Friday, 20 August 2021

مسألة فيمن أخطأ من العلماء في العقائد:

كتبه : علاء حسن إسماعيل

بسم الله

مسألة فيمن أخطأ من العلماء في العقائد:

قضية مهمة أردت أن أفردها بهذا المنشور لجلالتها وأهميتها، ولا أقصد بها الأخ الذي رددت عليه ، فقد علمت أنه حذف منشوراته جزاه الله خيرا، لكن هذه الأزمة تمخضت عن دخن عند بعض الإخوة، فقد وجدنا من يصفق لهذا الكلام، ووجدنا من يكفر، و من يبدع، و أحسنهم حالا يقول نحن نعذر ذاك الإمام لكن عقيدته فاسدة وبعضهم يقول بوقاحة: أنا أمتن عقيدة من النووي وابن حجر والقرطبي، ثم يستشكل كيف للشيخ ابن عثيمين والألباني والفوزان والبراك وغيرهم يوالون هؤلاء العلماء ويحبونهم ولا يبدعونهم، بل ويجعلون قولهم من جنس الاجتهاد الخاطيء. 

وقد قرأت مقالا لأحد الإخوة ردًا عليَّ، وعلى د. التلبنتي يقول فيه : العقيدة ليس فيها اجتهاد وليس لك أن تقول: فلان اجتهد فأخطأ! ، وصفق له متابعوه على هذا الغلط ، وستعلم بعد قليل أن ابن تيمية يجعل قوله هذا من أقوال المعتزلة التي دخلت على المتأخرين؛ فابن تيمية لايُفرِّق بين العقيدة والفقه من حيث الاجتهاد..

نعود ونقول حينما يستشكل الشاب سبب عدم تبديع النووي وابن حجر، يجد الشيخ الراسخ ينكر عليه، وقد يجيب الشيخ جوابا مجملا وليس مُفصلا؛ لأن الشيخ يعرف جواب ذلك بالدربة والسليقة وإن لم يُفصّله باللسان والبيان في نظام جوابٍ كامل ، فيظل السائل في حيرة ولم يجد جوابا شافيا، ويظن أن الشيوخ يداهنون على حساب الدين. 

وقد اجتهدتُ أن أجمع شتات هذا الفهم إلى تأصيل وتقسيمات مختصرة، لعموم البلوى بذاك الخلط الذي ضلت فيه أفهام، بل وكان نواة خرج منه أشباه الخوارج.
.
بداية نقول : الحكم يكون على مقامين: ١- مقام الإطلاق، ٢- مقام التعيين. 

فإذا قلنا أن هذا القول بدعة، لا يلزم أن يكون القائل مبتدعا، وهذا الأمر يعلمه الجميع ، لكن بعض الشباب يستشكل لماذا كان المعين لا يأخذ نفس الحكم بالضرورة ؟ وسنفهم معنى ذلك بهذه الاعتبارات :

=============

أولا: اعتبارية الزمان :

=============

وهي من أهم الاعتبارات التي تؤثر في الحكم على المعين، فدراسة أحوال هذا الزمان من حيث المسألة ذاتها ومدى ظهورها وخفاءها من الأمور المهمة. 

وسأبدأ بمثال عن الصحابة لجلالتهم في النفوس :

فسيدنا عبدالله بن مسعود حك المعوذتين من المصحف- مع أن إنكار شيء من القرآن كفر مجرد- لكن لما كان زمانه لم يستقر فيه الأمر بعد = لم يكن ما فعله كفرا في زمنه، وهذا هو العامل الزمني، وهو عامل يخفى على كثير ممن يستشكل هذه المسائل
ومن جملة العامل الزمني أيضا = تباعد الزمان عن نور النبوة والرسالة، فيوضح ابن تيمية أن كثيرا من المسائل كانت ظاهرة عند السلف - ولم تكن كذلك عند الخلف.

قال شيخ الإسلام : (ولكن لما طال الزمان خفيَّ علي كثيرٍ من الناس ما كان ظاهرا لهم، ودقَّ على كثيرٍ من الناس ما كان جليًا لهم، فكثر في المتأخرين مخالفة الكتاب والسنة مالم يكن كذلك في السلف = وإن كانوا مع ذلك مجتهدين معذورين يغفر الله لهم ويُثيبهم على اجتهادهم...، لأن السلف وجدوا من يعينهم على ذلك، أما هؤلاء المتأخرون فلم يجدوا من يعينهم)

ويقول : (إنَّ الأمكِنةَ والأزمِنةَ التي تَفتُرُ فيها النُّبوَّةُ لا يكونُ حُكمُ مَن خَفِيَت عليه آثارُ النبُوَّةِ حتى أنكر ما جاءت به خطأً، كما يكونُ حُكمُه في الأمكِنةِ والأزمِنةِ التي ظهَرَت فيها آثارُ النبوَّةِ)

==============

ثانيا: (اعتبارية التأويل) :

==============

اعتبار التأويل، اعتبار مهم، لا يعذر به المتأول فقط- كما يظن بعض الإخوة - بل لا يخرج المتأول عن أهل السنة أصلا.
قال ابن تيمية :

(فإن السلف أخطأ كثير منهم في كثير من هذه المسائل-يعني العقيدة-، واتفقوا على عدم التكفير بذلك، مثلما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء الحي، وأنكر بعضهم أن يكون المعراج يقظة، وأنكر بعضهم رؤية محمد ربه، ولبعضهم في الخلافة والتفضيل كلام معروف، وكذلك لبعضهم في قتال بعض، ولعن بعض، وإطلاق تكفير بعض، أقوال معروفة.وكان القاضي شُرَيْح ينكر قراءة من قرأ : ﴿ بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ ﴾، ويقول :إن الله لا يعجب!!! ) 

أمثلة على المتأولين:

١- القاضي شريح :

أنكر شريح القاضي أن الله يعجب، لأن العجب في اللغة لا يكون إلا بعد جهل بالأمر، فاستشكل الصفة، مما أداه إلى إنكار قراءة متواترة.
فاجتمع فيه أمران:

١- إنكار صفة لله ثابتة.. (وهذا كفر؛ لأنه أنكرها ولم يتأولها)

٢- إنكار قراءة متواترة

وكلا الأمرين كفر مستقل، فكيف بهما معا؟ .. بعد كل هذا ما رأيك أن السلف اتفقوا على إمامته وأنه من أجلة أهل السنة ؟
يقول شيخ الإسلام : (وكان القاضي شُرَيْح ينكر قراءة من قرأ : ﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ﴾ ويقول :إن الله لا يعجب، فبلغ ذلك إبراهيم النَّخَعِي. فقال :إنما شريح شاعر يعجبه علمه، كان عبد الله أفقه منه، فكان يقول : [ بل عجبتَ ] = فهذا قد أنكر قراءة ثابتة، وأنكر صفة دل عليها الكتاب والسنة، واتفقت الأمة على أنه إمام من الأئمة)

لذلك يوضح شيخ الإسلام أن الجهمية الأوائل كانت منطلقاتهم جحود القرآن واستخدام عقولهم، ولذلك كفرهم السلف، وليس كل من تأول بعض الصفات لسبب عنده كان مثلهم بالضرورة . 

_______

٢- أبو إسماعيل الهروي (شيخ الإسلام)

هل كنت تعتقد أن شيخ إسلام، وولي من أولياء الله، يُخطأ في العقيدة؟

يقول ابن تيمية : ( ويبالغ - أي الهروي- في ذم الأشعرية مع أنهم من أقرب هذه الطوائف إلى السنة والحديث.. ومع هذا فهو في مسألة إرادة الكائنات وخلق الأفعال : أبلغ من الأشعرية . لا يثبت سببا ولا حكمة بل يقول : إن مشاهدة العارف الحكم لا تبقى له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة . والحكم عنده: هي المشيئة . لأن العارف المحقق - عنده - هو من يصل إلى مقام الفناء... ومن لم يسلك في القدر مسلكه لزمه ألا يفرق بين الحسنات والسيئات.. = والأشعري لما أثبت الفرق بين هذا وذاك كان أعقل منهم) 

وقال : (فإنه في باب إثبات الصفات في غاية المقابلة للجهمية والنفاة وفي باب الأفعال والقدر قوله يوافق الجهم ومن اتبعه من غلاة الجبرية) 

فكما ترى، فشيخ الإسلام ابن تيمية فضَّل الأشاعرة على أبي إسماعيل الهروي في بعض المباحث وأن أبا إسماعيل أخطأ خطئا عظيما، ولم ينف ذلك أنه إمام في العقيدة

ونحن نجزم أن عقيدة الهروي = أمتن ألف مرة من المعاصرين

لأن موجبات التفاضل ليس في مسألة أو مسألتين. 

______

٣- بعض الحنابلة والأثرية نفوا الأفعال الاختيارية، مثل القاضي وابن الزاغوني، بل ونقلها ابن تيمية عن أجداده آل تيمية.
ونفي الأفعال= كفر مجرد؛ لقوله تعالى (فعال لما يريد)، وقد كفرهم نعيم بن حماد ونقله البخاري مقرا له في (خلق أفعال العباد)، لكن لما عنَّت للمتأخرين شبهة كلامية، ولم يقصدوا إنكار آيات القرآن = لم يكفروا بذلك، بل لم يخرجوا أساسا من أهل السُنة ولو في الجملة.
و الملاحظ أن شيخ الإسلام كان يمتدح عقيدة بعض الأشاعرة في الجملة كابن الصلاح وغيره، ولا يذكره إلا في موضع احتجاج بكلامه، فيما أننا نجد ابن تيمية ينتقد بعض الحنابلة كالقاضي أبي يعلى وابن الزاغوني، بل وجعل كلام ابن الزاغوني أسوأ من كلام الأشاعرة في قوله إن صوت القارئ هو صوت الله.

ويجعل قول القاضي أول واجب على المكلف النظر، وأن الله لم يخلق الخلق لحكمة وأن الله لا يحب ولا يُحب لذاته أسوأ من طريقة الأشاعرة المعتدلين ممن اكتفوا بالنصوص. 

لذلك فإن جنس الحنابلة والأثرية وإن كانوا خير من جنس الأشاعرة، لكن هذا لا يمنع وجود كثير من الأشاعرة خير من كثير من الحنابلة. 

*****

هذه ثلاثة أمثلة لمن أخطأ في العقيدة ولم يخرج عن مُسمى أهل السنة، ولم يُبدع، وإن كان قوله - كقول مجرد- باطل مردود عليه.
وبعض الشباب ممن ينتهج النهج التبديعي لم يطرد قاعدته الفاسدة في التبديع، وذلك لعدم علمه بهذه الأمثلة، لكن بعض التكفيريين اطرد مع القاعدة -واتسق مع نفسه- وبدع الهروي، و الأصبهاني، وابن خزيمة والقاضي شريح.
وَكل هذا بسبب الخلل في المنهجية ذاتها التي دللنا عليها.
.
====================

ثالثا: صحة مصدرية التلقي :

====================

من كانت أصوله ومنطلقاته صحيحة، يختلف عمن كانت أصوله ومنطلقاته غير صحيحة، ومن كان من المتكلمين يختلف عمن كان من غيرهم. وبعض الإخوة يضع الأشاعرة في سلة واحدة، ولا يفرق بين المتكلمين وغيرهم.

فبعض الأشاعرة مصدر تلقيه صحيح، وهو على التوحيد والسنة، بل وينكر على من خاض في علم الكلام

مثل ما نقله شيخ الإسلام عن أبي عمرو بن الصلاح أنه قال : (أخذ مدرسة الآمدي أفضل من فتح عكا) وكانت عكا تحت الصليبيين وقتئذ، فجعل ابن الصلاح أخذ مدرسة الآمدي أولى من فتح عكا،؛ لأن الآمدي كان رأسا في علم الكلام.
وستعلم أن ابن تيمية يفضل بعض الأشاعرة على بعض الحنابلة

لذلك ينبغي التنبيه إلى مسألة جليلة وهي أن أهل الأهواء إنما سُموا بهذا الاسم؛ لكونهم اتبعوا أهواءهم بعدما تبين لهم الحق، فلو قُدُّر أن أحدهم أو جماعة منهم لم يتابعوا أهواءهم = كانوا من أهل السنة ، وإن لم يكن قولهم بالضرورة حقا في نفسه.

ولذلك شيخ الإسلام يُبيّن أن الاجتهاد يشمل الأصول والفروع ويؤجر الرجل على الإصابة والخطأ فيهما، وأن أهل العلم لم يفهموا كلام العنبري لما قال : كل مجتهد مصيب" ووضح أنه يقصد : مصيب باعتبار كونه من أهل الحق ممن يتحرون الصواب، وليس بصاحب هوى.

يقول شيخ الإسلام : (وهذه حال أهل الاجتهاد والنظر والاستدلال في ((الأصول والفروع)) ، ولم يفرق أحد من السلف والأئمة بين أصول وفروع. بل جعل الدين قسمين :أصولا، وفروعًا = لم يكن معروفًا في الصحابة والتابعين، ولم يقل أحد من السلف والصحابة والتابعين :إن المجتهد الذي استفرغ وسعه في طلب الحق يأثم لا في الأصول ولا في الفروع، ولكن هذا التفريق ظهر من جهة المعتزلة، وأدخله في أصول الفقه من نقل ذلك عنهم، وحكوا عن عبيد اللّه بن الحسن العنبري: أنه قال :كل مجتهد مصيب، ومراده أنه لا يأثم.. ). ثم انتصر ابن تيمية لقوله

لذلك فإن من كانت أصوله صحيحة - كالنووي وابن الصلاح وابن العطار مثلا -، سوف تجده ينكر على المتكلمين، فقد حرم النووي علم المنطق وانتقد المتكلمين، وشنع عليهم النووي في مسألة أول واجب على المكلف النظر في دليل الحدوث،، ومثله الإمام السيوطي الذي ألف (صون المنطق والكلام عن علم المنطق والكلام) الذي لخص فيه كلام الهروي وابن تيمية وانتقد المتأخرين في خلطهم الكلام بأمور الديانة .

والقصد من ذلك= أن الرجل صحيح الإيمان قد تؤثر عليه أحيانا البيئة في بعض المسائل دون بعض، فيكون رأيه فيها تابعا لهم لعدم بيان المسألة بجلاء في تلك الأزمنة ، وهذا لا يؤثر على عقيدته (بالمعنى الأشمل للعقيدة) لأنه ليس متبعا للهوى كما أسلفنا. 

ووفق هذا كله = ف المجتهد من هؤلاء هو من أهل السنة إجمالا؛ لأنه عمِل بما عَلم، وفعل ما أمره الله به، و ضابط البدعة : اتباع الهوى، وهو لم يتبع هواه بل اتبع ما وصله من علم. 

قال شيخ الإسلام في كلامه عن العنبري في قوله"كل مجتهد مصيب" : "فإذا أريد بالخطأ الإثم فليس المجتهد بمخطئ، بل كل مجتهد مصيب مطيع للّه، = ((فاعل ما أمره اللّه به)) ، وإذا أريد به عدم العلم بالحق في نفس الأمر فالمصيب واحد وله أجران"
وكلام ابن تيمية يشمل الأصول والفروع معا. 

===============

رابعا : اعتبارية النشأة :

===============

إذا قال علماؤنا بأن الإمام الفلاني تأثر ببيئته تجد بعض الشباب المندفع يستشكل هذا، ويقول القرآن واضح والسنة واضحة فلا يعذرون.. الخ

وهذا كلام فيه جهل، والحق مع مشايخنا قطعا، فقد كان الإمام أحمد وغيره يعذرون أهل البصرة على قولهم بالقدر؛ لأن بعض علماءهم البصريين قالوا بتلك البدعة ، فعذرهم أن هذا ما نشأوا عليه، ورفض أهل الحديث تبديعهم، بل كان الإمام أحمد يعظمهم ولا يخرجهم من أهل السنة في الجملة (على الرغم أن إنكار القدر ليس بالأمر الهيِّن !) 

ولما سمع الامام أحمد أن أحد الأمراء أراد أن يُضيق على القدرية في البصرة، تدخل بنفسه هو وأصحابه، وأفهموه أن المكان الذي نشأوا فيه أثر عليهم. 

قال عبد الله بن أحمد: (سمعت محمد بن يحيى بن سعيد القطان. قال: لما ولي معاذ بن معاذ قضاء البصرة أبى أن يُجيز شهادة القدرية , قال: فكلمه أبي، وخالد بن الحارث , وقالا له: قد عرفت أهل هذا المصر , قال: فكأنه تساهل بعد)

مع اعتبار أن بيئة الإمام أحمد كان ينتشر فيها السنة، وكانوا هم الأغلب في الأمة الإسلامية، ولم تكن انتشرت مقالة تأويل الصفات بعد،َ؛ فلما انتشرت الشبهة في المتأخرين وقال بها علماء وصنفت فيها مجلدات= كانت من جنس إنكار القدر ونحوه في زمن أحمد. 

****

شبهة والرد عليها :

وجب التنبيه على أن البعض يستثني مسألة العلو من جملة مسائل التأويل و الإعذار، ويستدل بقول ابن خزيمة أو بقول الإمام أحمد وغيرهما في تكفير منكر العلو ، والجواب على ذلك من وجوه :

١- المنقول عن السلف في تكفير منكر العلو لا يقل عن تكفير السلف لمنكر بقية الصفات، وكلام أحمد في إنكار الكلام بالصوت معروف، قال إسحاق: (من أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر) ، فما وجه التفريق بين العلو وبين غيره؟

٢- الذي يظهر من كلام النووي وغيره من غير المتكلمين، أنهم غير منكرين للعلو، إنما ينفون بعض اللوازم ويبالغون في ذلك، بل قد نقل النووي قول القاضي عياض : (واتفق أهل القبلة أن قوله تعالى أءمنتم من في السماء ونحوه من القرآن متأول.. ، وأهل الحديث الذين يثبتون الفوقية تأولوا من في السماء : من على السماء، ودهماء المتكلمين تأولوها بغير ذلك..)

نقل هذا عن القاضي عياض وأقره عليه، فلم يكونوا ينكرون العلو، إنما نقلوا بعض الكلام الخاطئ كنفي الجهة وقصدوا بها الجهة المخلوقة، والحد ونفوا الحيز ونحو ذلك وجعلوه تنزيها.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يتأول لهم : 

(.. وأما قلبه فعلى الفطرة والسنة، وأكثرهم لا يفهمون ما النفي الذي يقولونه بألسنتهم، بل يجعلونه تنزيهًا مطلقًا مجملاً‏.‏ ومنهم من لا يفهم قول الجهمية‏.‏ بل يفهم من النفي معنى صحيحًا، ويعتقد أن المُثبت يثبت نقيض ذلك، ويسمع من بعض الناس ذكر ذلك‏ !

مثل أن يفهم من قولهم‏:‏ ليس في جهة، ولا له مكان، ولا هو في السماء= أنه ليس في جوف السموات، وهذا معنى صحيح، = ((وإيمانه بذلك حق)) ، ولكن يظن أن الذين قالوا هذا النفي اقتصروا على ذلك، وليس كذلك، بل مرادهم‏:‏ أنه ما فوق العرش شيء أصلاً، ولا فوق السموات إلا عدم محض، ليس هناك إله يعبد، ولا رب يدعى ويسأل، ولا خالق خلق الخلائق، ولا عُرج بالنبي إلى ربه أصلا، هذا مقصودهم)) انتهى .

ففي النقل السابق يُفرق ابن تيمية بين المتكلمين، وبين غير المتكلمين ممن تأثروا بالبيئة ، وبيَّن أن إيمانهم حق وأن النفي الذي ينفونه لا يقصدون به التعطيل. 

والقصد أن التأصيل الكلامي لهذا النفي لا يعرفه غير المتخصص في علم الكلام، إنما قد يقول غير المتكلم: على العرش من غير جلوس، وليس في السماء، فالسماء لاتحويه، = فينفون المعنى الباطل الذي يشاركهم أهل السنة في نفيه، بينما إخوانهم من المتكلمين إنما يقصدون النفي المجرد ويؤصلون له كلاميا.

كما أن النووي - رحمه الله- له رسالة، أو نسبت إليه رسالة-أثبت فيها الحرف والصوت والعلو وبقية الصفات، قد ألفها قبل موته، ويدل على موته على هذه الطريقة = سلوك تلامذته كابن العطار والمزي هذا المسلك ومجانبتهم للمتكلمين. 

___________

وأخيرا نقول : إن المعايير التي يتفاضل بها المؤمنون ليست مقتصرة على مسألة أو مسألتين في الصفات الخبرية، فهذه الأمور الخبرية لا تدرك بالفكر ولا بالروية- كما قال الطبري- إنما تدرك ببلوغ الحجة. وأن الاجتهاد في المتأخرين يشمل المسائل الخبرية والعلمية - كما هو مذهب ابن تيمية-

و قد يكون السلفي مقلدا في أقواله لثقته بالشيوخ ولا يعمل بتلك العقيدة ولا يفقهها ولا يفهم معنى أسماء الله وصفاته، ولا يعمل بأن الله مطلع عليه ويبصره وقادر عليه، بل قد يؤمن بالصفات على وجه خطأ -كما هو واقع ومشاهد- ، وقد يكون متشككا في دينه، وقد رأينا انتكاسات كثيرة في الفترات الأخيرة وتحوّلات تدل على الخواء الإيماني.

فهذا السلفي -ظاهريا - المهتريء داخليا - والمليئ بالأمراض العقدية والنفسية ليس بأفضل قطعا من النووي ولا غير النووي من المجتهدين في طاعة الله ورسوله وإن أخطأوا في مسائل. 

أما العالم المخطأ في المسائل الخبرية قد بلغ من يقينه بأسماءه وصفاته -التي ثبتت عنده- وعمل بها مخلصا لله = فبلغ رتبة عليا، وغمر إيمانه وعمله هذا القدر القليل الذي أخطأ فيه.

قال العلامة ابن القيم رحمه الله:

(من له علم بالشرع والواقع يعلم قطعاً أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكان قد يكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده فلا يجوز أن يتبع فيها ولا يجوز أن تهدر مكانته ومنزلته في قلوب المسلمين)

والله أعلم

المصدر الأصليhttps://www.facebook.com/alaahassan.abdelrazik/posts/966936350812284

No comments:

Post a Comment