هؤلاء العلماء خرجوا عن الأصل لمقتضى المصلحة الضرورية إلا أن الشارع لم يغفل هذه المصلحة وإنما سد الطرق المفضية إلى نقضها بالترهيب من الإفتاء بغير علم, والافتراء على الله, والتحذير من تتبع الرخص, فرأى السلف وكثير من الأئمة أن هذا يغني عن قطع باب الاجتهاد وعن المنع من الإفتاء بما يغلب على الظن صوابه وإن خالف المذهب.
فالشرع لما أمر المفتي أن يتبع الكتاب والسنة والإفتاء بهما سد كل طريق يفضي إلى غير مراد الله بالترهيب والتحذير والوعيد؛ مما أغنى عن تقييد الدليل وتخصيصه.
كيف وأن التقييد بالمذهب أو المشهور منه جر إلى اعتقاد صواب ما في المذهب دون غيره, وإلى فساد قول الخارج عنه, وأن المفتى بخلاف المذهب يستحق العقوبة, وجر أيضا إلى إماتة روح الاجتهاد عند بعضهم, وإلى اعتبار أن الأدلة المخالفة لمشهور المذهب إنما تقرأ تبركا؟!!
ثم إذا جوزوا الاستدلال بالضعيف والشاذ للمصلحة والضرورة وراعوا الخلاف مع أنه خلاف الصواب في نظره فتجويز إفتاء المفتي بما غلب على ظنه صوابه أولى وأوجب.
وأخيرا: لو أننا عددنا الخلاف في الإلزام بالمذهب وعدمه من الخلاف الاجتهادي فلا يسوغ للملزمين بالمذهب أن ينزلوا هذه المسألة منزلة القطعيات فيمنعوا الناس من الإفتاء بغير المذهب ويرتبوا عليها الولاء والبراء؛ إذ ليس من فقه الخلاف إنزال المسائل الاجتهادية منزلة المسائل القطعية!!
من مقالي: [فقه الخلاف في مسائل الاجتهاد لا يقوم على إلغاء الخلاف, ومنع المفتين من الإفتاء بغير مشهور المذهب]
المصدر الأصلي : https://www.facebook.com/anaseeh/posts/1788691391278731
No comments:
Post a Comment