لماذا نقول بامتناع قدر مشترك بين صفات الله تعالى وصفات العبيد؟ ما المشكلة في ذلك؟
ذلك بأنَّ كلَّ معنى يتَّصف به العبد فهو معنى ممَّا يتَّصف به الممكن، فهو معنى ممكن (وحادث)، لأنَّ العبد بما فيه مرجَّح حادث بلا ريب، فكذا صفاته، والله تعالى ليس له أيُّ صفة ممكنة، فلا يتَّصف بأيِّ معنى من المعاني التي يتَّصف بها العبد.
أي: لئن قيل باشتراك بين الله تعالى والعبد في معنى ما [أو في قدر ما من المعنى] فهذا المعنى [أو هذا القدر من المعنى] المشترك إمَّا واجب أو ممكن، إن كان واجباً فلا يتَّصف به العبد، وإن كان ممكناً فلا يتَّصف به الله تعالى.
مثال ذلك اليد المنسوبة إلى العبد، فهي بحسب تعريفها جزء من البدن يُمسك به ويُبطش...
بغضِّ النَّظر عن شكل اليد وكيفيَّتها ومادَّتها وحجمها ولونها، هذا المعنى في ذاته مهما كانت كيفيَّته يجب تنزيه الله تعالى عنه، لأنَّ الله تعالى منزَّه عن أن يكون متحيِّزاً.
وكذلك السَّمع، فمن أثبت قدراً مشتركاً في معناه بين الله تعالى والعبد كان مثبتاً لله تعالى صفة ممكنة، وهذا ممتنع.
وبطريق آخر يقال: سمع العبد انفعال فيه، والله تعالى منزَّه عن الانفعال، فالله تعالى منزَّه عن معنى السَّمع الذي يتَّصف به العبد.
سؤال: أنتم تقولون بالاشتراك بين الله تعالى والعبد في السَّمع، فكيف تنكر هذا الآن؟
أقول: لا نقول بالاشتراك المعنويِّ بين الله تعالى والعبد في صفة السَّمع، فصفة السمع لله تعالى لها معنى آخر غير صفة السَّمع للعبد مطلقاً، ليس الاشتراك إلا لفظيّاً عندنا، وإنَّما الاشتراك في متعلَّق الصِّفة في كون زيد مسموعاً لله تعالى وللعبد.
وكذلك ليس هناك اشتراك في أيِّ معنى من المعاني، حتَّى لو تشابهت أسماؤها، كصفة القدرة والإرادة والعلم والحياة. فالاشتراك لفظيٌّ للاشتراك في لازم ثبوت هذا المعنى فقط، واللازم خارج عن المعنى، وهو أمر اعتباريٌّ. فلذلك كان تعريفنا للصِّفات رسماً لا حدّاً، والتَّعريف بالرَّسم لا يستلزم الاشتراك في المعنى بأيِّ وجه، بل هو تعريف للصِّفة بلوازمها. وذلك كتعريفنا (الرُّوح).
انظر هذا هنا
وهنا
فإلزام الأشعريَّة بحصول الاشتراك المعنويِّ في الصِّفات جهل عليهم، وقولهم رضي الله عنهم إنَّ الله تعالى متَّصف بصفات المعاني ليس يلزم منه الاشتراك المعنويُّ، ونفيهم الاشتراك المعنويَّ لا يستلزم كونهم معتزلة نافين للصِّفات.
الحاصل: إثبات قدر مشترك معنويٍّ بين صفة الله تعالى وصفة المخلوق هو قول بأنَّ حقيقة هذا الذي يتَّصف الله تعالى به هو حقيقة ما يتَّصف به المخلوق.
ونحن نثبت أنَّ كلَّ حقيقة وجوديَّة يتَّصف المخلوق بها ممكنة، فيتنزَّه الله تعالى عن الاتِّصاف بها.
سيقال: أنتم تقولون بالاشتراك في الوجود.
ليجاب: الوجود أمر اعتباريٌّ ليس له مصداق في الخارج، أمَّا اليد فلها مصداق في الخارج، فمعلوم أنَّنا إن قلنا: اليد مشتركة بين زيد وعمرو والقرد، فليس المقصود اشتراك خارجيٌّ، إنَّما المقصود الاشتراك في حقائق هذه الصفات الخارجيَّة، فمعنى اليد لزيد هو هو لعمرو وهو هو للقرد، وإن اختلفت الأشكال والأحجام والألوان، وحتّى لو فرضنا اختلاف المادَّة.
اااااااااااااااااااااااااااا
ولذلك يقول الإمام الطَحاويُّ رحمه الله: "ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر"
.
مع الخلاف في تكفير القائل بهذا، إلا أنَّه باطل عند أهل الحقِّ كفريٌّ أو ملزوم الكفر.
اااااااااااااااااااااااااااااااااا
وعلى هذا فلئن رأيتَ أخي بعض الحشويَّة يُخبِّص بغير فهم لما يقول –فضلاً عن فهمه لقول خصومه- في القول إنَّ إثبات اليد لله تعالى وكونها مشتركة مع يد العبد بقدر مشترك ليس قولاً باشتراك خارجيٍّ، لأنَّ (اليد) المطلقة ليست أمراً موجوداً في الخارج.
ليس بجواب ولا مهرب أصلاً! فلما سبق فإنَّهم واقعون في المصيبة...
فهم مجسِّمة يصفون الله تعالى بأنَّ له أجزاء كلٌّ منها في ناجية من الآخر، مشبِّهة لا يمنعون المشابهة حتَّى في الانفعالات.
وقد تقرَّر عند الأئمَّة أنَّ كلَّ متحيِّز ذي مقدار ممكن حادث مخلوق، وأنَّ كلَّ منفعل يحدث له وصف فهو ممكن حادث مخلوق.
وإلا فلا دليل لهؤلاء الحشويَّة على حدوث العالم (على الأقلِّ بعض أجزائه)!
وقد قرَّر بعض الحشويَّة هذا التَّخبيص في مناقشة معه قبل سنين، قال إنَّ (اليد) مفهوم كلِّيٌّ، والاشتراك في الكلِّيِّ ليس اشتراكاً خارجياً. فكما أنَّ الأشعريَّة يثبتون اشتراكاً غير خارجيٍّ في الوجود فلا بأس من إثبات اشتراك في اليد، لأنَّه ليس هناك اشتراك خارجيٌّ بينها، وإنَّما هناك جزئيّان مختلفان غير مشتركين، يد الله ويد العبد، ليس بينهما أيُّ اشتراك خارجيٍّ.
فأقول: قد مرَّ بيان جهة امتناع الاشتراك في قدر معنويٍّ، ولا ريب في أنَّ القول بقدر مشترك في المعنى والحقيقة قول بتماثل في الصفتين، فيلزم إمكانهما معاً أو وجوبهما .
سيقال: نحن نقول بقدر مشترك ومشابهة بين الصِّفتين، لكنَّا لا نقول بالتَّماثل.
ليجاب: هناك تماثل في القدر المشترك...
فهؤلاء يقولون إنَّ التَّماثل هو الاشتراك من كلِّ الجهات، فإن لم يكن اشتراكاً [مشابهة] من كلِّ الجهات فليس بتماثل.
فحاصل كلامهم أنَّه حتَّى على هذا فهناك جهات بها الاشتراك وجهات بها الاختلاف، الجهات التي بها الاشتراك متماثلة، والقول بأنَّها غير متماثلة لعروض غيرها عليها تهرُّب مكشوف.
والحقُّ أنَّ هؤلاء يقولون إنَّ الاشتراك في المعاني والافتراق في الكيفيّات، والكيفيَّات عارضة على المعاني، فليس الاختلاف بين صفة الله تعالى وصفة المخلوق عندهم إلا بأمور عارضة. وعليه فالمعاني متماثلة، معنى هذه الصفة اليت لله تعالى هو هو معنى هذه الصفة التي للعبد. هذا حقيقة قولهم.
وعليه فإنَّه لا يصحُّ للحشويَّة أن يقولوا إنَّ صفة الله تعالى واجبة له وصفة العبد ممكنة ما داموا قائلين بالتَّماثل بالمعاني، ولا ينفعهم القول بالاختلاف في الصِّفتين في الكيفيّات، فإنَّ الذي يدلُّ الدَّليل على كونه ممكناً هو المعنى مهما كان كيفها.
هنا ستجد كثيراً من الحشويَّة لا يفهمون ما يُقال لهم، ويحاولون بشدَّة التَّهرُّب بالقول إنَّ المغايرة في الكيفيَّات يكفي في القول بالمغايرة!
ااااااااااااااااااااااااااااااااا
تنبيه: لمَّا كان أصلُ تنزيهنا الله تعالى عن الاتِّصاف بما يتَّصف به المخلوقات من المعاني لعلمنا بأنَّ كلَّ صفات المخلوقات ممكنة حادثة مخلوقة فالتنزيه عن المشابهة عقلاً ليس لذاته، بل لتنزيهنا عن لازم القول به وهو كون الله ممكن الوجود تعالى عن ذلك.
ااااااااااااااااااااااااااااااااااااا
تنبيه: نحن نقول إنَّ الماهيَّة والوجود كلاهما أمر اعتباريٌّ...
والقول بأصالة الماهيَّة لا يلزم منه الاشتراك بين الله تعالى والمخلوقات في المعقول الأوَّل، فإنَّنا إن قلنا إنَّ الأصالة للماهيَّة فإنَّ المقصود إنَّ ماهيَّة هذا لها أصالة على وجوده وماهيَّة ذاك لها أصالة على وجوده، وليس المقصود أنَّ مفهوم (الماهيَّة) سيكون مشتركاً هو معقول أوَّل، فإنَّ مفهوم (الماهيَّة) اعتباريٌّ.
لكنَّ المشكلة هي جرأة الحشويِّ على الكلام على ما لا فهم له فيه.
No comments:
Post a Comment