء بغير علم, والافتراء على الله, والتحذير من تتبع الرخص, فرأى السلف وكثير من الأئمة أن هذا يغني عن قطع باب الاجتهاد وعن المنع من الإفتاء بما يغلب على الظن صوابه وإن خالف المذهب.
 
فالشرع لما أمر المفتي أن يتبع الكتاب والسنة والإفتاء بهما سد كل طريق يفضي إلى غير مراد الله بالترهيب والتحذير والوعيد؛ مما أغنى عن تقييد الدليل وتخصيصه.
 
كيف وأن التقييد بالمذهب أو المشهور منه جر إلى اعتقاد صواب ما في المذهب دون غيره, وإلى فساد قول الخارج عنه, وأن المفتى بخلاف المذهب يستحق العقوبة, وجر أيضا إلى إماتة روح الاجتهاد عند بعضهم, وإلى اعتبار أن الأدلة المخالفة لمشهور المذهب إنما تقرأ تبركا؟!!
ثم إذا جوزوا الاستدلال بالضعيف والشاذ للمصلحة والضرورة وراعوا الخلاف مع أنه خلاف الصواب في نظره فتجويز إفتاء المفتي بما غلب على ظنه صوابه أولى وأوجب.
 
وأخيرا: لو أننا عددنا الخلاف في الإلزام بالمذهب وعدمه من الخلاف الاجتهادي فلا يسوغ للملزمين بالمذهب أن ينزلوا هذه المسألة منزلة القطعيات فيمنعوا الناس من الإفتاء بغير المذهب ويرتبوا عليها الولاء والبراء؛ إذ ليس من فقه الخلاف إنزال المسائل الاجتهادية منزلة المسائل القطعية!!
 
من مقالي: [فقه الخلاف في مسائل الاجتهاد لا يقوم على إلغاء الخلاف, ومنع المفتين من الإفتاء بغير مشهور المذهب]
 

فقه الخلاف في مسائل الاجتهاد لا يقوم على إلغاء الخلاف, ومنع المفتين من الإفتاء بغير مشهور المذهب

 إن النظر في هذه المسألة يعتمد على النظر إلى ما كان عليه الرعيل الأول من الصحابة والتابعين, تحقيقا لمقولة الإمام مالك رحمه الله: (ما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا)

وقد اتفق الصحابة على إقرار بعضهم بعضا في مسائل الاجتهاد, وتسويغ الخلاف بينهم مع بقاء الألفة, كما اتفقوا على عدم إلزام الناس برأي أبي بكر دون غيره, وهو خليفة المسلمين, ولا رأوا أن في الإفتاء بخلاف ما أفتى به أبو بكر رضي الله عنه تفرقة للأمة ولا خروجا على حكم إمامها في الفقه, ولا تشويشا عليه, خصوصا مع وجود من أسلم حديثا, ومن يتربص بالمسلمين الدوائر ويحاول التشكيك في دينهم وفقههم, ومع وجود من ارتد وحارب الإسلام وأهله. 
 
فقد جاء صحيح البخاري (2/ 142) عن مروان بن الحكم، قال: شهدت عثمان، وعليا رضي الله عنهما وعثمان «ينهى عن المتعة، وأن يجمع بينهما»، فلما «رأى علي أهل بهما، لبيك بعمرة وحجة»، قال: «ما كنت لأدع سنة النبي صلى الله عليه وسلم لقول أحد» قال ابن حجر تعليقا عليه في فتح الباري شرح صحيح البخاري (165/ 25): (وفيه أن المجتهد لا يلزم مجتهدا آخر بتقليده لعدم إنكار عثمان على علي ذلك مع كون عثمان الإمام إذ ذاك)
 
قال سفيان الثوري أيضا: ( ما اختلف فيه الفقهاء فلا أنهى أحداً من إخواني أن يأخذ به).
 
أما مسألة مراعاة المذهب السائد في البلد فالواجب على المفتي أن يفتي بما يغلب على ظنه أنه مراد الله, وهو في هذا قد يوافق رأي المذهب السائد, وقد يخالفه إلا أنه إن أفتى بما يراه مخالفا للصواب فقد غش, قال ابن القيم في إعلام الموقعين عن رب العالمين (6/ 74): (ليحذر المفتي الذي يخاف مقامه بين يدي اللَّه سبحانه أن يفتي السائل بمذهبه الذي يقلده وهو يعلم أن مذهب غيره في تلك المسألة أرجح من مذهبه وأصح دليلًا فتحمله الرياسة على أن يقتحم الفتوى بما يغلب على ظنه أن الصواب في خلافه فيكون خائنًا للَّه ورسوله وللسائل وغاشًا له، واللَّه لا يهدي كيد الخائنين، وحرَّم الجنة على من لقيه وهو غاش للإسلام وأهله، والدين النصيحة، والغش مضادٌّ للدين كمضادة الكذب للصدق والباطل للحق، وكثيرًا ما ترد المسألة نعتقد [فيها خلاف المذهب، فلا يسعنا أن نفتي بخلاف ما نعتقده)
 
والمفتي قد يسأله السائل عن رأي المذهب وقد يسأله عن اجتهاده, فإذا سأله عن المذهب فله أن يخبره بما في المذهب, وأما إذا سأله عن اجتهاده فليس له أن يخبره إلا بما يراه صوابا, ففي إعلام الموقعين عن رب العالمين (6/ 167): (وقد قال القفال: لو أدى اجتهادي إلى مذهب أبي حنيفة قلت: مذهب الشافعي كذا لكني أقول بمذهب أبي حنيفة؛ لأن السائل إنما يسألني عن مذهب الشافعي، فلا بد أن أعرِّفه أنَّ الذي أفتيتُه به غير مذهبه، فسألت شَيَخنا -قدَّس اللَّه روحه- عن ذلك فقال: أكثر المُستفتين لا يخطر بقلبه مذهب معين عند الواقعة التي يسأل عنها، وإنما سؤاله عن حكمها، وما يعمل به فيها، فلا يسع المفتي أن يفتيه بما يعتقد الصواب في خلافه).
 
ويزداد الأمر تغليظا إذا كان ما عليه المذهب مما يخالف الصواب عنده يوقع الناس في الضيق والحرج, فيخرج بالإفتاء به عن دلالة الدليل الجزئي في المسألة ويخرج أيضا عن دلالة الأدلة الكلية على رفع الحرج والضيق.
 
نعم, إذا لم يغلب على ظن المفتي شيء فله أن يفتي الناس بمشهور المذهب بما لا يوقع في نقض أصل كلي ومقصد شرعي, والأولى له أن يتوقف.
 
ويجب أن نفرق بين المذهب السائد في البلد وما جرى عليه عرف البلد, فليس كل ما جرى عليه عرف البلد يكون موافقا لما في المذهب السائد.
 
هذا ما درج عليه الصحابة والتابعون والأئمة الأربعة وغيرهم إلا أن بعض إخواننا يستمسك بكلام المازري والشاطبي, وهو ما نقله الشاطبي في الموافقات (5/ 101) من قول المازري: (ولست ممن يحمل الناس على غير المعروف المشهور من مذهب مالك وأصحابه؛ لأن الورع قل، بل كاد يعدم، والتحفظ على الديانات كذلك، وكثرت الشهوات، وكثر من يدعي العلم ويتجاسر على الفتوى فيه، فلو فتح لهم باب في مخالفة المذهب؛ لاتسع الخرق على الراقع، وهتكوا حجاب هيبة المذهب، وهذا من المفسدات التي لا خفاء بها، ولكن إذا لم يقدر على أخذ الثمن إلا أن يأخذ طعاما؛ فليأخذه منهم من يبيعه على ملك منفذه4 إلى الحاضرة، ويقبض البائع الثمن، ويفعل ذلك بإشهاد من غير تحيل على إظهار ما يجوز).
 
فعلق عليه الشاطبي بقوله: (فانظر كيف لم يستجز -وهو المتفق على إمامته- الفتوى بغير مشهور المذهب، ولا بغير ما يعرف منه بناء على قاعدة مصلحية ضرورية؛ إذ قل الورع والديانة من كثير ممن ينتصب لبث العلم والفتوى كما تقدم تمثيله؟ فلو فتح لهم هذا الباب لانحلت عرى المذهب، بل جميع المذاهب؛ لأن ما وجب للشيء وجب لمثله، وظهر أن تلك الضرورة التي ادعيت في السؤال ليست بضرورة).
 
فهؤلاء العلماء خرجوا عن الأصل لمقتضى المصلحة الضرورية إلا أن الشارع لم يغفل هذه المصلحة وإنما سد الطرق المفضية إلى نقضها بالترهيب من الإفتاء بغير علم, والافتراء على الله, والتحذير من تتبع الرخص, فرأى السلف وكثير من الأئمة أن هذا يغني عن قطع باب الاجتهاد وعن المنع من الإفتاء بما يغلب على الظن صوابه وإن خالف المذهب.
فالشرع لما أمر المفتي أن يتبع الكتاب والسنة والإفتاء بهما سد كل طريق يفضي إلى غير مراد الله بالترهيب والتحذير والوعيد؛ مما أغنى عن تقييد الدليل وتخصيصه.
 
كيف وأن التقييد بالمذهب أو المشهور منه جر إلى اعتقاد صواب ما في المذهب دون غيره, وإلى فساد قول الخارج عنه, وأن المفتى بخلاف المذهب يستحق العقوبة, وجر أيضا إلى إماتة روح الاجتهاد عند بعضهم, وإلى اعتبار أن الأدلة المخالفة لمشهور المذهب إنما تقرأ تبركا؟!!
 
ثم إذا جوزوا الاستدلال بالضعيف والشاذ للمصلحة والضرورة وراعوا الخلاف مع أنه خلاف الصواب في نظره فتجويز إفتاء المفتي بما غلب على ظنه صوابه أولى وأوجب.
 
وأخيرا: لو أننا عددنا الخلاف في الإلزام بالمذهب وعدمه من الخلاف الاجتهادي فلا يسوغ للملزمين بالمذهب أن ينزلوا هذه المسألة منزلة القطعيات فيمنعوا الناس من الإفتاء بغير المذهب ويرتبوا عليها الولاء والبراء؛ إذ ليس من فقه الخلاف إنزال المسائل الاجتهادية منزلة المسائل القطعية!!
 
كتبه: أحمد محمد الصادق النجار
 

نظرية قصر الاجتهاد في زماننا على الاجتهاد المقيد بمذهب وبيان حالها مقاصديا

 إن وجود مجتهد مقيد بمذهب لا يتعداه- والمراد به المتمكن من تخريج الوجوه على نصوص إمامه-, فضلا عن مجتهد الفتيا – وهو المتمكن من ترجيح قول على آخر في مذهب إمامه-: لا يتحقق به فرض الكفاية في إحياء أصول الاستدلال, وبيان أحكام المستجدات التي تنزل بالناس, وإعمال القواعد والأصول التي لا تختص بإمامه, ولذا جاء في الإبهاج في شرح المنهاج (3/ 256) للسبكي أنه قال: (قال ابن الصلاح والذي رأيته من كلام الأئمة يشعر بأنه لا يتأدى فرض الكفاية بالمجتهد المقيد, قال: والذي يظهر أنه يتأدى به فرض الكفاية في الفتوى وإن لم يتأد به فرض الكفاية في إحياء العلوم التي منها الاستمداد في الفتوى)

ولا يتحقق به تحقيق مقصد عموم الرسالة؛ إذ يتوقف على وجود مجتهدين غير مقيدين بالمذهب لاستنباط أحكام ما يحتاج الناس إليه في كل زمان, فالمسائل المستجدة تتوقف على الاجتهاد الذي يتوقف على الخروج على أصول المذهب الخاصة به, وهو من باب توقف المسبَّب على السبب, فإذا انتفى السبب انتفى المسبب, ويترتب على انتفائه خروج الناس عن مقصد تحقيق العبودية لله سبحانه, ويكونون متبعين لأهوائهم.
 
وحيث إن وجود مجتهد مقيد بالمذهب لا يتحقق به فرض الكفاية فإنه يؤدي إلى تأثيم الأمة؛ لتفريطها في إعداد مجتهد غير مقيد بالمذهب, وكذلك يوقع الأمة في الحرج؛ لعدم وجود من يعتمد على الأصول العامة التي لا تختص بمذهب في بيان أحكام أفعالهم وما يستجد في واقعهم, كما يُنتج مفاسد عظيمة كتقحم هذا الباب من ليس أهلا, فترى من لم يتقن علوم الآلة ولا يعرف من أصول الفقه إلا ساحله, ولا من المقاصد إلا رسمه ثم يقحم نفسه في مسائل واستنباطات وضوابط لا يصل المتمكن إلى حكمها والنظر في كلياتها التي ترجع إليها إلا بعد جهد وإنعام نظر واستغراق بحث.
 
وهذا يبين لنا مدة خطورة نظرية نفي وجود مجتهد غير مقيد بمذهب, وأن غاية ما يصل إليه من ترقى في العلم أن يكون مجتهدا مقيدا بمذهب, ويبين لنا أيضا خطورة ما يضعه هؤلاء من شروط عسرة في تحقق وجود مجتهد غير مستقل ولا مقيد بمذهب كأن يكون بلغ الغاية في العلوم التي يحتاج إليها في الاستدلال والاستنباط, فيشترطون أن يكون كمالك والشافعي, ولو تفطن هؤلاء لعلموا أن مالكا والشافعي وغيرهما من الأئمة لم يسلموا من تقليد في بعض مقدمات الاستدلال أو في بعض الأحكام, كما سيأتي.
 
بينما الأمر -مقاصديا وأصوليا- يستدعي اشتراط أصل العلوم وكمالها الواجب بما يتمكن به المجتهد من الاستنباط والاستدلال ونفي دلالة المعارض؛ ليتحقق به فرض الكفاية, ويتناسب مع ما يحتاج إليه المسلمون في مستجداتهم التي تتوقف على الاستنباط من الأدلة وإعمال القواعد والأصول.
 
ولا يلزم المجتهد أن يكون مجتهدا في كل علم يتعلق به الاجتهاد؛ وإلا لم يكن هناك مجتهد إلا في زمن الصحابة, قال الشاطبي في الموافقات (5/ 46): (...ونحن نمثل بالأئمة الأربعة؛ فالشافعي عندهم مقلد في الحديث لم يبلغ درجة الاجتهاد في انتقاده ومعرفته، وأبو حنيفة كذلك، وإنما عدوا من أهله مالكا وحده، وتراه في الأحكام يحيل على غيره كأهل التجارب والطب والحيض وغير ذلك ويبني الحكم على ذلك والحكم4 لا يستقل دون ذلك الاجتهاد).
 
فقد يقلد الفقيه مجتهدي علم الحديث ومع ذلك يوصف بالاجتهاد, فالأئمة بعد الصحابة كأبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم لم يكونوا مجتهدين في جميع أحكامهم ولا كان ذلك شرطا في وصفهم بالاجتهاد وإنما كانوا يقلدون في بعض الأحكام والمقدمات الاستدلالية, قال ابن القيم في إعلام الموقعين عن رب العالمين (6/ 125): (...العالم بكتاب اللَّه وسنة رسوله وأقوال الصحابة، فهو المجتهد في أحكام النوازل، يقصد فيها موافقة الأدلة الشرعية حيث كانت، ولا ينافي اجتهاده تقليدُهُ لغيره أحيانًا، فلا تجد أحدًا من الأئمة إلا وهو مقلد من هو أعلم منه في بعض الأحكام، وقد قال الشافعي [رحمه اللَّه ورضي عنه في موضع من الحج: "قلته تقليدًا لعطاء")
فلابد من الالتفات إل العلل والمقاصد الكبرى في هذا الباب وإعمال باب الاستصلاح والاستحسان؛ للمحافظة على المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية.
 
ولا ريب أن الأحكام والشروط يراعى فيها الزمان والحال, فليس ما كان مراعى في زمن الاجتهاد المستقل كان هو المراعى في زمن الاجتهاد غير المستقل, فكانت الشروط مناسبة للزمان؛ حفاظا على وجود رتبة الاجتهاد, وهذا الذي يجب أن نسير عليه في عصرنا خصوصا مع ظهور العلمانية والقوانين الوضعية التي أبهرت بزيفها ودعاويها ومن يزخرف لها بعض الناس في استيعابها لما يحتاجه الناس في الحياة, وصورت أصحاب المذاهب أنهم يعيشون حقبة زمنية قديمة تناسب ذلك الزمن.
 
وإذا نظرنا للشروط التي وضعها العلماء للاجتهاد نجد أنهم وضعوها بعد خروج الناس عن سليقتهم لضبط الاجتهاد, فمنهم من تشدد ومنهم من توسع, وهذا يدل على أن الاجتهاد في وضع شروط الاجتهاد يراعى فيه الزمان وما يتحقق به مقصود الشارع.
 
ثم ما نراه اليوم من إقبال أهل العلم على الاجتهاد الجماعي في النوازل والمستجدات وإيجاد حلول ومخارج شرعية عجز المجتهد المقيد بالمذهب أن يأتي بها: يقوي ما ندعو إليه من الاجتهاد الفردي القائم على أصول علمية صحيحة من غير تقيدٍ بمذهب معين.
 
ومما ينبغي أن يعلم: أن الاجتهاد في مسائل العلم يختلف بحسب ما تتعلق بالمسألة من علوم, فلو كانت المسألة تتعلق باللغة فقط كان لابد في المجتهد في هذه المسألة أن يكون له علم باللغة دون غيرها كالاجتهاد في معنى القرء, وإذا تعلقت بالحديث كان لابد له من علم بالحديث دون غيره من العلوم, وهو ما يعرف بتجزؤ الاجتهاد.
 
وقد يكون مجتهدا في باب ومقلدا في باب آخر فيجمع بين الوصفين.
 
وختاما لمسألة قصر الاجتهاد في زماننا على الاجتهاد المقيد في المذهب أقول: هو في نظري خطأ يهدم كليات شرعية, ومتى انبنى الخطأ على مخالفة أمر كلي وقواعد الشريعة فإنه يعد زلة؛ إذ هو أخذ بجزئي في هدم كليات الشريعة.
 
كتبه: أحمد محمد الصادق النجار
 

ألفاظ الشرع تحمل على المعنى الشرعي فإن لم يكن فالعرفي زمن الخطاب فإن لم يكن فاللغوي

لما كان من شرط الاستدلال بالنصوص الشرعية: فهم معاني الألفاظ, والألفاظ لها معان من جهة الشرع والعرف واللغة كان لزاما معرفة كيفية التصرف فيها إن كان لها معنى في الشرع ومعنى في العرف ومعنى في اللغة.
 
بمعنى: أن الألفاظ التي ترتبت عليها أحكام شرعية وغلب عليها استعمال الشرع أو العرف, فعلى أي شيء تحمل عند عدم القرينة؟
 
ومناطها: مراعاة الأسبق إلى الذهن والمتبادر إلى الفهم بالنظر إلى كثرة الاستعمال وغلبته.
 
ومحل البحث: ما الأسبق إلى الذهن والمتبادر إلى الفهم؟
 
وتقرير ذلك: أن هذه الألفاظ لها حالان:
 
الحال الأولى: أن تقترن بها قرائن توضح معناها, فتحمل بالنظر إلى القرينة على المعنى الشرعي أو العرفي أو اللغوي, وهذا واضح؛ إذ اقترن باللفظ ما يدل على مراد المتكلم, فيكون الأسبق إلى الذهن والمتبادر إلى الفهم ما دلت عليه القرينة.
 
الحال الثانية: أن يأتي اللفظ مطلقا بدون قرائن, فهنا يحمل مباشرة على المعنى الشرعي؛ لأنه الأسبق إلى الذهن من جهة أن المتكلم به الشارع وله عرف خاص في ألفاظه, وهو إنما يبين أحكامه لا أحكام اللغة, وجاء ليبين الشرعيات لا اللغويات, وقد أرادها إرادة شرعية, فهذه الإرادة تقضي على الاحتمال الوارد على اللفظ بين حملة على الحقيقة اللغوية أو الشرعية وترجح الأسبقية إلى الذهن.
 
فإن لم يكن حُمل على المعنى العرفي زمن الخطاب؛ لأن التكلم بالمعتاد عرفا أغلب من المراد عند أهل اللغة فيسبق إلى الذهن, فيكون هو المراد.
 
فالألفاظ وإن كانت عامة من جهة الوضع اللغوي إلا أن عرف الاستعمال زمن الخطاب يكون مخصصا؛ لأن الناس لا يفهمون منها إلا ما جري عليه عرفهم.
 
قال الشيخ الشنقيطي في مذكرة في أصول الفقه (ص: 210): (واعلم أن التحقيق حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية ثم العرفية ثم اللغوية ثم المجاز عند القائل به ان دلت عليه قرينة).
 
ومثال ذلك: لفظ الصورة, فلا يدخل فيها الصورة الفوتغرافية, على تفصيل بينته في مقال مستقل.
 
هذا ما درج عليه كثير من الأصوليين, ولا يتعارض مع ما ذكره جماعة من الفقهاء لما قالوا: ما ليس له حد في الشرع، ولا في اللغة، يرجع فيه إلى العرف.
 
إذ مقصود الأصوليين: بيان معنى اللفظ, بالنظر إلى العرف زمن الخطاب, فلا يتبادر إلى الذهن سواه, ومقصود الفقهاء: ضوابط اللفظ وحده لا معناه, وذلك بالنظر إلى العرف الطارئ, كالفرق بين معنى لفظ: "الدابة" وضابط "السفر" الذي يترخص فيه بقصر الصلاة.
 
لكن يجب التنبه إلى أمر مهم عند تقرير هذه المسألة, وهي: أن اختصاص اللفظ بمعنى أضيق من إطلاق اللفظ لغة لا يلزم منه عدم إعمال العموم بالنظر إلى عموم العلة, فمع كون اللفظ خاصا إلا أن عموم العلة تعممه, فيكون التعميم من جهة العلة لا من جهة اللفظ.
 
ومثاله: لفظ الجورب, فلو قلنا بتخصيص العرف لمسماه, إلا أن عموم العلة تقتضي تعميمه, على تفصيل ذكرته في مقال مستقل.
 
كتبه: د. أحمد محمد الصادق النجار
 

من هو الفقيه حقا الذي له النظر في الأدلة والترجيح؟

 لاشك أن باب النظر في الأدلة والترجيح باب تقحمه من ليس أهلا للنظر ولا يملك الملكة الاستنباطية الترجيحية؛ إذ إن الاستنباط والترجيح مبني على مقدمات استدلالية تحتاج في تصورها وتحقيق مناطاتها إلى دربة وملكة.

 فالشريعة أوامر ونواهي وتخيير والاجتهاد فيها بتهذيب المناط وتخريجه؛ حتى يصل إلى المناط الذي علق الشارع عليه الأحكام , وأما أفعال العباد فالاجتهاد فيها يكون بتحقيق مناطات النصوص (المناط العام الذي هو لمكلف ما بعيدا عن المتعلقات الخارجية, والمناط الخاص, وهل الاقتضاء أصلي أو تبعي؟).
 
ولذا كان الفقيه حقا من اعتنى بتخريج المناط وتهذيبه وتحقيقه, لا التكثر من جمع الأدلة مجردا, ولا التكثر أيضا من أقوال الفقهاء وتحرير مذاهبهم بما لا يحقق أنواع الاجتهاد( تخريج المناط-تهذيب المناط-تحقيق المناط) على ما درج عليه أهل التخصص.
ومعرفة هذه الأمور الثلاثة ( تخريج المناط-تهذيب المناط-تحقيق المناط) مبني على معرفة العلل التي تفضي إلى معرفة مقاصد الشريعة, فمن لم يعرف طرق استخراج الحِكَم والأوصاف ومظنة الحِكَم لم يكن أهلا للاستنباط والترجيح, ولا يكون محل اقتداء.
 
وكما أننا نعيب التعصب إلى المذاهب وقصر الاجتهاد في الاجتهاد المقيد بمذهب_( مجتهد التخريج) نعيب أيضا الانفلات الذي وصل إليه بعض من ينادي بفقه الدليل والترجيح وإطلاق باب الاجتهاد؛ حتى تسور الباب من لا عناية له بأصول الفقه الذي هو آلة الترجيح والاستنباط ولا اهتمام له بالنظر المقصدي الكلي الذي تنسجم معه أحكام الشريعة ويتوافق مع روحها والحكمة من تشريعها.
 
واعتناء الفقيه بتخريج المناط (الحكمة-الوصف-المظنة) طريق لمعرفة علل الشريعة وحِكمها الذي يستطيع بذلك تعدية الحُكم, ويتحقق به عموم الشريعة ويظهر سماحتها ورحمتها, وهو الطريق لمعرفة أحكام النوازل, فكما صح القياس على الجزئيات صح -من باب أولى- القياس على الكليات وبناء الأحكام عليها, وهذا يُمَكِّن المجتهد من توسيع اجتهاده واستيعابه لكل ما يحتاج إليه الناس من أحكام وما يحقق مصالحهم الدنيوية والأخروية.
 
وهذا يتنافى مع الجمود على منطوق النص, ويتنافى أيضا مع الجمود على أحكام وفروع المذهب وكذا قواعده الخاصة به.
لكن الرزية حقا أن يغطي الجوانب المشرقة في النظر الاجتهادي الأصولي المقصدي أولئك الذين توسعوا فيه حتى هدموا النصوص الشرعية وألغوها, وكذا من لا يفقه باب الأصول والمقاصد ويحاول أن يجاري أهله المتمكنين فيه فيكون سببا لتشويههم.
 
والله المستعان