Friday, 2 July 2021

اصطلاح القوم

إن لكل علم مصطلحاته؛ فالفقه له مصطلحاته، وعلم الكلام كذلك، والنحو كذلك، وقس على ذلك العلوم التجريبية كالطب وغيرها، والحال كذلك ينطبق على التصوف.... الخ، هذا لا خلاف فيه.
.
فأي شيءٍ جعلتَ له اصطلاحاً.. فأنت بذا جعلته موضوعاً على مائدة البحث والنظر، مثله مثل أي علم آخر، لأنَّ هذا معنى الاصطلاح والعلم.
.
أما مجال الذوقيات والكشوف.. فلا اصطلاح فيها؛ لأنها من باب المشاهدات لا العلم المقنن المكتسب، إذ هي منح وهبات إلهية، ويعبِّر عنها كلُّ من وقعت له بحسب حاله، ولذا اختلفت المقامات والأحوال وتفاوتت، لكنها مع ذلك محكومة بأصلها الذي انطلقت منه، وهو العقل والتشريع ومربوطة به، فلا تكر على أصلها بالبطلان، وإلا سقط الأصل والفرع جميعا.
.
وإن جُعِلت لها اصطلاحات وبينت معانيها ودونت- كما حدث بالفعل- وكان لها جهةوحدة ذاتية وعرضية.. صارت علماً من العلوم، ويحق لكل من علم الاصطلاح أن يباحثك فيه أو من خلاله.
.
وكل أصحاب العلوم ذكروا مصطلحاتهم.. ولا مشاحة في الاصطلاح، ولا عيب أن يذكر كل فريق اصطلاحه، لا سيما وهو يزعم دائما أن اصطلاحه لا يعارض الشريعة.
.
فما دام الأمر كذلك.. فما الداعي حينئذٍ لكتمانه واظهار منكر القول الذي يدافع عنه بالاصطلاح المخفي مع التشبث بفوقية فهمه من البعض؟!
.
.
فهل لو أخبرنا باصطلاحه سيكون أبشع من هذا الكلام المنتقد ظاهرُه مثلاً؟
.
إن كان فهو مردود مثله.
.
وإن لم يكن كذلك.. فما الداعي لكتمانه؟!
.
وما المانع حين فهمه هو أن يفهمه غيره، ممن يفهمون كلام الله ورسوله ويشرحونه وهو أعلى من كلامه قطعاً؟!
مع أن القوم حين كتبوا مثلاً هذه الكتابات، يكتبون باللغة العربية ، وأي شخص يكتب بلغةٍ ما.. لا يُفهم كلامُه إلا من خلال مدلولات اللغة التي كَتَب بها بحسب ألفاظها الموضوعة فيها لمعانٍ معينة: إما حقائق صريحة متبادرة، أو مجازات أو كنايات أومشتركات تساق بقرائنها المعلومة المانعة والمعينة.
.
فلا يخرج الفهم عن ذلك بحال.. وإلا بطل التخاطب، ولم يتعامل الناس في عقودهم، ولم يعرف إيمان من كفر، لأن كل لفظ يصير حينئذ مطاطاً محتملا للشيء ونقيضه، كما هو عند الباطنية الملحدين، والحداثيين في القراءة المعاصرة والهيرمنوطيقا...
.
وليست كل كلمة تكتب في فن أو عند قوم هي اصطلاح خاص، بل المصطلحات الخاصة معدودة ومحدودة وقليلة في كتاباتهم، والباقي عبارات لغوية مأخوذة من ذات اللغة التي كتب بها بحسب العرف العام... وإلا كان الأمر خارجاً عن الطوق، وكان المكتوب لغةً أخرى مستقلةً تماماً ولسانًا آخر غير اللسان.
وفي الاصطلاح الخاص يراعي أيضاً ما اصطلح عليه، لكن الاصطلاح له ضوابط، أهمها:
أولاً: أن يكون المعنى المصطلح عليه صحيحاً في نفسه تحت قواعد دينه ومذهبه الذي ينتمي إليه.
ثانياً: ألا يكون المصطلح نفسه المستعمل والموضوع لتلك المعاني كارَّا على الشرع والعقيدة بالبطلان، وإلا منع، إذ ليس شيءٌ أحق بالرعاية منها لتُهدر هي من أجله.
.
فلا يأتي شخص مثلاً ويقول: أنا سوف أصطلح بسبِّ الدين وانتقاص الأنبياء على كذا وكذا من المعاني الحسنة، فإذا رأيتموني سببتهم لا تفهموا أني أريد السب صراحة ولا أني أريد ظاهر الكلام، بل أريد كذا وكذا من المعاني الحسنة!!
.
فإنه إن فعل ذلك لم نقبل منه، وحوكم بما نطق وأهدره من حرمة الشريعة، فليس الدين للتلاعب، وفي اللغة متسعٌ؛ بل وفي الألفاظ الغير المفهومة المستحدثة كذلك متسع.. فما الذي يلجئه لاصطلاح يناقض به الدين إن لم يكن قاصداً متمذهباً بما صدر منه؟َ.
.
.
لكن في الحقيقة ليس هناك اصطلاح ولا شيء وراء ما يفهم من العبارات المنكرة، بل الكلام ظاهر مفهوم المراد منه، مكتوب بالعربية، متسق ومبني بعضه على بعض ومكرر ومدلل عليه، وكل هذه تمحلات لمن أسقط في أيديهم الدفاع عن ذات الكلام المنكر، بدعوى الاصطلاح الخاص.
.
والمدافعون عن العبارات المنكرة أنفسهم لا يعرفون هذا الاصطلاح الخاص ولم يطلعوا عليه، فضلاً عن أن يقتنعوا به، في الوقت الذي يافعون فيه عن صاحبه دفاعاً شديداً متتذرعين بهذا الاصطلاح الموهوم، بمحض العصبية والتقليد الموروث لهذا التعظيم للشخصيات بدون علم.
..
ودعوى الاصطلاح الغير المعلوم والمخفي، يستطيع أن يتذرع بها أي زنديق ليبيح لنفسه إعلان منكره بظاهر الكلام متستراً بالرمزية الخاصة ليروِّج بضاعته، ويفسد على الناس دينهم.
.
فإن اصطلاحات كل طائفة مدونة ومعلومة وكتبت فيها الكتب التي يرجع إليها عند الحاجة لمن أراد فهم كلامهم والوقوف على مرادهم، لا سيما السادة الصوفية المتشرعين، فإنهم أيضاً كتبوا في اصطلاحهم استقلالا وتبعاً، كما في الرسالة والعوارف واللمع والتعرف وغيرها... فدعوى عدم معرفة الاصطلاح، أو عدم إمكانية معرفته، أو فوقيته على الفهم منقوضة.
.
.
ولعمري فإن التدرع بالرمزية والاصطلاح لدفع شناعة ظاهر الكلام.. لهي طريقة الباطنية الزنادقة قديماً، يستعملون شيئا من المعاني الباطل ظاهرها ويسمونها رموزاً، ويروجون لها، فإن مرت وسرت في الناس فبها، وإن اعترض عليهم قالوا: الظاهر غير مراد، ولهذه الكلمات معان باطنة لا يعلمها إلا من كان كذا وكذا وهي من قبيل الرمز، ومن أراد معرفتها فليسلم للإمام المعلم المعصوم الذي يتلقى وحده عن الله... وهكذا من هذا القبيل.
.
فمن ادعى أن الفقهاء والمتكلمين (علماء الشريعة) ليس لهم الحق في نقض كتابات بعض الصوفية؛ لأن لهم رموزاً واصطلاحات خاصة لا يعرفها علماء الشريعة...فأقول له:
إن خفاء المراد من كلمة أو عبارة شيء.. وكونها صريحة في مخالفة الشرع شيء آخر.
.
ففي الأول يستفسر عن المراد، ولا مشاحة في الاصطلاح متى صحت المعاني.
.
أما في الثاني؛ فيجب على علماء الشريعة الإنكار ومحاكمة من يخالف الشرع؛ إذ لنا الظاهر والله يتولى السرائر... ولعلماء الشريعة حكم على من دونهم لسلطان الشرع على كل أحد، لا العكس.
.
ولذا قال أحد أكابر صوفية عصره الشيخ أحمد زروق- وهو من هو فقهاً وتصوفاً وولاية- مؤكداً هذا المعنى في «قواعد التصوف» بما لا مزيد عليه، إذ يقول:
في القاعدة (56):
.
« نظر الصوفى أخص من الفقيه والأصولى و المفسر:
نظرُ الصوفي للمعاملات، أخص من نظر الفقيه، إذ الفقيه يعتبر ما يسقط به الحرج، والصوفي ينظر فيما يحصل به الكمال.
وأخص أيضاً من نظر الأصولي، لأن الأصولي يعتبر ما يصح به المعتقد، والصوفي ينظر فيما يتقوى به اليقين.
وأخص أيضاً من نظر المفسر وصاحب فقه الحديث، لأن كلاً منهما يعتبر الحكم والمعنى ليس إلا، وهو يزيد بطلب الإشارة بعد إثبات ما أثبتناه.
وإلا فهو باطني خارج عن الشريعة، فضلاً عن المتصوفة، والله سبحانه أعلم...».
.
ويقول كذلك في القاعدة (26): مصححاً إنكار الفقيه على الصوفي لا العكس،:
..
« حكم الفقه و التصوف و العلاقة بينهما:
.
حكم الفقه عامٌّ في العموم، لأنَّ مقصده إقامة رسمُ الدِّين ، ورفعُ مناره، وإظهارُ كلمته .
وحكم التصوف خاص في الخصوص، لأنه معاملة بين العبد وربّه، من غير زائد على ذلك.
فمِن ثَمّ: صح إنكارُ الفقيهِ على الصوفي، ولا يصحُّ إنكار الصوفي على الفقيه، ولزم الرجوع من التصوف للفقه في الأحكام والحقائق، لا بالنبذ والترك، وصح الاكتفاء به [أي بالفقه] دونه». اهـ
.
ويقول الشيخ العارف سيدي علي الخواص- رحمه الله:
«الفقيه يحكم على الصوفي والصوفي لا يحكم على الفقيه». اهـ
أليست هذه قواعد التصوف ممن هو أعرف به من هؤلاء؟!

No comments:

Post a Comment